الأفغاني واصف باختري: من المركزية الرمزية إلى موسيقى الكلمة

إن هجرة الشعراء الأفغان إلى الدول المجاورة تعود لأزيد من ثلاثة عقود من الزمن. كان لهذه الهجرة أثر كبير على تطور القصيدة الأفغانية المعاصرة، خاصة تأثر الشعراء الأفغان بالشعر الإيراني والغربي الحديث. أدت هذه الهجرة إلى خلق أدب جديد برز بشكل كبير في ميدان الشعر والقصة والرواية، وتم تصنيفه تحت اسم «أدب الهجرة الأفغانية».
حسب الباحث الأفغاني محمد كاظم كاظمي، يمكن تقسيم حركات الشعر المعاصر إلى أربع فترات زمنية. الفترة الأولى وهي الفترة التي تسبق تأثير شعر الثورة وتخص بالأساس الشعراء الذين انتقلوا إلى إيران. لقد كان لهؤلاء وعي كبير بالتطور، ولم يكن لشعر الثورة تأثير كبير عليهم. على سبيل المثال الراحل فدائي هيروي هو واحد من رواد الشعر الأفغاني، الذين عاشوا في إيران لسنوات عديدة. أما الفترة الثانية، فهي تضم الشعراء الذين بدأوا أعمالهم في أجواء شعرية مضطربة، حيث تابعوا الشعر الثوري لأفغانستان بتأثير شعر الثورة في إيران. قدسي فضل الله أحد أولئك الذين قدمتهم الثورة في إيران، وكان شعره متأثرًا جدًا بقصيدة الثورة الإسلامية من حيث الشكل والمضمون. الفترة الثالثة كانت تخص الشعراء الشباب الذين عكسوا مزاج أفغانستان وقضاياها في قصائدهم، وتأثروا بشعراء الجيل الأول، مثل القدسي، مظفري، كاظمي، سيد قاسمي، ومحمد تقي أكبري، الذين خلقوا موجة قوية في الشعر الأفغاني في سبعينيات القرن الماضي، وتم تحديد مجموعة واسعة منهم في وقت لاحق، حيث تم تعريفهم في الوسط الأدبي الإيراني والأفغاني. أما الفترة الرابعة، فتتعلق أساسا بشعر الثمانينيات، حيث أن أغلب الشعراء وُلدوا في إيران ولم يختبروا الكثير من أزمات أفغانستان، فكانت القضايا الأفغانية مصورة بشكل باهت في شعرهم.
تميز الشعر الأفغاني في الآونة الأخيرة، بنوع من الانتفاضة والروح الثورية والسعي المتواصل نحو خلق شعر حديث يتماشى مع تطور الشعر في الغرب. فقد أصبحت اهتمامات الشعراء أكثر خصوصية، وتحولت الالتزامات التقليدية للمعتقدات الثورية لمجرد أفكار باهتة، فأحد الأسباب التي جعلت الشعر الأفغاني يخترق المجتمع الإيراني، اعتباره جزءًا من المجموعة الاجتماعية المهمة، حيث يُعتبر الشعراء أفرادا مستقلين يعبرون عن مخاوفهم، وأكثر التزامًا بمشاعرهم، ويميلون إلى أن يُكَوِّنُوا شِعرًا جديدًا بدلاً من الاعتماد على الجسم الثوري للدين، وإشراك الأولوية الجهادية. تتأسس القصيدة الأفغانية المعاصرة على رؤية جديدة تدمج الأنا الكاتبة في صلب محيطها الاجتماعي، بحيث يعبر الشاعر عن أزمات المجتمع من خلال قلقه ورؤيته الذاتية. ودائما ما يستحضر الشعراء الأفغان بعدا رمزيا في هذه الرؤية. نذكر على سبيل المثال، الشاعر واصف باختري، الذي يعتبر من الشعراء المعاصرين الحداثيين، نظرا لتأثره بالقصيدة الحديثة، خاصة شعر نيما والشعر الغربي. يميل باختري إلى اختيار هذا النوع من التعبير في أعماله الشعرية كنتيجة للقمع والوزن الثقيل لظل السيادة. فقصائده ذات صورة مزدوجة، أي أن المساحة بأكملها هي مساحة رمزية افتراضية.
يعد واصف باختري واحدا من أبرز الشعراء المعاصرين وسيد الشعر الفارسي المعاصر في أفغانستان. نشر العديد من الأعمال الأدبية والشعرية، من أبرزها «سلم السماء»،»لن تموت الشمس»،»مدينة الحرية في البنتاغون»، و»التراتيل والخطب». سخر معرفته الواسعة في الأدب الفارسي الكلاسيكي ومدرسة نيما والفلسفة والتصوف والأدب العالمي، لكتابة شعرٍ أصيل من حيث اللغة والمحتوى. أصبحت اللغة الرائعة لقصائده يتردد صداها في الوسط الأدبي الأفغاني خاصة، والفارسي عامة، من خلال استخدام المفردات والتراكيب النحوية الفارسية القديمة التي جعلت شعره مميزًا عن باقي الشعراء. إن شعر واصف باختري فريد من نوعه، ليس فقط اشتغاله على المفردات القــــديمة، وخلــق صور شعرية جديدة، ولكن أيضًا من خلال موسيقى الكلمة. كان جمهور قصيدته، بغض النظر عن الصور والشحنة العاطفية للقصيدة، يستمتع بموسيقى كلماته.

إذا كانت القصيدة تتحدث عن غابة، فهي غابة في الليل، أو غابة مدفونة تحت سحابة من العواصف الرعدية، ربما واحدة من أكثر الكلمات المتكررة في قصائده هي كلمة «ليلة».

واصف باختري شاعر ملتزم، وشِعره هو انعكاس لفكره الاجتماعي والسياسي، وظروفه وجيله. دخل إلى عالم الأدب والسياسة في واحدة من أحلك اللحظات في التاريخ الأفغاني، خلال عصر «العبودية». هذه الفترة، مثل الثقب الأسود، قلصت جيلًا من النجوم في ثقافة وسياسة هذا البلد. ارتبط بجيل من الناشطين السياسيين والثقافيين، الذين تعرض الكثير منهم للتعذيب في السجون، وفقدوا تطلعاتهم السياسية والاجتماعية. تم سجنه في سجن بول الشارخي الشهير بسبب ميوله السياسية وفوزه على حزب الشعب الديمقراطي في عام 2007، وشهد بنفسه التعذيب الذي تعرض له نظام زمانه ومعاصريه، بعد إطلاق سراحه، ترك السياسة ليكرس حياته للكتابة والأدب، لذلك، تعتبر قصائده من حيث المساحات والرموز الشعرية قصائد اليأس والفشل. يمكن اعتبار السرد المحزن والواسع النطاق لقصائده أحد إخفاقات المشروع الفكري في أفغانستان، لأنه كان عضوًا ومؤسسًا مشاركًا في حزب «شال جاويد» ولديه صداقة عميقة مع عدد من زعماء المعارضة في ذلك الوقت. غير أنه كان ينتمي إلى مجموعة من الحركات اليسارية التي قُتل جميع قادتها وكوادرها البارزين.
في الواقع، فإن المحور المركزي للرمزية الاجتماعية والسياسية لواصف باختري هو الليل، فالرموز مثل الصباح، العصابات الليلية، الفوانيس أو الغول، هي كلمات رمزية، وتستخدم في تمديد هذا الرمز المركزي. يمكن رؤية مشهد الليل الطبيعي في شعر واصف باختري، إذا كانت القصيدة تتحدث عن غابة، فهي غابة في الليل، أو غابة مدفونة تحت سحابة من العواصف الرعدية، ربما واحدة من أكثر الكلمات المتكررة في قصائده هي كلمة «ليلة». شعر واصف باختري هو الشعر الفارسي الأكثر شهرة في أفغانستان. يحول شعره الأشياء والظواهر والأحداث التاريخية والأسطورية إلى عالم غامض من الرموز، حيث يتحول الواقع إلى ظاهرة ذاتية غامضة. إنه يتجنب بشدة «التعبير الموضوعي» ويدافع عن «الاستخدام المفرط للاستعارة والبساطة» والتجربة الذاتية للحقيقة والواقع. فقد خلق واقعه الشعري الخاص وسعى لأن يجعله جزءا مهما من الشعر الأفغاني المعاصر، لأن رمزيته الشعرية كانت تهدف إلى قمع كل أنظمة الرقابة.
اعتبر الشاعر والباحث الباكستاني كامل غيزلباش واصف باختري على أنه الشاعر الأكثر شعبية بين الشعراء الأفغان المعاصرين. يمكن وصف شعره بأنه مختلف عن الشعراء الأفغان الآخرين، وهذا يعني أن الأسلوب الشعري يزدهر في كل قصيدة أفغانية، بما في ذلك شعر واصف باختري ، على الرغم من أنه خلق جوًا جديدًا من الكلمات والموضوعات في شعره. وهذا هو السبب في اعتباره شاعرًا كلاسيكيًا وشاعرًا مبتكرًا. وأضاف غيزلباش قائلا: «قصائد باختري متعددة الأبعاد ولا تتأسس على موضوعات موحدة، لذلك هذا ما يفسر إقبال القراء على قراءة أشعاره».
لواصف باختري قصائد ذات لهجة ملحمية وروائية تعتمد على بعض الرموز الأسطورية وتحظى بشعبية خاصة بين المثقفين الأفغان. لهذا، يعتبر أحد أبرز الشخصيات في الأدب الأفغاني المعاصر. إن معرفته الكاملة بأوزان الشعر الكلاسيكي، وبابتكارات نيما العميقة، وإدراكه العميق للفضاء الاجتماعي وتاريخ وطنه، بالإضافة إلى أسلوبه القوي في الشعر الكلاسيكي والحديث، تجعله الشاعر الكبير لأفغانستان القديمة والجديدة. يعكس أسلوبه الشعري مكانته العالية في الأدب الأفغاني اليوم، على الرغم من تأثره بالشعراء مثل نادر نادر بور، مهدي أخافان صالح، وفوروغ فروزاد، إلا أنه على يقين من أن قصائده لها أسلوب مميز ولديها ختم خاص بها. يقول باختري في هذا الصدد «لا أعتبر أنه من الفراغ بالنسبة لي أن أتأثر بالإخوان المسلمين في مرحلة ما من حياتي الشعرية، حتى أنني أتفاخر بأن جماعة الإخوان المسلمين مجموعة شعرية عظيمة. ولكن عندما يتعلق الأمر بالمتأثرين، يجب تمييز مظاهرها بوضوح».
كان باختري يتحمل مسؤولية كبيرة في استخدام الرموز والخرافات والأساطير والمفردات القديمة، وهذه ليست مجرد زخارف لأشعاره، بل كانت أدوات للتعبير عن الأفكار والرسائل التي كان يريد إيصالها إلى قرائه. وهذا يعني أن قصائده رمزية بدرجات متفاوتة، على الرغم من أن شعر المثابرة داخل البلاد كان لا يزال مختلفًا في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، إلا أن شعره كان يركز إلى حد كبير على الرموز. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن هذه الرموز في قصائده تتماشى بشكل وثيق مع بعضها بعضا، تتحرك بطريقة ديناميكية من بداية القصيدة إلى نهايتها. هذه الحركة من الرموز في قصائده تقودنا بشكل أعمق إلى الشبكات المعقدة للعلاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع. فقصائده تعكس المجتمع والحياة الاجتماعية، مجتمع يتوق دائمًا إلى الحرية والعدالة الاجتماعية. مجتمع يعاني باستمرار تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية والاغتصاب الأجنبي. من وجهة النظر هذه، فهو أيضًا أحد أكثر الشعراء استدامة في عصره، ولكنه يظل شاعرا رمزيا :

