احتفال أمريكا في القدس/مجزرة إسرائيل في غزة

16 - مايو - 2018

15
حجم الخط

تلخّص الأحداث الأخيرة في غزة والقدس، وبطريقة مركزة، «المسألة الفلسطينية»، باعتبارها استبدالا للإشكالية الأوروبية المريرة («المسألة اليهودية»)، التي أسست لظهور دولة إسرائيل، وللنكبة الفلسطينية، ولتداعيات الحدثين الإقليمية والعالمية اللاحقة، باعتبارها تحدّيا للدول العربية المستقلة حديثا، وللهويّة التاريخية العربية (والإسلامية إلى حد كبير) للمنطقة وشعوبها، وللشعب الذي بدأ باكتشاف هويته الوطنية مع انتقاله فجأة من مرحلة احتلال كولونيالي إلى احتلال استيطاني وكولونيالي معاً، وتهجير لقسم كبير منه.
جدير بالتذكر هنا أن الذين أسسوا الدولة العبرية كانوا محتارين في تسميتها: صهيون، أم أرض اليهود الخ… وقرّ رأي أحدهم (دافيد بن غوريون) بعد ذلك على اسم «إسرائيل» التي لا حدود جغرافية تحدّها والتي لا ذكر لله في بيان تأسيسها (رغم أن إسرائيل هو لقب يعقوب، سلف اليهود في التوراة)، وهذه الوقائع الثلاث تدل على حالة مستجدة وطارئة مسكونة بفكرة الزوال والحروب التي لا تنتهي والحيرة بين الديني واللادينيّ، وفعلاً فقد بدأت الحرب مع الدول العربية بعد أيام من التسمية الغريبة، لكن دولة اليهود، صهيون، إسرائيل الخ…، ولأسباب تاريخية وسياسية وعسكرية معقدة، تمكنت من هزيمة الجيوش العربية، ومن توطيد كيانها المستجد، وتهجير سبعمئة ألف فلسطيني، سيكونون نواة التغريبة الطويلة، المتعددة الفصول والمتكررة على دفعات ومجازر إسرائيلية وعربية كل بضع سنين، لمدة سبعين عاماً لاحقة.
ساهم تأسيس «إسرائيل» إذن في نموّ الوطنية الفلسطينية المأزومة والجريحة وفي صعود نسخ أولى من الشعبوية العسكرية ـ السياسية العربية التي تنطّعت، باسم مواجهة الخطر الصهيوني، إلى تهشيم البنى الأولى المؤسسة للدول العربية وبذور الديمقراطية والمدنية وصعود الأنظمة العسكرية ـ الأمنيّة العربية، وخلقت، رغم رطانتها العالية الصوت ضد إسرائيل، شروطا لاستمرار الكيان الناشئ والطارئ عبر نشوء الاستبداديات الجمهورية، وتصلّب الطغيانات الملكية الخائفة من الانقلابات ضدها، وفتحت المجال لمشهد الخراب الهائل الذي تعيشه الشعوب العربية حاليا.
جمعت المقاربة العربية تجاه الكيان العبري بين طريقتين متكاملتين في الباطن ومختلفتين في الظاهر: دعاية المواجهة التي تسعيرتها الاستئثار بالسلطات ومنع تداولها تحت وطأة الاتهام بالخيانة الوطنية والعمالة للأجنبي وإسرائيل، والتطبيع المجاني السرّي والعلني الذي يتجاهل الفلسطينيين والقضية الفلسطينية معتبرا أنها يمكن أن تختفي بالقمع الإسرائيلي ـ العربي المشترك.
يجب أن نعترف، مع ذلك، أن الانحطاط العربيّ ساهم في تغيير إسرائيل، فرغم حفاظها على أسس الديمقراطية الغربية المنشأ، واستئثارها بأسباب القوّة العلمية والعسكرية والمالية، فإن مسار الدولة العبرية السياسي انحدر خلال السبعين عاما الماضية لتصبح وجها فاقعاً لليمين الدينيّ المتطرّف والغطرسة الفائقة التي تجعلها حليفا لأشكال الفاشية السياسية والشعبوية اليمينية وتيارات العنصرية في كافة أنحاء العالم، والتي تجد ازدهارا كبيرا في هذه الحقبة، من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين، مرورا بهنغاريا والنمسا، اللتين يحكمهما اليمين المتطرّف.
الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس تم في يوم «تأسيس إسرائيل»، وقتل هذه الـ»إسرائيل» 62 فلسطينيا وجرح الآلاف في اليوم نفسه الذي هو يوم «نكبتهم»، حدثان متناظران ومتساويان يلد الواحد الآخر.
احتفال السفارة الأمريكية في القدس هو إذن احتفاء بالمجزرة الإسرائيلية ـ العربية المستمرة ضد الفلسطينيين.
ولكنّه، أيضاً، موعد جديد مع مشروع فلسطين العالمي لمناهضة الظلم، وهو قدرنا وقدر العالم.

