الأردن و«أبو عبيدة» والاعتقالات

لا يمكن القول بأن جميع الشبان الذين يتجمعون في شوارع الأردن على هامش الوقفات الاحتجاجية بدون استثناء تقف نواياهم حصرا عند «التضامن الفعلي» مع أهلنا في قطاع غزة أو أنهم على نفس السوية من المشاعر والموقف الوطني وضبط السلوك ولديهم نفس الأهداف.
ولا يمكن القول بالمقابل أن السلطات الحكومية وهي تحاول التوسع في طرح رسائل عبر سياسة الاعتقالات وفي ظرف حساس جدا مثل العدوان الإسرائيلي والأمريكي والغربي الوحشي على أطفال قطاع غزة تتصرف انطلاقا من مستويات متقدمة من الحكمة والدهاء الاحتوائي أو لا تخفي «اعتبارات» غير علنية من الصنف الذي تعلم مسبقا أنه يغضب الناس. عمليا لا الموقوفون الآن بقرار من السلطات الإدارية مناضلون أشاوس قلوبهم جميعا على المعاناة ويسعون لمناصرة المقاومة. ولا هم مندسون مخربون يتصرفون خارج القانون. ولا من أوقف هؤلاء لديه الحجة المقنعة خارج سياق معلبات عمومية في مناخ ارتفعت فيه نسبة الاحتقان.
لا يحتمل المشهد الوطني الاسترسال مرة أخرى في نقاش وجدل لا مبرر له، بل يمكن بإظهار السلطات قدرة أكبر على الصبر والاحتمال تحقيق مصلحة أكثر في إنتاج «التوازن المطلوب» ما بين شبكة المصالح المعقدة التي يتحرك فيها «القرار السياسي» وبين مسارات انفعال الجمهور ورغبته العارمة ليس- كما يقول بعض الموظفين ـ في الاستجابة لنداءات بعض قادة المقاومة بل بقول رأيه وموقفه في المآلات وفيما يحصل من باب وحدة المصير في الجغرافيا والتاريخ.
«نحن الأقرب لفلسطين»…قالها العاهل الملك عبدالله الثاني وهي صحيحة وتعكس الواقع والمطلوب من المؤسسات التنفيذية التي تظهر أحيانا وعند زوايا بعض التفاصيل وكأنها في «الشد المعاكس» للموقف المرجعي أن ترتقي في الإجراء والأداء إلى مضمون جوهري ومباشر تعبر عنه تلك العبارة.

يمكن بإظهار السلطات قدرة أكبر على الصبر والاحتمال تحقيق مصلحة أكثر في إنتاج «التوازن المطلوب» ما بين شبكة المصالح المعقدة التي يتحرك فيها «القرار السياسي» وبين مسارات انفعال الجمهور ورغبته بقول رأيه وموقفه في المآلات وفيما يحصل من باب وحدة المصير في الجغرافيا والتاريخ

نعم الأردني هو الأقرب بحكم التاريخ المشترك ووحدة الدم لا بل وحدة المصير والمستقبل… هذه حقائق تقولها القيادة ويمارسها الشعب منذ عقود بكل تلاوينه والجهة الوحيدة المطلوب منها الآن إبلاغنا بأنها «تفهم ذلك» وتستطيع العمل على تعزيزه هي الحكومة.
وفي الوقت الذي نطالب به المؤسسات التنفيذية بالمزيد من الانفتاح والصبر وتجاوز «المخاوف المعلبة» مثل تأثير التيارات الدينية لابد لكل الجهات النشطة التي تحاول التعبير أو الظهور أن تتقدم بأدلة على تقديرها للتوازنات والحسابات والمصالح التي يتحرك القرار السياسي والرسمي وسط ألغامها.
نفترض بأن معركة طوفان الأقصى تنطوي على دلالات تاريخية ومفصلية عميقة من بينها أن تعزيز وحدة وصلابة الجبهة الأردنية الداخلية «أفضل هدية» خصوصا في هذا الظرف الحرج يمكن أن تقدم للمقاومة غربي النهر تقديرا للدماء الزكية التي افتدت مصالح الأمة.
للشعب مواقفه في الحالة الأردنية وانحيازاته وله كلمته في مسار الطوفان والتفاعل معه وكل من لا يستطيع إظهار الاحترام لموقف الشعب من دوائر المسؤولية يمكنه المغادرة إلى منزله بدلا من الاسترسال في لعبة السحب من رصيد النظام والدولة.
وللدولة التي تتخذ موقفا متقدما لا ينكره إلا جاحد من العدوان الإسرائيلي حساباتها ومراجعاتها وشبكة مصالحها ومن يقف فقط عند حدود «الانفعال» أو الرغبة في التخريب والإساءة باسم دعم المقاومة يمكنه أن يعفينا جميعا من شرور نتائج أعماله ويبتعد عن أي مسلك يمكن أن يحرف بوصلة الشعب والدولة أو يبدل في الاتجاه.
اعتقالات على خلفية التظاهرات والرغبة في الاحتجاج إشارة سلبية تشوه نبل الموقف الرسمي الأردني وتسمح إذا ما تحولت إلى ظاهرة متكررة بخدش لا مبرر له في جدار الوطن وبصيغة لا تليق بالأردن قيادة وشعبا.
ومن يعترضون على الاعتقالات اليوم بصوت صاخب ويحاولون تسييسها الانتباه إلى أن واجبهم ودورهم الأخلاقي تثقيف الجماهير والسيطرة على سلوكها واحترام القانون ورجل الأمن وعدم السماح بأي تجاوزات يمكن أن تشوه سمعة التظاهرة ومن يتظاهرون.
العودة في عمق الشارع الأردني اليوم إلى صيغة معتدلة تعزل الصخب وتتجنب التسييس وتنبذ الأفق الأمني الضيق كما تنبذ بالتزامن التصرفات الفردية المسيئة لمن ينتحلون أحيانا صفة متضامن مع المقاومة.
لا مبرر لـ «تخويف» القرار من «فزعة الأردنيين» تضامنا مع فلسطين ومقاومتها. ولم يعد مقبولا عموما إلا «مراجعة رسمية» شاملة ووطنية وعميقة وجادة لكل ما له علاقة بالملفين الفلسطيني والإسرائيلي.
أيضا لا مبرر للوقوف فقط عند التشكيك بموقف الدولة العلني والواضح من مجريات المعركة والإصرار على خلط أوراقها الأمنية بذريعة الرغبة فقط في التعبير وإظهار المشاعر.
ثمة «بدائل» في ذهن العبقرية البيروقراطية الخبيرة عن «الاعتقال» أو حتى «الاستعراض به علنا» مثل الاستدعاء والتنبيه ولفت النظر والتحدث مع كبار الشارع والعقلاء وحماية التظاهرات.
بالمقابل ثمة وسائل بديلة أو إضافية لدعم المقاومة وغزة وأهلها يمكن أن تصبح منتجة فعلا أكثر من تكرار التجمع وبث الهتافات وتوزيع أرطال البصل والصراخ في وجه رجال أمن شوهدوا مع غيرهم يستمعون بشغف وحسرة لخطابات أبو عبيدة ويصلون في الزقاق مع المحتجين ومشاعرهم تجاه فلسطين لا يمكن المزاودة عليها.

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية