الحرب في أوكرانيا: لعبة مصالح

الحرب في أوكرانيا لعبة مصالح، أو لعبة صراع على مناطق النفوذ والهيمنة، لعبة مصالح اقتصادية وتجارية ومالية، عندما تتدافع مصالح القوى العظمى والكبرى؛ لعبة تتعدى الحاضر، بعدة مراحل؛ ستلقي ظلالها على المستقبل. الذكي والشاطر من يختار الطريق الصحيح في هذا الصراع الدولي، الذي سيتمحور مستقبلا؛ ليس على محورين روسيا والصين من جانب، وأمريكا والاتحاد الأوروبي من الجانب الثاني، كما يظهر عليه واقع الصراع على الأرض حاليا، أو كما يتم تصويره بقصدية سياسية في الإعلام الغربي، أو كما يبدو عليه هذا الواقع حين يتم النظر إليه من زاوية نظر واحدة، لا من زوايا نظر كلية الإحاطة بالصراع وتحولاته المستقبلية، ومصالح القوى العالمية العظمى والكبرى، التي ستتصارع على مسرح التغيرات المرتقبة والتحولات الكبرى في العالم، بل إن واقع هذا الصراع الذي تلوح آفاق حركته واضحة لا غموض ولا لبس فيها؛ عندما يتم النظر إليها بعينين تبصران عدة مشاهد، وراء مشهد الصراع هذا، في الوقت الحاضر، الذي تتركز أتونه بين روسيا ومن معها (الصين) ولو بطريقة خفية غير واضحة، لكنها موجودة بأشكال وطرق ووسائل عديدة ومتنوعة، وأمريكا والاتحاد الأوروبي، من الجانب الثاني؛ اللذين حتى الآن، يشكلان ثنائيين متعاونين ومتضافرين بصورة علنية، بل صلبة وحادة وشرسة، في مواجهة روسيا؛ بخلاف شريك روسيا الصيني.
ومن وجهة نظري، أن مستقبل هذا الصراع، سيكون بين القوى العظمى والكبرى بلا محاور محددة الحركة والمواقف سلفا؛ بل إن مواقفها ستكون بحسب ما تفرضه عليها مداخيل الصراع هذا، وما سوف تحصل عليه، إن هي وقفت الى جانب هذه الدولة أو تلك الدولة العظمى؛ أي أنه صراع مفتوح على مختلف الشراكات والانتماءات؛ تمليه على جميع دول العالم، ما تحصل عليه من مغانم ومكاسب من هذه الشراكة، أو هذا الانتماء لطرق النزاع مع المتخاصمين الكبار. الحديث هنا يدور عن الصراع، أو النزاع لما بعد الأمد المنظور، بعد أن تتوقف عجلة الحرب في أوكرانيا عن الدوران بعد زمن ما، من الصعوبة في الوقت الحاضر؛ تحديد سقفها الزمني.

الصدام الروسي مع الغرب بقيادة أمريكا؛ كان مؤجلا من قبل روسيا بوتين، حتى يحين وقته، أي أنه كان يمور تحت الأرض

