«الإخوان» و«المستحيل المطلوب»… هل يمكن ضرب حاضنة المقاومة في الأردن؟

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: أي محاولة ومن أي طرف لقراءة التهمة الجديدة التي صعدت على سطح الحدث المحلي الأردني لجماعة الإخوان المسلمين بعنوان توفير مظلة ما للأجنحة العسكرية لحركة «حماس» بدعم إيراني يفترض أن تقرأ في سياقها التلقائي وحجمها الطبيعي ومن الطرفين البيروقراطي الحكومي والإخواني السياسي. دون ذلك، يمكن أن يتطور الأمر إلى نقاش خارج نطاق الرسالة أو الإشارة أو حتى «الغمزة البيروقراطية» التي ذهبت فجأة في اتجاه تيار الإسلام السياسي والشعبي الأكبر في البلاد. ومع أن جماعة الإخوان المسلمين ابتلعت المسألة وصمتت على مستوى كتم بيان رد فكرت به، فإن الرسالة التي تسربت ضمناً عبر وكالة رويترز الأربعاء فيما يبدو لها علاقة بمسارين لا ثالث لهما:
الأول هو ضبط إعدادات مشاركة «الإخوان المسلمين» وتيارهم الاجتماعي العريض في الانتخابات المقبلة يوم 10 أيلول للعام الحالي 2024. والثاني هو على الأرجح ترشيد، إذا لم يكن منع توفير حاضنة الإسلاميين الاجتماعية العريضة في الشارع الأردني لصالح الخطابات المرتبطة بحركة «حماس» والمقاومة الفلسطينية، بمعنى إعادة تعديل مسار الحراك الشعبي الذي يرعاه من وجهة نظر الحكومة في الواقع التيار الإسلامي عن بعد بما يتناسب مع مصالح الدولة الأردنية والتوازنات الحرجة التي تتطلبها، على الأقل محلياً وإقليمياً، الزاوية التي يقف فيها الأردن من جهة جانب معركة طوفان الأقصى.
بمعنى آخر ومختلف، العلاقة بين الحكومة الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين تسير الآن في حقل من الألغام عنوانه تقدير الجماعة بأن التوتير والتأزيم والتصعيد معها غير مبرر، ولا علاقة له بموقفها الحقيقي من دعم المقاومة الفلسطينية في معركتها الحالية، باعتبار هذا الدعم أساساً لتأطير استراتيجية حماية الوطن الأردني.

حقل ألغام

لذا، الرسائل التي بدأت من محاولة تدخل تصور السلطات لتركيبة المكتب التنفيذي وموقع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى إغلاق مكاتب فضائية اليرموك، كلها رسائل يرى الإسلاميون أنه يمكن الاستغناء عنها وليست ضرورية، خلافاً لكونها رسائل لا تناسب ـ حتى في رأي القيادي في التيار الإسلامي مراد العضايلة ـ التفاعل الوطني المفترض والمطلوب والمقصود بإلحاح لإنجاح مشاركة الإسلاميين عموماً أو حتى غيرهم في مسار تحديث المنظومة السياسية.
في تقدير ورأي الناشط الحقوقي البارز عاصم العمري، كما سمعته «القدس العربي» مؤخراً، يبدو مناخ الحريات العام في البلاد فوضوياً ومتراجعاً. وسواء تعلق الأمر بمضايقة التيار الإسلامي أو غيره، لا يمكن القول إن الأساليب التي تعتمدها الآن مؤسسات رسمية، منسجمة مع قواعد الاشتباك الإيجابي في ترتيبات تحديث الدولة، لا بل تبدو بعض الخطوات والمسارات معاكسة تماماً لهذا المسار المرجعي.
يلحظ العمري مع غيره من الخبراء الحقوقيين أن المستوى الاحترافي في السهر على تطبيق القانون فيما يتعلق بالاعتقالات والتوقيفات على خلفية سياسية يحتاج الآن لوقفة تأمل، فالمسائل تختلف كثيراً بصيغة تؤدي إلى استغراب توقع بعض المسؤولين تحقيق نتائج منطقية.
ملف الحريات عموماً لا علاقة له بما يحصل مع التيار الإسلامي. وأوساط جماعة الإخوان المسلمين تحديداً تحاول تقييم خطواتها في الأسابيع القليلة المقبلة تجنباً لأي صدام مع السلطات في البلاد، خصوصاً بعدما أخلت معركة طوفان الأقصى في موجتها الجديدة بكل موازين التوازنات المألوفة وخلطت الأوراق.

