التأويل ومحمول الشعر

لا كتابة مرجوّة بلا تأويل.. حتى إن النصّ يقال عنه حمّال أوجهٍ. وتعدّد التأويلات يعني تعدّد القراءات ومنابعها وقدرة النصّ على تثوير قناعات الآخرين، وإن اختلفوا، حتى لو كان الاختلاف في التأويل له مساحات متناقضة وفي اتجاهات متعاكسة.. فلكلّ زمنٍ تأويل، ولكلّ بيئةٍ معرفة، وكلّ نصٍّ أيضا مساحة للتحليل وفهم القصد، وتفكيك الجمل والمفردات ومعانيها.
في النصّ الشعري يكون التأويل أكثر صعوبة من التأويل السردي في الرواية والقصة، لأن النصّ الشعري نصٌّ مختزلٌ يحتاج إلى فهمٍ أكبر بخاصيّة الشعر وعمقه وليس القراءة الخارجية له، وهذا الأمر لا يأتي من خلال مفعول الكلمات المبثوثة فحسب، بل من خلال التجربة الشعرية الناضجة، التي تعطي لصاحبها الحق في الولوج إلى غابات الشعر وهو محصّنٌ من كلّ ما يصادفه من معرقلات. وهذه التجربة يجب أن تتوافر على مزايا تجدر الإشارة إليها لأنها ساعدت على تحديد ملامحها، عبر منظومات الانتقال من الموهبة المتوقّدة إلى الموهبة (الصنعة) الحقيقية، وبالتالي فإن الفرز (بكميّة) الشعر داخل القصيدة سيكون سهلا، إذا ما كانت المعرفة المسبقة بهوية الشاعر، لأنه استطاع أن تكون له شجرةٌ في الغابة، حتى لو كانت بطولٍ مناسبٍ في لحظة إنتاج المجموعة. وبالتالي التقرّب من منطقة التأويل، من خلال جمع محمولات المعنى التي يزخر فيها النصّ الشعري النثري.
ولهذا يكون السؤال: كيف لنا أن نتعامل مع النصّ الشعري كونه صورة متحرّكة؟ وكيف نستلم إشارات هذه الصورة التي تعني بالضرورة ملامح مشهودةٍ بالتفرّد والطغيان والشدّة في الوضوح والمراوغة، كي نستلم المعنى والمقصد، لتكوين نتائج تأويل قرائي مهّم؟ وهو من جهة أخرى، أي النصّ الأدبي، بالضرورة نصٌّ لغويٍّ، والنصّ الشعري منه هو نصٌّ مفرداتي، يجمع حصاد بيدره لكي يتراءى المتلقي أن المنفردة هنا هي المعنية بابتزاز لحظة القراءة ومساومتها لجذبها.. بمعنى أن النصّ السردي، نصّ جملةٍ، والنصّ الشعري نصّ مفردةٍ.. وفي كلا الحالتين لا بد من توافّر أدواتٌ قابلةٌ لتحويل النصّ إلى صورةٍ متحركةٍ يمكن من خلالها الإتيان بالمستوى التأويلي، وفق أن لا نصّ بلا تأويلٍ يمكن استقباله، ومن ثم إيداعه في مخيّلة المتلقّي غير العادي، خاصة أن قصيدة النثر تحتاج إلى متلقٍ متأمّلٍ وعارفٍ بخبايا هذا النوع من الكتابة، الذي يحتاج إلى تأمّلٍ ومخيّلةٍ لا تعتمد على الصوت والعاطفة، كما في قصيدة التفعيلة أو العمودي.. لذا فإن أيّ ارتباكٍ في القصيدة النثرية، يعني ضياع حتى هوية النصّ ذاته.. فضلًا عن فقدان الأدّلة التي يريد المنتج/ الشاعر أن يضعها في تحقيق الفعل القرائي، سواء في فهم كيفية التحليل أو الاقتراب من منطقة التأويل للوصول إلى منطقة الفهم.
وهذا الأمر يحيلنا إلى ماهية الشعر ومفهومه.. فهو في رأي خزعل الماجدي في كتابه «العقل الشعري» أن الشعر (وهو نظير العدم، يصبح بطاقة لامتناهية تسري في الكون كله وتقع في المستوى الضمني.. لكنه عندما يريد الظهور ويتحجم في أبعاد محدّدة (أبعاد اللغة والزمان والمكان، بعد أن كان لا نهائي الأبعاد، ولأنه فقد أبعاده اللامتناهية فإنه يتقمص أبعاد المستوى العياني الثلاثة، وربما الأربعة فيظهر ويتحول إلى قصائد، في حين أن اللغة كلها هي اهتزاز صغير في محيط شعري هائل). ومن هذا المنطلق والكون الشعري.. رغم اختلافنا مع التوصيف الذي نراه معكوسا.. فالشعر جزءٌ من اللغة وهو يستل منه.. وهو ما يؤكّده الناقد لواء الفواز في كتابه «فلسفة المعنى في النقد العربي» بقوله إن (الأدب – وهو نوع من اللغة – يمتاز بعظم المفارقة التي يتصدّع بها النظام اللغوي).. لكن ما يهمنا هو منطق الشعر الذي يسري.. وبالتالي فإن وعي اللحظة القرائية، تعني فهم محمول المعنى الذي تدلّ عليه المفردة الشعرية، وبالتالي طرح التأويل الذي ينبثق من لحظة فهمٍ لماهية الشعر وما جاءت به القصيدة.
ولأن الشعر، كما قال كمال أبو ديب في كتابه «فن الشعرية» هو (الاتصال بين ما يمكن إدراكه وما لا يمكن إدراكه) وبهذا فإن هذا الإدراك يدخل جزءٌ منه عملية الصدق مع التأويل وكيفية فهم التأويل للفصل بين حالتي الإدراك وعدم الإدراك.. خاصة أن كلّ عملٍ له أوجهٌ عديدة من التأويل.. ولذا تتفرّع منه طرق محمول المعنى.. وإذا التقى طريق المحمول مع التأويل، كانت المنطقة التي يسلّط عليها الضوء أكثر وضوحا واتّفاقا مع الآخرين.. لأن الشعر ليس تجربة هذيانٍ، فهو كما يعتبره بيلينسكي في كتابه «الممارسة النقدية» أن (كل عمل شعري ثمرة لفكرة جبارة، مستقلة.. تستولي على الشاعر) وهو الأمر الذي يأخذنا إلى الشيفرات التي تعطي مدلولًا على وجود دليل التأويل.. فهي أيّ الشيفرات التي تعطي محمول المعنى، وبالتالي فإنها مسؤولةٌ عن التأويل.. وهو ما يدعونا إلى القول، بعد أن نفرغ من قراءة مجموعةٍ شعريةٍ لشاعر ما، لا بد من أن نكون قد خرجنا بحصيلةٍ معرفية واستنتاجٍ قصديٍّ وانطباعٍ أوّليٍّ مفاده: ما مدى تأثير ما قرأناه من شعر علينا؟ وهل ما قرأناه شعرا فيه شعرية؟ وما هي الحصيلة النهائية التي تمنحنا شحنةً تأويليةً تقود إلى المعارف الأخرى.. وما مدى التوصيل الذي يمكن أن يوصله الشاعر إلى المتلقّي من خلال محمولاته اللفظية/ الكلمة بما تحمله من مفعولٍ ودرجة تأثيرٍ مع الكلمة الأخرى لتكون صورة؟

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية