الإشراقُ من طبِيعَة الشمس

لم يكن النقد كُفراً، ولا هو إيمان. ولم يكن الرأي جريمة، ولا كان عقاباً. الفكر البشري، نشأ نَقداً، ونشأ رأياً، ونشأ رغبةً في تخَطي المشكلات والعوائق، نشأ بوعي الصيرورة، وهذا ما تعلمناه مع هيراقليط، مُفكّر الصيرورة بامتياز.أتحدث عن ما قبل ميلاد المسيح، عن الفكر الذي نشأ مُتحرراً من كل اعتقاد، العقل وحده ما عَمِلَ به، وما كان الآلةَ التي اكتشف الإنسان فيها سِر الوجود، وسِر الكينونة، إذا نحن اعتبرنا الكينونةَ، بتعبير باديو، هي «الذات الحُرة مُطلقاً». اكتشاف العقل، مثل اكتشاف الناي، تماماً، قَصَبَةٌ جوفاء، ما نَنفُخُهُ فيها من هواء، هو الموسيقى والنغَم والغناء، هو ما ينبعث مِنا، ومن ذواتنا، ما نُفَكّرُهُ، وما نسعى إلى قوله دون لغة، بالريح الخارجة من فراغ القصب، ما كان كامناً فينا، لم يَحتَج سِوَى إلى ما نُودِعُه في فراغه من أحاسيس، ومن عواطف، ومن حنين إلى الجمرة الأولى التي أيقظت، بل أججَت فينا نار الوجود، بل نار الكينونة، وسِرها.
أليس النقد، بهذا المعنى، هو تفكير بالكلام، وتفكير بالخيال، وتفكير بالوجدان، والشعر، نفسُه، هو تلك الرغبة العارمة التي تَسَكُنُنا جميعاً، دون استثناء، في تملك الوجود بتسميته، رغبةً مِنا في أن لا نتبنى ما كان من تَسمِياتٍ، أو مَا سُميَ قبل أن نكون. أليست التسمِية هي الشعر، وهو يرى ويسمع ويتكلم، يُوَشوِشُ في آذَانِنا، يُؤجج حواسَنا، يُوقِظُها، يقول الأشياء الغَامِضَةَ الواضِحَةَ، أو ما يبقى مُلتَبِساً، كَثِيفاً، كامِناً، حتى ونحن نَضَعُ يَدَنا على بعض أوتارِه.
المُوسيقى، لا تَنبَعِثُ إلا من الصمتِ، مثلما الكلام، هو الصمتُ أو السكون الذي يُطلِقُ الحَرَكَة من أسرِها، يُتِيحُ لها أن تُوجَدَ بغيرها، بقدر ما توجد بذاتها. هذا ما جعل الشعرَ، منذ انبِثَاقه، يكون موسيقى، ويكون صورة، ومجازاً، يكون خيالاً، مثلما حدث في اكتشاف القَصَب، لا فَرقَ، سوى في وسيلة التعبير، أو في الطريقة التي بها تميز الشعرُ عن القَصَبِ، كما تميز القَصَبُ عن الشعر، رغم أن القَصَبَ هو تَصوِيرٌ أيضاً، وليس، فقط، موسيقى ونغما ووجدانا.
عقل الإنسان وخياله، لم يقفا عند حَد، ما يكتشفانه اليوم، ينقضانه غداً، أو يُضيفان إليه، يخرجان عنه إلى غيره، يكتشفان استقراره، كون العقل مُستَمراً، وليس ما يتوقف، يقتنع، ويستقر، أو ينكمش على نفسه داخل قفص الماضين، من كانوا قبله، أو حتى في زمنه، لأن العقل ذاته نَقدٌ، أو أن النقد من طبيعته، لأن النقد هو التجديد، وهو تَبدِيدُ ما رَسَا، ما صار قانوناً، أو عُرفاً وعادةً. إذن، نحن، اليوم، بعد آلاف السنين من اكتشاف الصيرورة، ومن اكتشاف الاستمرار، ومن استئناف العقل والخيال للوجود، باعتباره جزءاً من الكينونة، ومن معرفتنا بما في كتابات الأسلاف من مآزق، كانت مشكلات في ثقافتنا، أو انعكست علينا، وعلى تكويننا، وعلى الإنسان عندنا، أو على العقل العربي، شَرَعنا نطمئن، ليس لِما مَرّ، بل لِما يُعاصِرُنا، واعتبرناه ديناً جديداً، علما أن عبارة أبدَعَ، في العربية، هي «خَلَقَ» و «أوجَدَ من عَدَم» أو «من لا شيء» و «عن غير مثال» إلى غيرها مما هو إيجَادٌ وتفتيقٌ، أو اختراع وابتكار.
نَشُك في قدرتنا على الإبداع، ونَشُك في كل من يخلُق، وما يخلقُه من مفاهيم وتصورات، ونكتفي بأن نُحِيلَ على آخرين. فلا تكون عارفاً، وصاحبَ رأي، وناقِداً، ما لَم تَقرأ دريدا مَيتاً، فهو وحدَه من نَفهَمُ به «صورَةَ الشاعِر» وصورة الناقِد، وصورة المُفَكر. ما لم تَأتِ منه، ومن فكره وخياله، فأنت «ناقص عقل ودين». هذا ما صِرنا نتعلمُه من السلفيات الحداثية، أو من الحداثيين الذين استقروا في فهم ثابت ومُغلَق للحداثة، لم يدركوا أن الحداثة ماءٌ، ما إن يستقر، حتى يَسوَد ويَفسُدَ، ويصبح وباءً، يَشُل النفس أو الجسم والعقل، يُعطِبُهُما، ويُطفِئ فيهما جمرة الحياة، بل جمرة الكينونة، في أبَدِها الذي لا يتعلق بنا نحن، من نوجد اليوم، بل بمن كانوا قبلنا، مُتحررين من الأغيار، ومن سيكونون بعدنا، بذواتهم، برؤاهم، وخيالاتهم التي هي السر في استمرار الوجود، في سياق كينونة، أوسَع من الوجود ذاته. هذا بالذات، ما كان قاله المعري:
وَيُوجَد بَينَنا أمَدٌ قَصِي فأموا سَمتَهُم وَأمَمتُ سَمتِي
لتأكيد الاختلاف والتمايُز والتضَاد، «أرادُوا مَنطِقِي وَأَرَدتُ صَمتِي». فِكرٌ مُقابِلَ فِكر، لا نَهي عن الرأي، وعن النقد، وعن القراءة، وعن الملاحظة، عن السؤال، أو قمع الرأي والنقد والسؤال، والوصاية العقل والخيال. إذا نحن، نَفَينا النقد، ونَفَينا السؤال، من سَنكون، وكيف سنكون، وفي أي معنى سننظر إلى الوجود، أو ينظر الوجود إلينا!؟ وتلك هي المشكلة.

الوعي الكتابي، نقد ونقض للوعي الشفاهي، الشعر مُقابل «القصيدة» ليس بمعنى القَصد، بل بمعنى التقصِيد، والفرق واسع بينهما.

حينما تحدث طه حسين عن شِعر المتنبي، اعتبر مديحَه للمُلوك، من «غُثاء الشعر» أي من فُتاتِه، ما ليس بنفس ما قاله في غير الأمراء. كل شِعر يرتبط بحَدَث، أو بسياسة، أو بمنبر، أو بحزب أو قبيلة، الحدث والسياسة والمنبر والحزب والقبيلة فيه، تطفو كلها على الشعر، يصبح الشعر ذريعةً لها، ولا يكون موجوداً في ذاته، يصير آلةً، ولا تكون الذاتُ فيه ما يصدرُ عنه، وكأن الشعر وُجِدَ لينوب عن الأحداث، وعن السياسة والحزب والقبيلة، ويكون هو الحصان الخشبي الذي به نخترق القلاع، ونفتح المدن، ونُحرر الدول والشعوب من الأسر. لماذا لا نُحَمّل غير الشعر من الأنواع الأخرى هذا العِبء، ولماذا الشعر وحده، ما رأيناه قابلاً ليكون حدثاً وسياسة ومُناسبةً؟
السبب، كون الشعر كان إنشاداً، صوتاً نَلفَظَهُ في الهواء، نَصدَحُ به، و«القصيدة» في شكلها الذي وصلتنا به، أو ما دَونَها به المُدونُون، استيهاماً، تُتِيحُ هذا، كما نجده في مُعلقَة عمرو بن كلثوم، في قوله «ونَجهَلُ فَوق جهل الجاهلين».
الكتابة، والشعر كجامع أنواع، ما أنقذ الشعر من هذا «الجهل» وما أخذه إلى شِعر آخر، إلى حداثة الكتابة، إلى الدوال المُتَكَثرَة، التي تتناسَلُ في الصفحة، نراها ونسمعها، الحواس كُلها تتنادَى في الشعر وتتصادَى، لا بعضها، مما يهيمن عليه السماع والإنشاد، اللذان ما زالا يهيمنان حتى على ما نكتبه باسم «قصيدة النثر».
الوعي الكتابي، نقد ونقض للوعي الشفاهي، الشعر مُقابل «القصيدة» ليس بمعنى القَصد، بل بمعنى التقصِيد، والفرق واسع بينهما. هل في هذا النقد، وفي هذه المُراجعة والفَحص، تَحامُلٌ وادعاء، أم أننا، في سياق معرفي صِرف، نُمارس النقد، بالحرية نفسها التي يُتِيحها العقل الحداثي المُتَصَير، الذي لا يفتأ يتجدد، ويخرج من مجرى إلى اخر؟ ما لم نَعِ التحولات التي حدثت في السرديات الكبرى، وما صار يجري في المعرفة من انتقالات، ومن انعطافات، ومن انقطاعات وانفصالات، بالانفتاح على الفلسفة، في جرأتها واختراقاتها، وعلى الفكر، وهو حَي لم يَمُت، وعلى النقد، باعتباره الوسيلة الوحيدة للخروج بالثقافة العربية من الفكر السلفي الجديد الذي طفا عليها، لن نستطيع أن نفهم، على الإطلاق، أن الإشراقَ من طبيعة الشمس، وأن النقد، من طبيعة العقل، وكل عقل لا ينتقد، ويأخذ ما يراه دون فَحصٍ وتمحيص، فهو لا يُشرِق، ولن يُشرِق البتة. ليس جديداً ما يحدث اليوم، وما نقرؤه ونسمعه، فهذا ما كان عاشَه العميد، وما كان عبر عنه، بالحَسرَة نفسها التي تعتَرينا، ليس على ما يُكتَب ويُقال، بل على اختلاط القِيَم وتشابُهها، وما أصابها من عمى وتخبط، ليصبح النقد جريمة، ويصبح الرأي عقاباً، بل كُفراً، فقط لأن من يُكفرون، «يُطلِقُون الأحكام إطلاقاً ويرسلونها إرسالا». يقول العميد: «فقد اختلطت القِيَم وتشابهت، وعميت حقائقها على الناس في هذه الأيام. وكان حظنا من هذا الاختلاط أعظم من حظ بلاد الغرب لقلة الثقافة العميقة المتينة بين قرائنا. فكَثُر بيننا أولئك الذين يُطلِقُون الأحكام إطلاقاً ويرسلونها إرسالاً، لا يتعمقُون ولا يتدبرون، لأن وسائل التعمق والتدبر تُعوِزُهُم، فهم يحتاجون إلى علم بحقائق الأشياء، أكثر مما أُتِيح لهم أن يعلموا ليروا ويُفَكروا ويستقصوا، قبل أن يُطلِقُوا ما يطلقونه من الأحكام، وقبل أن يُرسِلوا ما يرسلون من الأحاديث».

‏كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    إنّ الشعر الذي يلامس عنفوان الحياة يلامس الملأ الأعلى في السّماء.أما الشعرالذي لا يخرج عن ( مدار الجدي ) فلن يتحوّل إلى قطرات ماء.ودليلنا على ذلك ما قاله الشاعر الأنصاريّ كعب ابن مالك في مغالبة قريش وهي التي وصفت بسخينة ؛ وقد كانت معتدية على المسلمين المهاجرين إلى مدينة يثرب يومذاك : { زعمت سخينة كي تغالب ربّها
    …….وليُغلبنّ مُغالب الغلابِ }.فنزل الوحي جبريل على رسول الله وأبلغه أنّ الله يبلغ كعبًا السّلام على ما قاله من حقّ مبين.ينظرسيرة ابن هشام؛ ج3؛ ص 371/ 373.فمتى يصل شعرنا ونحن في عصرغزو الفضاء إلى مرتبة الوحي؟ نقرأ لكن قلما نتعلّم مما نقرأ؛ لأننا نقرأ من أجل التباهي المقروض؛ لا من أجل العلو المفروض.فإذا كان الإشراق من طبيعة الشّمس؛ فالسّمو من طبيعة الشعرنحو القمروالشّمس.

  2. يقول عبد الله العقبة:

    والله أجمل تعليق قرأته في جريدتكم الموقرة.

  3. يقول عباس:

    مقال مهم جداً وفعلاً نحن بحاجة الى التعمق والتدبر …

  4. يقول واجئ النقطاء العتوفين:

    السيد جمال،
    ما تعرضه من نظر خاص في الشعر من خلال حادثة معينة (سواء صحت “تاريخيا” أم لم تصح) قد أخذ به البعض القروسطي من قبل، وثَمَّةَ أيضا البعض القروسطي الآخر الذي لم يأخذ به البتة. ولكن الخطر في كل هذا إنما يكمن في الاستناد القطعي والنهائي إلى نظرة خاصة جدا دون سواها إلى ماهية الشعر من خلال سردية معينة من السرديات السلفية – كان الشاعر التركي الثائر ناظم حكمت يقول قولته العميقة والثاقبة فلسفيا ونفسيا: «أجمل القصائد هي التي لم تُكتب بعد» – هذا عدا الخلط بين الشعر بوصفه فنا كلاميا إيحائيا وبين الشعر بوصفة تقريرا سياسيا أو دينيا، بإزاء النظر في ماهية «الشعر» مقابل «القصيدة» بمعنى التقصيد المنوه عنه في النص – مع التحيات

اشترك في قائمتنا البريدية