احتفال أمريكا في القدس/مجزرة إسرائيل في غزة

رأي القدس

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ابو محمد من الشابورة - فلسطين

    اريد ان اسآل اذا كان هناك اي تحرك من قبل نقابات المحامين العرب والفلسطينية بالذات اذا كان هناك نية لرفع قضية في المحاكم الدولية ضد قتلة المدنيين والاطفال باسم اهالي الشهداء والجرحي؟ هل قامت هذه النقابات اوحتي حاولت ان تقوم بشئ من هذا القبيل بالتنسيق مع مراكز حقوق الانسان الدولية منها والمحلية؟ نعرف مواقف السلطة في رام الله بهذا الخصوص عندما قام الاحتلال بتدمير غزه وقتل الاطفال والمدنيين في السابق. هل وجود سلطة رام الله يعفي نقابات المحامين ومؤسسات المجتمع المدني في فلسطين والدول الشقيقة من فعل شئ من هذا القبيل؟ ما هذا الهوان؟


  • سلام عادل(المانيا)

    اعتقد انني لا احتاج ان اعلق على ماساة الفلسطينيين وقضيتهم لاني قلت رايي اكثر من عشرات المرات ولكني سارد على بعض تعليقات الاخوة الغريبة العجيبة .
    الاخ Dinars له مشكلة مع الدروز فصب جام غضبه عليهم
    الاخ ماء مبلول
    بالعراق نقول المبلل لا يخاف من المطر فلو فتح باب الجهاد سوف يذهب الكل الى سوريا ليحاربوا الرافضة فانسى الموضوع والتجارب كثيرة من افغانستان للعراق الى ليبيا والان سوريا ولم نرى احدهم ذهب الى فلسطين
    الاخ سامح //الأردن نتمنى ما تقوله ان يكون صحيحا ولكن الواقع غير ذلك
    الاخ عبود شاربي الخمر ليس لديهم احساس بالذنب فالذنوب يرتكبها الاخرون وساسة العراق بالذات وكل الحكومات العربية لا يشربون الخمر ولكن ذنوبهم لا تعد ولا تحصى


  • يحيا العدل

    المغربي-المغرب
    يا وزراء وسياسيو ودبلوماسيو الجزائر فلسطين تحترق اينكم من هدا اليست فلسطين هي الاولى والاجدر باءن تدعمونها وتساعدونها و تجدو لها حل الستم تدعون ان كل همكم هو نصرة الشعوب المضلومة اين محلكم من الاعراب في القضية الفلسطينية كفاكم من هدا الهراء كشفت عورتكم.


  • المغربي-المغرب

    يحيا العدل…نعم لقد صرفت على قضايا مختلقة اموال خيالية…لو خصص جزء منها لقضية فلسطين لكان حال اهلها في العيش والمقاومة والصمود احسن بالاف المرات…، ولاننسى ان الشعب الفلسطيني عبقري بطبعه..وله ارادة غير مسبوقة في تحدي الصعاب…وخلق الحياة من رحم الموت…انه الشعب الذي قضى على الامية واغلب مكوناته في المخيمات…بينما يقبع الاخرون في نسب مخجلة من الجهل المعرفي المركب….رغم شراءهم للالقاب والشواهد التي لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به….ولكن ما حيلتنا مع من جعل من منهج البسوس في اثارة الفتن بين الاشقاء…وتجزييء المجزىء..غاية وهدفا لاتعلو عليها كل الاهداف…والعياذ بالله. وشكرا اخي الكريم.


إشترك في قائمتنا البريدية