ارتفاع نسبة البطالة بسبب غياب التنمية يلقي بثقله على الأوضاع في تونس

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: استقر عدد العاطلين عن العمل في تونس خلال الجزء الثالث من سنة 2023 في حدود 638.1 ألف شخص وذلك وفقا للبيانات التي أصدرها مؤخرا المعهد الوطني التونسي للإحصاء. ورغم هذا الاستقرار فإن نسبة البطالة عرفت خلال نفس الفترة ارتفاعا طفيفا لتبلغ 15.8 في المئة، مقابل نسبة 15.6 في المئة خلال النصف الثاني من هذا العام 2023 وذلك طبقا لبيانات المعهد.

ويرجع البعض هذا الارتفاع المسجّل في نسبة البطالة، إلى تراجع عدد السكان النشيطين، أي من يشتغلون أو يبحثون عن شغل، والذي بلغ 4 ملايين و32 ألف شخص خلال الجزء الثالث من سنة 2023 وذلك بعد أن كان في مستوى 4 ملايين و96 ألف شخص في الجزء الثانية. ويبدو حسب البعض أن الهجرة المتفاقمة التي تشهدها تونس في الفترة الأخيرة، سواء الهجرة المنظمة لأصحاب الشهائد العلمية أو الهجرة بعبور الحدود البحرية خلسة باتجاه أوروبا، كانت من الأسباب الرئيسية لتراجع عدد السكان النشيطين في البلاد.

تمييز جندري

ووفقا لأرقام معهد الإحصاء التونسي فإن عدد المشتغلين بلغ في تونس خلال الجزء الثالث من سنة 2023 قرابة 3 ملايين و394 ألف، مقابل 3 ملايين و457 ألف شخص في الجزء الثاني من نفس السنة مسجلا بذلك تراجعا بـ 63.8 ألف شخص. ويستقطب قطاع الخدمات 53 في المئة من المشتغلين، في حين يستقطب قطاع الصناعات المعملية 20 في المئة، بينما يستقطب قطاع الصناعات غير المعملية 14 في المئة من المشتغلين، وينشط 13 في المئة من المشتغلين التونسيين في قطاع الفلاحة والصيد البحري.
ويفوق عدد الرجال المشتغلين في تونس بكثير عدد النساء وبصورة لافتة، إذ تبلغ نسبة المشتغلين من الرجال التونسيين 72.7 في المئة في حين تبلغ نسبة النساء المشتغلات 27.3 في المئة. ولا يجد البعض من تفسير لذلك، خاصة وأن عدد الفتيات في مؤسسات التعليم العالي يفوق عدد الفتيان، سوى أن عقلية التونسيين ما زالت تخير الرجل على المرأة عند الانتداب بقطع النظر عن التفوق الدراسي للفتيات.

سداد الديون

وتحتاج تونس سنويا، وفقا لرئيس ديوان وزارة التشغيل والتكوين المهني، عبد القادر الجمالي، إلى خلق حوالي 85 ألف موطن شغل جديد للتحكّم في معدّل البطالة الحالي. كما تحتاج إلى أكثر من 100 ألف موطن شغل جديد سنويّا، لتتمكن من تخفيض نسبة البطالة. ويقتضي تحقيق ذلك، حسب عديد الخبراء، أن تخصص الحكومات مبالغ مالية معتبرة سنويا في الميزانية لخلق المشاريع التنموية التي تخلق بدورها مواطن الشغل وتدير عجلة الاقتصاد وهو ما لا يتوفر في تونس منذ سنوات.
فنصيب الأسد من النفقات في ميزانية الدولة التونسية في السنوات الأخيرة هو لسداد الديون الخارجية وذلك في غياب السعي إلى طلب إعادة جدولتها من الدائنين وعلى رأسهم الصناديق المالية والبنوك الدولية. كما تستنزف كتلة أجور الموظفين نفقات الميزانية التونسية بعد أن تم إغراق الوظيفة العمومية بانتدابات عشوائية خلال العشرية الماضية اضطرت الدولة أحيانا إلى الاقتراض لتوفير رواتب المنتدبين.
وبالتالي هناك اتفاق بين أغلب خبراء الاقتصاد في البلاد بضرورة الكف عن التداين من أجل الاستهلاك الداخلي، بل لا بد من استغلال بعض التمويلات الخارجية النادرة في إكمال بعض المشاريع التنموية المعطلة على غرار مشاريع إنشاء محطات تحلية مياه البحر والمشاريع الطاقية ومشاريع البنى التحتية وغيرها. وستساهم هذه المشاريع في خلق مواطن الشغل سواء أثناء البناء والتشييد أو عند دخول هذه المشاريع قيد الاستغلال والإنتاج ما في ذلك شك، وستجد الدولة نفسها وقد بدأت تحد تدريجيا من البطالة التي كانت أحد أسباب إطاحة الشباب بمن تحكم بمصير البلد منذ الثورة وإلى يوم الناس هذا.

