الإنسان العربي بين جائحتين

على غير عادتهم وبخلاف كل الإحصائيات التي تضعهم في ذيل الترتيب العالمي لجهة الاكتشافات العلمية والطبية، أظهر العرب تفوقاً ملحوظاً في إعلانات الاكتشافات عن عقارات او مستحضرات لمعالجة كوفيد 19 وإذا تجاوزنا مـدعي العلاجات من غير الأطباء، وهم عدد لا يستهان به، فإن أعـداد الأطـباء العـرب ممن زعمـوا التوصـل إلى عقار لعلاج الفـيروس القاتل، لا يمكن إحصاؤهم ولا حصـرهم في بلد.
فقد امتدت خريطة الاكتشافات الطبية، وأتحدث عن الطبية فقط من الكويت إلى العراق مرورا بمصر والسودان، ووصولا إلى تونس والجزائر، لكن المدهش في الموضوع أن ساحة عمل هؤلاء المخترعين كانت وسائل التواصل، كتوتير والفيسبوك واليوتيوب، وليس مختبرات البحث العلمي كما يفعل أقرانهم في الدول المتقدمة، وإن أولى اختبارات عقاقيرهم ووصفاتهم لم تكن على الفئران أو القرود، بل مباشرة على الإنسان والإنسان المريض المتشبث بمن يمد له يد الخلاص من المرض اللعين.

الفساد السياسي

وفقاً لدراسات عديدة فإن الخرافة تنمو والدجل بديلاً عن البحث العلمي الرصين في الدولة التي لا تمتلك أنظمة سياسية تفكر بمشاريع بناء دولة حضارية، وحيث يتفشى الفساد السياسي يتفشى بموازاته الفساد الاقتصادي والعلمي.
في العراق مثلاً، إذا تجاوزنا الدجالين ومدعي العلاج بالبخور والسماك وسواهم، نقف أمام ظاهرة الأطباء الذين حولوا صفحاتهم على «فيسبوك» إلى مختبرات تنتج مستحضرات وعقارات تبيع الوهم.
ففي ظل تردي النظام الصحي في العراق، كان الميسورون من العراقيين، يطلبون العلاج في الخارج، لكن المطارات مقفلة فأين تولي الناس وجوهها، فكورونا أمامكم والمشافي السيئة وراءكم، وليس لكم إلا الله، ولهذا فلا لوم ولا عتب إن تمسّك العراقيون بحبل الوهم، الذي يمده أطباء يدركون تماماً أنهم يضربون مناهج البحث العلمي عرض الحائط، في ظل الفوضى العراقية العارمة.

دراما عراقية

مؤخرا شهدنا دراما عراقية مثيرة، أبطالها أطباء يتسابقون على عرض عقاراتهم ومستحضراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلين ارتفاع أعداد الإصابات، وارتباك المشهد الصحي في البلاد، حيث يموت الناس بسبب تافه وهو نقص الأوكسجين في المشافي، في دولة بلغت موازنتها أرقاما فاقت المئة مليار دولار.
ملايين العراقيين استمعوا بإعجاب لطبيب جراح ينتقد الوضع المزري في المشافي العراقية، ويصف بشجاعة حال المرضى العراقيين الذين يعانون وهم على أبواب مشافي بائسة، لكن هذا الطبيب يمرر عبر هذا الفيديو مزاعم لوصفته الناجحة في علاج مرض فيروس كورونا، ليحول صفحته إلى عيادة تبيع الوهم، ويتمادى بنصائحه وهو يتلقى إشارات الإعجاب والإشادة، بمنع الناس من الذهاب إلى المشافي، وأمام محنة المرض، وغياب الأمل، فمن السهولة احتلال العقل الجمعي للناس والتلاعب بهم، وقد كان البشر بمثقفيهم قبل البسطاء منهم ضحية الخرافة والدجل في مجتمعاتنا.
هل يقتنع الناس بمقالة لكاتب عربي يحذرهم من أن الانتهازيين لا دين ولا شهادة علمية، ولا قسم يحول بينهم وبين جشعهم في استغلال مصائب الناس وقت المحن، ويقول يا أيها الناس إن المعايير التي تحكم حياتنا هي تلك المعايير والأخلاق التي اتفق عليها الناس، أشك في ذلك فعلى مدى قرون وقفت الثقافة والإعلام إلى جانب العلم، وضد الدجل والخرافات، لكن الناس لم تنته وإن الدجالين لم يرتدعوا، فهؤلاء النوع من المستغلين سيتناسلون بوجود وسائل التواصل، التي تقدم لهم الخدمات، وإن انتهت جائحة كورونا، فإنهم سيعودون من أبواب ثانية، فهناك العديد من الأمراض لم يتوصل العقل البشري لإيجاد عقار لها وستكون مساحة حضورهم واسعة، فالجائحة الكبرى تكـمن في الـوعي المجتـمعي المـسلوب من الكهـنة والمشعوذين بغـض النظـر عن تسـمياتهم وصـفاتهم المهـنية والاجتـماعية.

الأنظمة الرقابية

بالطبع لا أدعو هنا إلى التخلي عن الثقافة ونشر الوعي، فهما يمثلان استراتيجية طويلة الأمد لاستعادة الوعي الجمعي، ولكنها لن تغني عن الردع الحكومي وبناء الأنظمة الرقابية التي تحمي المستهلك وتنقذ الناس من الجشع، كما حصل في بغداد، حيث ألقت الجهات الأمنية على موزع أدوية يعبئ الكبسولات بالطحين ويبيعها على أنها فيتامين سي، ينبغي أن لا تكرس الحكومات جهدها لمحاربة الخارجين عن المسارات الأمنية، وتتخلى عن حماية صحة الناس واستغلال مصائبها.

كاتب من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامح //الأردن:

    *محاربة الفساد والجهل من اولويات
    أي حكومة تحترم شعبها وتعمل ليلا
    ونهارا لمصلحته وسعادته.
    وهذا ينطبق ع العراق وجميع
    الدول العربية المنكوبة.
    حسبنا الله ونعم الوكيل.

اشترك في قائمتنا البريدية