استئصال «حماس» واستكمال احتلال غزة

نادراً ما بلغ نفاق الحكومات الغربية المساندة لإسرائيل القدر الذي بلغه إبان حملة الإبادة التي تخوضها الدولة الصهيونية في قطاع غزة منذ ما يفيض عن أربعة شهور. بل ربّما جاز القول إنها حالة قصوى من النفاق بوجه عام، قلّ مثيلها في أي شأن كان. ذلك أن النفاق ملازمٌ أصلاً للتناقض الصارخ الكامن في دعم حملة همجية على شعب القطاع بحجة «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس». فأي حق هذا، يا ترى؟ هل يقرّ القانون الدولي بحقٍ ما للمحتلّين في «الدفاع عن النفس» ضد مقاومة الخاضعين لاحتلالهم؟ وحتى لو تجاوزت أعمال مقاومي الاحتلال الأهداف المشروعة وطالت غير المقاتلين في دولة الاحتلال، هل يشرّع «الدفاع عن النفس» ارتكاب مجزرة عظمى بحق الجماعة البشرية التي ينتمي إليها المقاومون، بأطفالها وشيوخها ونسائها وغالبية رجالها الساحقة من غير المقاتلين؟
أما النفاق الأكبر فيكمن في دعم غاية الحملة الصهيونية المعلنة، ألا وهي استئصال «حماس» من قطاع غزة، مع إسداء النصح لإسرائيل بأن تحرص على مراعاة القانون الدولي وتوفير أرواح المدنيين وتأمين مستلزمات الرعاية الإنسانية. فالتناقض هنا، ولو لم يبدُ صارخاً لوهلة أولى، إنما لا يقلّ حدّة كما يتبيّن عند التمعّن في الأمر. ذلك أن كل ما تقوم به إسرائيل في غزة منذ بدء حملتها هو، في الحقيقة، مرتبط ارتباطاً لا ينفصم بغايتها المعلنة، ناهيك من أن الحكام الإسرائيليين كادوا يتخلّون بالكامل هذه المرّة عن ادعاءاتهم الأخلاقية المعهودة، وقد كشّروا عن أنيابهم منذ البداية مطلقين وابلاً من التصريحات النارية، شكّلت إحدى أقوى الحجج لدى الجانب الأفريقي الجنوبي أمام محكمة العدل الدولية في مسعاه لإثبات نية الحكام الإسرائيليين على ارتكاب إبادة جماعية.
والحال أن القادة الصهاينة أوضحوا تماماً منذ البداية ما نووا على فعله تحت مسمّى «استئصال حماس» من القطاع. والحقيقة هي أن تلك الغاية لا يمكن بلوغها بأقل من إعادة احتلال القطاع بأكمله، سعياً وراء ما يطلق عليه العسكريون المتخصصون في «مكافحة التمرّد» تسمية «تجفيف المستنقع» إذ يشبّهون «المتمرّدين» (وغالباً ما يصنّفونهم «إرهابيين») بالبرغش، ويخلصون إلى أنه لا بدّ من إزالة البيئة التي يترعرع فيها أولئك من أجل القضاء عليهم، مثلما ينبغي تجفيف المستنقع الذي ينبعث منه البرغش للتخلّص منه. لذا أكّدت إسرائيل منذ أن شرعت في خوض حملتها الراهنة أنها لن تتوقف قبل أن تعيد احتلال القطاع برمّته، وأن الأمر سوف يستغرق أشهراً عديدة، بل قد يتجاوز السنة. فقد أدرك الحكام الصهاينة أن نزع أسباب المقاومة من غزة، إنما يتطلب أحد أمرين: إما أن يزول عنها الاحتلال، أي أن ينتهي الحصار المجرم الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ عام 2007، وهذا غير وارد بالطبع، أو أن تزيل عنه شعبه.