«أولوية غزة»

والتيار الحزبي الإسلامي كان واضحاً عندما قال العضايلة الشهر الماضي إن أولوية الحركة الإسلامية هي غزة وطوفان الأقصى وتأثيرهما على المصالح الوطنية الأساسية، وقرأت جهات رسمية هذا التصريح باعتباره تأكيداً على استمرار رعاية حاضنة الإسلاميين في المجتمع الأردني لخط واتجاه المقاومة الفلسطينية وحركة «حماس».
بوضوح في الخلاصة والاستنتاج، أي لحظة تخفف فيها قيادات الحركة الإسلامية من تضامنها مع غزة وحركة «حماس»، سينتهي الأمر بانقلاب قواعد الحركة الإسلامية على تلك القيادات.
والسلطات الرسمية من جهتها لا تريد تصديق ذلك، وتبرز بين الحين والآخر خطوات بيروقراطية تضغط على مراكز الحركة الإسلامية القيادية لكي تندفع في اتجاه تخفيف الحضور الحمساوي في عمق المجتمع الأردني. عملياً ووفقاً لمصدر إخواني كبير تحدث لـ «القدس العربي» لا تملك مؤسسات التيار إلا احتضان المقاومة الفلسطينية ودعم وإسناد معركة طوفان الأقصى، فيما لا تملك السلطات بالمقابل إلا بذل الجهد الممكن للحد من مثل هذه الأولويات والعمل على وقف محاولات قيادات في «حماس» توظيف الحالة الشعبية الأردنية لصالح مكتسبات سياسية.
التخلي عن «حماس» مهمة مستحيلة من جهة الإخوان وحواضن المجتمع الأردني الآن. والتخلي ـ في المقابل، بيروقراطياً ـ عن محاولات الالتفاف على ذلك الواقع الاجتماعي ليس خياراً بسبب توازنات ومصالح الدولة الأردنية المرتبطة على الأرجح بثورة مضادة عند النظام الرسمي العربي، خوفاً من عودة ربيع جديد بتوقيع الحركات الإسلامية على أكتاف غزة وما يحصل فيها.
المواقف متقاطعة ومحرجة، ولعل ذلك هو السبب في طرح ورقة اسمها التلميح إلى أن «حماس» حاولت في آذار الماضي تهريب وتخزين أسلحة في الأردن، وأن الحركة دفعت في اتجاه تأسيس تنظيم عسكري في الأردن، وهي التهمة التي تبناها علناً وزير الإعلام الأسبق سميح المعايطة، والتي في كل حال لا توجد أي أدلة أو قرائن تثبتها.

إيران و«خلية الإخوان»

وهو نفسه السبب لطرح ورقة علاقة ما تشكلت خلف الستائر بين مؤامرة إيرانية وخلية من الإخوان المسلمين في مسافة لم تقطعها من قبل منذ عام 1920 إطلاقاً النسخة المحلية من الإخوان المسلمين.
مجدداً، اختيار التصعيد فقط قبل انتخابات 10 أيلول المقبل، بمعنى خلط الأوراق مرة باسم الإيرانيين ومرات باسم حركات «حماس» قد لا يشكل الوسيلة الملائمة للتخفيف من حجم وحضور ما وصفه الدكتور أنور الخفش بكتلة اجتماعية عريضة تساند «حماس» والمقاومة في الأردن، لا تبدأ من الإخوان المسلمين فقط ولا تقف عند حدود أبناء العشائر.
قد يؤدي الاسترسال إلى نتائج رسمية غير متوقعة. وجملة الصمت التكتيكي التي اتبعتها جماعة الإخوان لها أبعادها، فيما قررت حركة «حماس» جواباً مختصراً على ترويج اتهامات باهتمامها بإنشاء تنظيم عسكري في الساحة الأردنية، هو حصراً ذلك الجواب الذي يصدقه عموماً الرأي العام في هذه المرحلة تحديداً تحت عنوان عقائدي حمساوي يقول إن «الحركة تؤمن فقط بالعمل داخل الأرض المحتلة وضد إسرائيل».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية