البناء والسرد في رواية «لا ماء يرويها» للسورية نجاة عبد الصمد

حجم الخط
2

«لا ماء يرويها» رواية من الأدب النسوي السوري للكاتبة نجاة عبد الصمد، تروي هموم المرأة، في مجتمع يأبى الاعتراف بها كيانا كاملاً، وعندما تُستَهلكُ، أو تخرجُ عن الطاعةِ، يُلقى بها في القبر، أو مستودعِ المهملات كغيرها من الممتلكات البالية.

العنوان:

يرى بعضُ النقادِ أن العنوانَ قبعةٌ توضعُ على رأسِ النص، أو أنه عتبتُه، أو مدخلٌ له، لكن حسين خمري يعده هويةُ النص التي تحملُ صورتَه وتعكسُ دلالاتِه وتعبرُ عن محتواه.
لا ماء يرويها: الجملةُ إنشائيةٌ منفيةٌ بلا النافيةِ للجنس، وهي تعملُ عملَ إن وتخالفُها في الاتجاه، فإذا كانت إن تفيدُ توكيدَ الإثباتِ، فلا النافيةُ للجنسِ تفيدُ توكيدَ النفي، فهي هنا تنفي مقدرةَ الارتواءِ عن الماء نفياً تاماً، فالماءُ وإن كان يسقي فهو لا يروي الأرضَ ولا الضرع. إنها روايةُ العطشِ إذن، عطشٌ متعدد الاتجاهاتِ، عطشُ الماءِ، والحرية، والانتظار والحب.
عطشُ الماء: يؤدي إلى فرار شباب الريف نحو المدينة، أو بلاد الاغتراب (الماء هو الحياة هو الاقتصاد هو السياسة كل الجفاف اللاحق بدأ من جفاف الماء).
وعطشُ الحريةِ: فالمجتمع يقيد الأنثى ابنةً وأختاً وأماً، ولطالما حلمت «حياة» بأن تكون فرساً (تقطع قيودَها وتنطلق).
عطش الانتظار: انتظارُ «حياة» في غرفة الكَرَش للخلاص، وانتظارُ العمة «زين المحضر» لأبنائها أو أحفادها «قالت إنها تستقبل مواليد مرج العكوب وتنتظرنا، وتعين الحزانى على السلوان… وتنتظرنا».
عطش الحب: (فالنقصان في الحب موت آخر «مغفورة كل الخطايا إلا خطيئة الحب غير مغفورة»).
يروي: فعل حاضر مستمر، ومعناه الشرب لغاية الشبع، وهو منفي هنا،
«ذات وقت ليس بعيدا جداً، بادل المجاهد بارودته أو فرسه بشربة ماء، وهو الذي يموت دونها ولا يسلمها لعدو ولا يعيرها لصديق».
لا ماء يرويها. ها: ضمير متصل مؤنث يشير إلى المكان الذي يحتضن الرواية «ليس في السويداء ولا قراها نهر دائم الجريان يدغدغ أرضها، يرخم في الليل مواويلها، وليس فيها بحيرة طبيعة تلوذ إلى شاطئها الجنيات الهائمات.. شب الأبناء والأحفاد وفي حلوقهم جفاف، وفي مراياهم غول العطش». العنوان في رواية «لا ماء يرويها» ليس قبعة للنص، أو عتبة له، إنما هو رأس النص، وحامل دلالاته، وعاكس انطباعاته، ومكثف رؤاه، ومفتاحه الأول.

المكان أو فضاء النص:

الحديث عن المكان في رواية «لا ماء يرويها» يحتاج إلى الكثير من التعمق والتفكير؛ لأنه ليس خلفياتٍ للوحة، أو إطارا لها، أو مجرد وعاء تتحرك فيه الشخوص، إنه المكان الفعّال الذي يلعب دوره في بناء النص، وتركيب الأحداث، وتحريك الشخصيات، تبدأ الرواية بجملة (لم تصدق بشارة أمي) وبشارة الأم «كل أرض يسيل عليها دمك يكتب لك فيها موطئ قدم». المقولة تعتمد المكان كمُحرك للقدر، ومُخطط للمستقبل، وبالتالي تطلب من المتلقي الانتباه للمكان «خطأ صغير في القياس أزاح مصيري بضعة أمتار من صدر بيت الجيران إلى غرفة الكَرَش في قعر بيت أهلي». البشرى تحققت، وموطئ القدم تم الوصول إليه، ولكن الخطأ في القياس بين البيتين قلب المعادلة المكانية رأسا على عقب. بيت الجيران هنا هو مكان حلمها، وملعب طفولتها، وقد راقبت نهوضه، واعتبرته مكانها «ربما كنتُ في الخامسة حين نبتت أعمدة من الإسمنت شرق بيتنا». المكان كائن حي ينبت وينهض وينمو ويحرك الأحداث، ويفجّر النزاع بين الجارتين «صار للعمرة سقف وسكنها ناطور كرهته؛ لأنه حرمني من اللعب في مكان صرت أعتبره لي وحدي وكرهته أمي». توظيف المكان في صياغة الأحداث ليس صدفة، فقد تم التخطيط له في رواية تحتفي بالمكان، وموجوداته، وما يحيط به، فهو أرضها وفضاؤها، يتكامل مع الشخوص والأحداث ويتعاضد معها لتحقيق الهدف المطلوب من الرواية. المكان الثاني في النص هو مرج العكوب ووادي راجل: وتتخذ الراوية من المكان معرضا تظهر فيه مقدرتها على الرسم والتلوين، وتضمينه المشاعر والتصورات، وبث روح الحياة فيه باعتباره مؤثرا ومتأثرا. يصبح المكان لاعباً رئيسا له دلالاته «فلا أحد يعرف عمرها يقال إنها معمورة من قبل ميلاد المسيح بألف عام» وهذه حقيقة تاريخية، فالمكان أقدم من الإنسان، وهو الذي يشد البشر إليه «كثيرون آنسوا سهلها عمروا منازل ومعابد وكنائس.. كلهم راحوا وظل السهل وحوله قمم الجبال، تصغي وترقب وتبتسم وظل العكوب ينمو».