هل يشرّع «الدفاع عن النفس» ارتكاب مجزرة عظمى بحق الجماعة البشرية التي ينتمي إليها المقاومون، بأطفالها وشيوخها ونسائها وغالبية رجالها الساحقة من غير المقاتلين؟

وقد اختارت الخيار الثاني بجلاء تام منذ بدء حملتها الجارية، حيث ترافق تهجير أهل غزة إلى تخوم مصر بتحطيم شبه كامل لمدن القطاع بحيث تستحيل عودة المهجرين إليها. ولا يمكن للقوات الصهيونية أن توقف حملتها بلا احتلال كامل القطاع بما فيه مدينة رفح، إذ إنها تنوي فرض إشرافها المباشر على أهل غزة (وقد بات ما يزيد عن نصفهم محتشداً في رفح) وبالتالي إلغاء كافة الخدمات التي كانت تقدمها «حماس» بواسطة حكومة غزة التي أشرفت عليها، والتي شكّلت مصدراً أساسياً من مصادر نفوذ الحركة في القطاع، لاستبدالها بخدمات يجري توفيرها تحت إشراف إسرائيلي مباشر أو نصف مباشر. لذا تصرّ إسرائيل على استكمال احتلالها للقطاع باحتلال رفح وكذلك السيطرة على محور صلاح الدين على امتداد الحدود مع مصر لمنع تكرار ظاهرة الأنفاق.
أما السؤال الحقيقي، فليس ما سوف يحلّ برفح، بل ما سوف يحلّ بأهل غزة، وهو ليس أمراً محسوماً داخل الطبقة الحاكمة الصهيونية نفسها، إذ يرى أقصى اليمين بما فيه قسم من حزب الليكود أنه لا بدّ من استكمال النكبة الثانية حالاً بتهجير أهل غزة إلى خارج الأرض الفلسطينية، سواء تم تهجيرهم إلى الأراضي المصرية على الرغم من أنف الحكم المصري، حتى لو أدّى الأمر إلى أزمة مؤقتة في العلاقات مع هذا الأخير، أو إلى بلدان أخرى في المنطقة أو خارجها. أما قوى الوسط الصهيوني (أي اليمين الأكثر اعتدالاً بصورة نسبية) مدعومة من جزء آخر من الليكود يمثله وزير الدفاع الحالي، يوآف غالانت، فترى أن تحقيق هذه الغاية غير ممكن في الوضع الراهن لاعتبارات دولية، وأنه لا بد بالتالي من القبول بحلول مؤقتة تقوم على قيام من تثق بهم إسرائيل ويخضعون لرقابتها بالإشراف على أهل غزة، على أن يجري حشدهم في مخيمات كبيرة على طراز محميات الهنود في أمريكا الشمالية التي حشد فيها المستعمرون الأوروبيون السكان الأصليين. ويتطلّع قادة إسرائيل إلى ماذا ستسفر عنه الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة، إذ يعتقد الجميع أن عودة دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، لو تحققت، سوف تتيح أمام إسرائيل فرصة تاريخية للمضي في تحقيق «إسرائيل الكبرى» من البحر إلى النهر بتهجير الفلسطينيين من ذينك الجزءين من أرض فلسطين اللذين بقوا عليهما بعد نكبة 1948.

كاتب وأكاديمي من لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ناريمان الشيخ:

    هل يشرّع «الدفاع عن النفس» ارتكاب مجزرة عظمى بحق الجماعة البشرية التي ينتمي إليها المقاومون، بأطفالها وشيوخها ونسائها وغالبية رجالها الساحقة من غير المقاتلين؟ …
    في الحقيقة لقد طُرح هذا السؤال الملح مرارا منذ البداية (أي منذ بداية الحملة الهمجية والبهيمية التي يشنها العدو الصهيوني الإجرامي على قطاع غزة)..

  2. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي جلبير الأشقر. لاشيء يذكر من مل هذا في الإعلام الغربي أو على الأقل هنا في ألمانيا. وكأنتا في عصور سلطة الكتيسة إسرائيل هي فوق وأعلى من أي نقد. كيف ولماذا يعلم الله، ولكن برأيي أن أمريكا تمسك بخيوط اللعبة ومصالحها مع مصالح الصهيونية ولاينفصلان ونلاحظ ذلك بوضوح في سياسة بايدن تجاه حرب الإبادة على غزة، إلى متى يعلم الله أيضاً.

  3. يقول Hatem:

    أبطال المقاومة ما زالوا يقاتلون هذا العدو المجرم ببسالة لافتة وما زالوا يفجرون دباباته وآلياته وما زالوا يقتلون من ضباطه ومن جنوده حتى هذه اللحظة..

اشترك في قائمتنا البريدية