انسداد الآفاق

ويواجه الشباب التونسي شبح البطالة وهو ما يضطر بعضه إلى مغادرة البلد سواء عبر القنوات الشرعية أو عبر المسالك غير الشرعية خاصة بعد أن تم إغلاق باب الانتداب في الوظيفة العمومية التي أغرقت في السنوات الماضية بانتدابات عشوائية. كما أنه أصبح من الصعب الاستثمار في القطاع الخاص نتيجة للبيروقراطية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، ولصعوبة النجاح في ظل ارتفاع الجباية إلى درجة المبالغة، وبسبب تداول الشيكات في المعاملات التجارية الأمر الذي يتسبب في انتهاء المستثمر الشاب وراء قضبان السجن.
ووفقا للأرقام الصادرة مؤخرا عن المعهد الوطني للإحصاء، فقد زادت نسبة البطالة في صفوف الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة لتصل إلى 39.1 في المئة، مقابل 38.1 في المئة خلال الجزء الثاني من هذه السنة. وتقدر نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا بـ 24.6 في المئة مقابل 23.7 في المئة في الثلاثية السابقة، وتصل الى 32.9 في المئة لدى الإناث و 14.4 في المئة لدى الذكور.

ضعف النمو

يرى عماد بالرابح الخبير الاقتصادي والمالي التونسي في حديثه لـ«القدس العربي» أن التوقعات تؤكد بأن نسبة النمو لن تتجاوز الـ 1 في المئة خلال السنة المقبلة في حين أن البلد بحاجة إلى أكثر من 5 في المئة لتتحقق تنمية تساهم في التخفيض من نسبة البطالة وذلك بخلق مواطن الشغل خصوصا في المناطق الداخلية. ففي هذه المناطق، حسب الخبير الاقتصادي والمالي التونسي، ترتفع نسبة البطالة عن المعدل الوطني ويزداد عدد العاطلين عن العمل بشكل لافت وذلك لانعدام المشاريع التنموية.
ويضيف محدثنا قائلا: «لا توجد عصا سحرية للقضاء على البطالة، ولا توجد مناطق شغل تأتي وحدها إلينا ونحن قابعون في أماكننا لا نتحرك ولا نبذل جهدا للخروج من هذا المستنقع الذي وجدنا فيه أنفسنا. لا بد من خلق مواطن الشغل وذلك من خلال المشاريع التنموية في كل مكان من أنحاء البلاد التونسية، ولا بأس من الاقتراض من أجل إنجاز المشاريع التنموية خلافا لما هو حاصل اليوم حيث تقترض البلاد لخلاص رواتب موظفي القطاع العام.
كما أننا قمنا بالاقتراض في وقت ما من أجل سداد أقساط قروض أخرى حل أجلها ووضعنا أنفسنا في حلقة مفرغة وبقينا في نفس المكان نشخص الأسباب، نضع الحلول للخروج من الأزمة، لكننا لا نطبق هذه الحلول، وأتحدث هنا عن الحكومات التي عرفتها تونس خلال العشرية الماضية وتضاف إليها حكومتا نجلاء بودن وأحمد الحشاني. كل هذه الحكومات قامت بتصريف الأعمال وكأنها حكومات مؤقتة، فلم تجتهد ولم تخطط ولم تضع البرامج التنموية أو الخطط لخروج تونس من هذه الورطة الاقتصادية التي وجدت نفسها فيها».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية