الحالة المصرية… حكم العسكر وأوهام التغيير

لا أعرف لماذا يصر المصريون حتى الآن على أن ما حدث في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير ‘ثورة’، رغم ان كل المؤشرات التي رشحت في ذلك الوقت لا تؤدي إلى مثل ذلك الإنطباع، بل كانت تفضي إلى حقيقة أخرى يتهرب الجميع عن إستيعابها وهي أن ما جرى لا يعدو أن يكون فرصة للتخلص من مشروع ‘توريث’ نجل الرئيس الأسبق جمال مبارك، والتفرغ لإعادة صياغة المشهد السياسي من أجل توارث حكم مصر في إطار نفس الشريحة الحاكمة.
ما دفعني إلى الكتابة عن هذا الملف تلك اللقاءات التي أجراها الإعلامي المميز أحمد منصور في قناة ‘الجزيرة’ مع وزير الدولة للشؤون القانونية محمد محسوب وقد كان في هذا الموقع في عهد الرئيس السابق محمد مرسي حيث أعطى في تلك اللقاءات تحليلا مقنعا لبعض الأحداث التي جرت ما بعد الخامس والعشرين مــــن يناير لكنه أعتــــبر ذلك التاريخ نقطة البــــداية وجعل منه إرهاصات ثورة وفي حقيقة الأمر ليس كل ذلك دقيقا، فالقضية أعمق بكثير، وهناك من الكثير من المحطات التي ينبغي التوقف عندها.
في شهر ايلول/سبتمبر من عام 2010 وقــــبل إنتهاء فترة الرئيس مـــبارك ظهــــرت يافطـــــات ‘غامضة’ في شوارع القاهرة تــــؤيد ترشيح رئيس جهــــاز المخابرات العامة المصرية عمر ســـليمان ( أصــــبح نائبا للرئيس بقرار من الرئيس الأسبق ) للانتخابات الرئاسية المفترض أن تجرى في عام 2011، وقد حملت عبارات مثل ‘عمر سليمان رئيسا للجمهورية’، وهو الأمر الذي يعني ان العسكر قد حسموا أمرهم تجاه من يكون خليفة الرئيس مبارك.
ما جرى من أحداث بعد ذلك يدور حول هذه الحقيقة، فقد مورست ضغوط في الخامس والعشرين من يناير من أجل تعيين سليمان رئيسا من خلال عدة خطوات مرحلية، وعندما أحس العسكر أن الأجواء الدولية لا تسمح بمثل هذا التغيير رجعوا خطوة للوراء بهدف ترتيب المشهد من جديد، حتى تبقى أحوالهم كما هي، وقد كان المشير طنطاوي موجودا في المشهد السياسي يوجه الأطراف ويجلس مع القوى السياسية ويطرح الخيارات التي تكرس بقاء دور العسكر كما هو دون تغيير، وربما كان النخبة يفهمون تلك الحقيقة أو على الأقل بعضهم لكنهم ألتزموا الصمت تجاهها وبعضهم حبذ أن يجاريها حتى نهاية المطاف ربما يحصل على شيء ما.
ولم ير أحد في البديل الجديد للرئيس مبارك مفاجأة، فالجميع يعرف أن عمر سليمان يمثل الذراع اليمنى للرئيس مبارك ويعد ثاني أهم رجل في السياسة المصرية والملفات الكبرى وبينها ملف القضية الفلسطينية كانت لديه، وقد أنعكست تلك الحقيقة في أوساط المدونين ومواقع التواصل الاجتماعي في الانترنت على شكل تعليقات ترى في رئيس جهاز المخابرات المصرية ‘الخلف الطبيعي’ للرئيس مبارك، ولم يكن أحد ينازعه هذا الحق، لولا ما جرى في وقت لاحق من تنافس بين العسكر أنفسهم.
محاولة إغتيال سليمان كانت التعبير الصارخ عن الصراع بين العسكر على الخلافة، وقد تسربت معلومات عن مثل ذلك الصراع لكن جرى التعتيم عليها، ورغم أن هناك من أصر على سليمان لمعرفة من يقف وراء محاولة إغتياله، إلا أنه لزم الصمت وترك للتسريبات من هذا الطرف أو ذاك تتداول على الساحة لكنه كان يعرف ان صراع الخلافة لن يتركه يتولى ذلك المنصب.
بعد تمكن العسكر من طي ملف ‘توريث’ جمال مبارك خلال 18 يوما من حشد شعبي كبير في ساحة التحرير أصبحت الساحة مهيأة للرئيس الجديد، لكن خلف الكواليس كان هناك قرار بإستبعاد سليمان وكان ضحية التدخلات الخارجية التي كانت تحرص على أرث الرئيس مبارك لإسباب ليس لها علاقة بالشعب المصري، وربما هذا ما أربك الساحة في مصر بشكل كبير وحسم المنصب لمرشح من العسكر لكنه أصبح مدنيا وهو الجنرال أحمد شفيق، وكانت كل التوقعات تشير إليه بعد إزاحة عمر سليمان من خلال ‘مسرحية’ التفويضات المزورة ولم يقاوم الرجل تلك المسرحية .
‘تملص’ العسكر من ضغوط بعض الدول الخليجية لتمرير رئاسة أحمد شفيق من خلال عدة خطوات إستخدمت خلالها لجـــــنة فحص سلامــــة أوراق الترشيح وقد أستبــــعدت تــــلك اللجنــــة المرشحين التي لدى المؤسسة العسكرية تخوفات من وصولهم إلى منصب الرئيس، وقد أحكم المشهد من خـــلالها وكانت النـــتائج مطمئنة لهم، أي العسكر من أجــــل الحصول على الفرصة الكافية لترتيب البيت الداخلي، وقد حصل ما يريــــدونه ونفذوا برنامجهم، وقد تحدث شفـــيق فيما بعد عن سيناريو كشف كل المشهد، منذ وهـــم الثورة وحتى الإعلان عن المرشح الحقيقي لمنصب الرئيس في مصر عبدالفتاح السيسي.
ما يجري الآن مؤشر على أن ما جرى في الخامس والعشرين من يناير لم يكن ثورة، فالثورات لها معايير خاصة ودقيقة ويمكن مراجعة الثورات الثلاث الكبرى في القرن الماضي في فرنسا وروسيا القيصرية وإيران يوما بيوم، حتى يمكن الإستدلال من خلالها فيما إذا حدث ليس في مصر فقط، بل حتى في تونس يمكن أن يطلق عليها ثورة بل هي مجرد ‘تنفيس’ لإحتقان داخلي دام فترة طويلة وسمح له العسكر بالخروج حتى لا يمس السلطة الفعلية في دول المنطقة.

كاتب كويتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ماجد مرشد:

    بارك الله فيك نعم كانت تنفيس او استراحة محارب اركان الانظمة اعادت ترتيب نفسها وسعادت ولكن بشكل المنتقم

  2. يقول مازن كند:

    تحليل منطقي وموفق

  3. يقول عادل الامين:

    انه انهيار البيت القديم وليس ثورات فعلا

  4. يقول عمرودالشيخ العامري:

    جزاك الله خيرا على هذا التحليل و لكن لا يمكن المقارنة بين الثورة إيرانية والفرنسية و الروسية الثورة إيرانية أعظم وأكبر من كل ثورات العالم فيه ثارت علي الفساد الداخلي وتدافع عن نفسها من دول الجوار و دول الغربية

  5. يقول عبد الغني:من العراق:

    تحليل دقيق وحقيقي لكل ماجرى انها سيناريوهات العسكر وهذا يطرح علامه استفهام كبيرة على موت سليمان

اشترك في قائمتنا البريدية