لا تعتمد الكاتبة على راوٍ واحدٍ، أو راويةٍ واحدةٍ في سرد روايتها، بل تبتكر أسلوبها الخاص في سرد الأحداث عن طريق تعدد الرواة. حياة تروي حكايتها بصيغة الأنا، ما يعطي السرد المصداقية والتشويق، مع وجودٍ فعّال للراوية العارفة بالأحداث، التي تروي بصيغة الغائب.

العلاقة بين المكان والإنسان تبادلية وتكاملية: «جاء زمان أقفرت الأرض، قلائل صمدوا، وجاءت إلى مرج العكوب هجرات متعاقبة من جبال لبنان وفلسطين أعادوا إعمارها وجعلوها وطنا يحبونها وترضعهم من قسوتها وتصوغ قلوبهم من فولاذ ومن قطن مندوف». وكما كان للبازلت دور في تشكيل الناس وإعادة تأهيلهم وفق قواعده، كذلك كان «وادي راجل» سر ازدهارهم، وسبب سعدهم وشقائهم، «في بداية الخمسينيات كان يفيض على بساتينها ويسقي زرعها، ليعم الخير على أهلها فينتعشون ويهزجون: «من الأزرق للضمير مرعى جاجنا». وادي راجل، بطل من أبطال الرواية يساهم في بنائها، وتحديد مصائر شخوصها، ولكن سرعان ما يتم الاعتداء على البطل واغتياله. «في مطلع السبعينيات يكممون قناته بسد أسفل منبعه، فلم يسلم من الوادي المغدور، سوى فرع نحيل يسيل ضحلا إلى تخوم مرج العكوب. ويصبح اسمه وادي الجاج».
احتفاء الكاتبة بالمكان يتجاوز بنية النص وتركيبه، ويصل إلى دلالات الأسماء، فالأسماء ليست عبثية ولكل اسم في الرواية دلالاته، ابتداء من حياة وذهبية ورجاء ونجوى، وصولا إلى زين المحضر الحضن الذي يحتضن الجميع. الزين: تعني الحُسن والجمال، والمَحضَر: اسم مكان، وصفاتها تعكس دلالات اسمها، بوابتها المُشرعة، وأعشاش السنونو، والقطة المدللة، وأباريق النحاس وسلامة وخربة الذياب، وكل شيء جميل باحت به قريحة الكاتبة، كان انعكاسا لزين المحضر، التي جسدت حاضنة للحب بأبهى حلله. الحديث عن المكان ودوره في بناء الرواية لا ينتهي، لأنه الخزان الحقيقي للحالة الشعورية والذهنية للراوية، التي تجيد الفن وتحسن التعامل مع الضوء والعتمة، وبالتالي صياغة المكان وتلوينه وتحفيزه وتسليمه القيادة.

الراوي في الرواية:

لا تعتمد الكاتبة على راوٍ واحدٍ، أو راويةٍ واحدةٍ في سرد روايتها، بل تبتكر أسلوبها الخاص في سرد الأحداث عن طريق تعدد الرواة. حياة تروي حكايتها بصيغة الأنا، ما يعطي السرد المصداقية والتشويق، مع وجودٍ فعّال للراوية العارفة بالأحداث، التي تروي بصيغة الغائب، وتتولى توزيع الرواة وفق ما يقتضيه السياق، وهي تفصح عن نفسها «خرابيش حياة في دفترها محبوسة عند خليل. ربما مزق خليل الدفتر، وربما ضاع وأنا الراوية». وتستعين لإكمال سردها بنجوى صديقة حياة، وأوراقها التي تلعب دورا توثيقيا، ووجهة نظر أخرى من داخل الأحداث، ولها مصداقيتها كشاهد مباشر على ما يجري «مجيء حياة إلى عيادتي جلب معه كل تذكارات المدرسة معها ومع هند وغادة وأرجوان». أما مرويات المدينة الشفهية -ومدونات المدينة السرية – فتُستخدَمان في الرواية ببراعة تضفي على السرد روحا أسطورية، وغالبا ما يكون الاستهلال «كان يا ما كان» ما يبث روح الجدات المتجذرة في تراثنا العربي. وكذلك تلعب الرسالة دورها في سرد الأحداث، كما في رسالة ناجي لأخيه ناصر. ومذكرات ممدوح أيضا بالإضافة لخربشات حياة ذاتها.
وصفوة القول هنا إن الكاتبة نجحت من خلال تعدد الرواة في نسج فصول روايتها، وإعادة تكثيف الأحداث، أو توضيحها، وأحسنت في توزيع رواتها وفق ما يقتضيه سياق السرد، تاركة للقارئ أن يعيد ترتيب الحكايا بيسر وسهولة، مستخدمة كذلك الطباعة العادية، والطباعة الغامقة، والحروف العادية، والحروف المائلة، فالنص لا يصبح نصا إلا في عقل المتلقي.

البداية والنهاية:

البحث في البداية والنهاية بحث في القضايا الجمالية كبناء، والقضايا الفكرية كمضمون، عن طريق ربط عتبة القراءة بعتبة البداية، وتحديد مسار النص،
يرى لوتمان أن النص المنظم يتجه ليس باتجاه نهايته، ولكن باتجاه بدايته.
وهذا ما يتحقق في «لا ماء يرويها»، إذ تبدأ الرواية من نهاية الحكاية، من قاع البيت في غرفة الكَرَش المطلي بابها بلون الوحشة المرعبة. واختارت الراوية لبداية استهلال روايتها عنوان «وليس آخرا» وعمدت إلى ترقيم الفصول التالية من1 إلى 36. أول ما فعلته حياة هو الاستمرار في الانتظار، ففتحت النافذة المسورة بقضبان حديد، كي يدخل الهواء والضوء وأصوات البشر، عزلت الغرفة من فوضاها رتقت السجادة القديمة أعادت للكرسي رجله المخلوعة. تم بناء النص بناء دائريا فيبدأ من نقطة النهاية وينطلق بارتدادات متتالية لبدايات الحكايا، ويعود إلى النقطة ذاتها ليكتمل البناء الذي تم تغليفه بالأسرار والأساطير والطقوس، التي زادت ثراءه ووسمته بالتالي بسمة الأصيل والنافع والجميل. فالبداية هنا في تعدد البدايات، فهل هي في بداية قصة حياة، أم بداية قصة أمها ذهبية، أم العمة زين المحضر؟ البدايات المتتالية في «لا ماء يرويها» حققت وظيفتها في شد انتباه المتلقي، ومكنته من إعادة تركيب النص، وهذا من أهم أسباب نجاحها.
أما النهاية فهي لا تعني عجز الكاتبة عن مواصلة السرد، بل حالة انطلاق جديدة. وهو ما يسمى حسن الانتهاء «نظرية النص حسين خمري». فقد ظلت النهاية مفتوحة، فمازالت حياة ترسل مراسيلها عبر الجهات الست منتظِرة مترقبة، «استوت في غرفتها مرتاحة كأنها كانت على سفر، وعادت هُناها بالإصغاء للعزلة، وتعلم الصمت فوق قصائد نزار وجبران وطاغور، ترسل المراسيل السبعين، وتتعلم كيف تبدأ حياة وادعة علها تلحق في منتصف العمر ما ضاع من أوله، فتشغل الوقت بالحياكة بموج من الخيطان، ولا تتمنى إلا عودة ناصر».
ولابد من الإشارة هنا إلى أن بناء الرواية اكتمل مع نهاية الفصل 35.
«يا ويلك من الله راجعتيلي مطلقة وفوق هيك عايبة؟ أحاول استذكار كم يعلو سقف غرفة الكرش، كم من الضوء يمكنه اجتياح كوتها الوحيدة».
وجاء الفصل الأخير غير مبرر في الشكل، وهو الفصل الذي يروي خرابيش حياة في دفترها. في الوقت الذي شككت الراوية بالحصول عليه «ربما مزق خليل الدفتر وربما ضاع». ولكن هذه الخربشات أياً كان مصدرها جاءت كتعقيبات على رواية تمت واكتمل بناؤها، وكان بالإمكان نثر المهم منها في سرديات النص، بدون عزلها في فصل مستقل، فالصفحات الأخيرة من الرواية قد يكون لها أثر سلبي من ناحية البناء.
أخيراً لا بد من الإشارة إلى أن استغراق الرواية في المحلية، وإحاطتها بروح المكان وتجلياته وانعكاساته هو الذي يعطيها صفة الأصالة، فالأصالة معجميا في الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ناجي:

    رائعة.

  2. يقول ثائر السعد عزام:

    كل الإحترام والتقدير لشخصك الكريم استاذ وليد على هذا التحليل الوافي.

اشترك في قائمتنا البريدية