غريباً وبارداً مرَّ تمّوزُنا الأثيرُ،
عَبَرَ بِرِدائه الأزرق ممرّ الألم الضيّق،
النسيمُ وراء الجدار غدا جرحاً آخر
بعد أن مرَّ بقبيلة الأشباح المسرنمين
وأين أمضي بشكوى الأحبَّة البائسين
والعدوُّ الجاهلُ فعلَ ما فعل، ورحل؟
ولم يغدُ قلبي يوماً أسير الأفلاكِ أو التراب
فقد انبثقَ من العتمة وعبر لازورد السَّماء.
قُل إن مكيدة شغاد أنهت حياته في البئر
ولا تقُل أوه! أنظر إلى بطولة رستم الفائقة في الحرب.
في هذا الغروب الغريب حنَّ القلبُ إليكِ
فسرى حريقُ شقائق النعمان في شرايين الأوراق الصفراء.
وعندما أمرُّ بحيِّكِ حاملاً قلبي بين يديّ
أبدو كبائع زجاجٍ جوّالٍ عابرٍ.
أقسمُ بالغربة أن واصفَ قد جاء وحيداً إلى عالمك
وعاش وحيدا،ً ورحلَ وحيداً. (ترجمة ماهر جمّو)

٭ كاتب وباحث متخصص
في الأدب الأفغاني المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Hanane ourraq:

    نافذة شيقة حول القصيدة الأفغانية..جزيل الشكر لهذا المجهود.
    تحياتي أستاذ بوطسان.

اشترك في قائمتنا البريدية