الحرب في أوكرانيا؛ لم تكن هي التي فجرت هذا الصراع، بل إن الصراع، أو إن هذا النزاع كان يدور ليس بين روسيا وأمريكا ومن معها من دول الناتو، بل بين أمريكا وروسيا والصين منذ أمد بعيد؛ أي منذ عام 2007؛ عندما قال بوش الابن، إن الصين تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، وهو هنا؛ يقصد التأثير الصيني المستقبلي على الهيمنة الأمريكية على العالم، وأيضا عندما أعلن بوتين في العام ذاته، في خطاب له أمام منظمة الأمن الجماعي الأوروبي؛ أن العالم يجب أن لا يقاد من قبل دولة واحدة، بل يجب أن يقاد بصورة جماعية. هذا المقدمات التي حدثت أو قيلت قبل أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، في الذي يخص الجانب الروسي تحديدا، في هذه الحرب؛ تجعل المتابع؛ يتبصر الحقيقة وهي؛ أن الحرب في أوكرانيا كان مخططا لها مسبقا من قبل روسيا، ولم تكن وليدة لحظتها، أو وليدة يومها بفعل التهديد الأمريكي، من خلال منصة الناتو. وما طلب روسيا من أمريكا، أو مطالبتها بالضمانات الأمنية، إلا حجة لشرعنة الحرب في أوكرانيا. لكن في المقابل وجود الناتو على حدود روسيا؛ يشكل قلقا وجوديا وأمنيا، يحد من فاعلية القوات الروسية الضاربة، ويقلص أمامها مساحة الزمن في الرد.. وإن هذا؛ إن حدث، سيقلص الزخم المعنوي للقوات الروسية ولقيادتها، ولصانع القرار السياسي في موسكو، لجهة المناورة والمرونة والمساومة، في المحفل الدولي، عندما تكون تحت التهديد الأمريكي بعصا الناتو، حين تتم محاصرتها بطوق محكم بقواعد الناتو، أي أمريكا، ما يتيح لأمريكا؛ ممكنات هائلة التدمير على حافات الحدود الروسية، بما يصاحب هذه التطورات، عندما تصبح حقيقة واقعة على الأرض، كما أسلفت القول فيه؛ من رسائل تهديد أمريكية، مضمرة ومبطنة، عندما تدعم روسيا هذه الدولة أو تلك الدولة، تحت قبة مجلس الأمن الدولي، مركز الديكتاتورية الدولية. هذه التطورات، أو التحولات، إن قيد لها وصارت حقيقة على أرض الواقع؛ ستؤثر في روسيا في مناطق مصالحها في دول العالم الثالث، وفي غير هذا العالم، من الدول الأخرى، التي ترتبط مع روسيا بالشراكات، والتي تنتظر من روسيا الدعم في المحفل الدولي. إن هذه الدول إن لم تحظ بالدعم الروسي، أو إن روسيا غير قادرة على حمايتها من التغول الأمريكي؛ ستبتعد عنها (عن روسيا) لتبحث عن شراكات مع دول عظمى أخرى (أمريكا)، ما يقود إلى التوقع الروسي، اي انكماش التأثير الروسي في القضايا الدولية، وفي التوازي انحسار مصالحها الاقتصادية، ليحكم عليها بالموت الاقتصادي البطيء، الذي يقود إلى تهديد الجغرافية الروسية، تهديدا داخليا.
في هذا الصدد، وفي حركة استباقية روسية، مبنية على قراءة أو استقراء لخطط أمريكا من خلال الناتو في الذي تبيته هذه الخطط لروسيا؛ يقع قول بوتين قبل أشهر من الحرب في أوكرانيا: إن مهاجمتنا من أي دولة أوروبية، أي من أراضي أي دولة أوروبية، لن نقوم بمهاجمتها، بل بمهاجمة عاصمة صاحب القرار، والمقصود هو أمريكا. في الوقت ذاته؛ يقع الإعلان الروسي عن امتلاك روسيا أسلحة فرط صوتية، ولا يمكن التصدي لها من قبل أي دولة في العالم. هذه الرسائل ما هي إلا مقدمات للحرب في أوكرانيا، الذي حدث تاليا بعد زمن قصير؛ كاستباق لما يبيت لها من أمريكا مستقبلا. هذا يعني أن الصدام الروسي مع الغرب بقيادة أمريكا؛ كان مؤجلا من قبل روسيا بوتين، حتى يحين وقته، أي أنه كان يمور تحت الأرض بحرارة مشحونة بدرجة اتقاد عالية جدا، ولا تحتاج سوى الضغط على القادح؛ لتتفجر الحرب في أوكرانيا، كنتيجة لصراع غير معلن أو معلن بنعومة بين روسيا وأمريكا.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية