الحكّاء والثغرة المعرفية

وضع جينيت ثقله المعرفي على السارد، وتغاضى بالمقابل عن فكرة وجود حكاء هو عبارة عن كينونة قبلية بالنسبة إلى السارد وبعدية بالنسبة إلى المؤلف، وطرح مفاهيم عدة، منها المقام السردي: ويشمل مقام المؤلف ومقام السارد ومقام ثالث سماه (مقام الفاعل) وخمنه تخمينا وفيه يكون التبدل في المواقع دالا على وجود كينونة أخرى هي ليست المؤلف ولا السارد ولا الشخصية، وتستطيع هذه الكينونة أن تؤدي دور الوسيط وتوصف بأنها فاعل. أما مفهوم التحويل السردي ففيه يتمكن المؤلف من الانتقال من مستوى السرد غيري القصة إلى السرد مثلي القصة أو التحول من ضمير الغائب أو الشخص الثالث، إلى ضمير المتكلم أو الشخص الأول، مفضلا هذا حينا وذاك حينا آخر.
وكلامه هذا يأتي في معرض الرد على دوريت كون، التي ركزت على ضمير المتكلم. وتدلل كثرة تبريرات جينيت على أنه وقع في ورطة (التحويل السردي) فاقترح مفهوم (الأوضاع السردية)، وأشار إلى أن أول من اجترحه هو فرانتس شتانتسل عام 1955، ووضح طبيعة المفهوم من خلال ترسيمات ذات تقسيمات بنيوية لأوضاع تبئيرية هي: الوضع المؤلفي / الوضع الشخصي/ وضع أنا السارد. وأكد نظريا لا تطبيقيا أن تقسيم هذه الأوضاع على الحكاية السردية يتحقق على صعيد إدراكي – نفسي يوجه انتباه القارئ ويجعله متفاعلا مع ما يقرأ. وعلى الرغم من ذلك، فإنه عدّ هذا المفهوم معقدا لا يمكن فيه التحليل أو مجرد الوصف، وبرر الأمر بأن الخطاب النقدي كغيره من الخطابات لا يستطيع أن يقول كل شيء دفعة واحدة. وتأسف أن السرديات الفرنسية تجاهلت شتانتسل، وهذا اعتراف آخر يؤكد حجم الثغرة التي تركها التركيز على البنية النصية وإهمال صور منتجها ومواقع إنتاجه. وقسّم جينيت أنماط إعادة إنتاج خطاب الشخصيات وفكرها إلى: نمط الخطاب المنقول ونمط الخطاب المحول ونمط الخطاب المسرود، لكنه ظل متحيرا في كيفية الفصل بين الخطاب والفكر والشخصية والسارد، لأن النص لا يقول دائما هل تتكلم الشخصية أو السارد، ومن ثم لا يتأتى من وراء ذلك بالضرورة أنهما يفكران في الأمر نفسه. وحين وقف جينيت عند مفهوم (المتخيل الخالص) ومكانه في الحكاية الخالية من كل إرجاع إلى الإطار التاريخي، عده أمرا نادرا بوجود أنماط إنتاج – ولا يقول تقاليد ـ وعدّ (كان يا ما كان) قرينة دامغة لأسبقية القصة، ولكنه لم يقل كيف يكون للمتخيل عمق تاريخي ولا يشكل نمطا إنتاجيا يترك أثرا في ما هو غير تنميطي، أي متشكل حديثا؟ وإذا كان للسرد مقام له ضوابطه فكيف يحافظ عليها والتخييل المحض أو الخالص فاعلية توليدية لا حدود لما تسفر عنه من مستويات داخل القصة وخارجها؟
ورأى جينيت أن المستوى السردي متحقق في شهرزاد كساردة داخل القصة، وشخصية في حكاية ليست حكايتها، ولكنها في الوقت نفسه ساردة غيرية القصة فهي لا تحكي قصتها الخاصة، وأن للشخصية أن تتدخل في علاقات المستوى من دون ان يؤثر ذلك التدخل في عملها. وهنا نتساءل أليس في تعدد المستويات ما يفترض وجود مستوى آخر غائب عن المسرح الشهرزادي هو الحكاء؟ أما ما يدل على غيابه فهو صنيعه المتمثل في اختيار العنوان والتمهيد بالصلاة والسلام على سيد المرسلين وتأكيد غايته التثقيفية. وحدد جينيت الشاهدية أو أنا الشاهد بأنها وظيفة سردية يؤديها السرد مثلي القصة، فينصِّب السارد نفسه مؤرخا استعاديا، يشهد على صدق مصادره. ولكن إلى من يوجه السارد شهادته؟ هذا السؤال دفع جينيت إلى أن يفصل بين القارئ والمسرود له، واعترف بأنه بعد أن قرأ مقالة جيرالد برنس (مدخل الى دراسة المسرود له) عرف أنه تسرع حين ميّز بين المسرود له داخل القصة والمسرود له خارجها. والسبب التباس القارئ التقديري بالقارئ الحقيقي الذي ليس له بأي حال من الأحوال أن يكون هو المسرود له، الذي هو في نهاية المطاف شخصية من الشخصيات.
ورد جينيت على انتقادات شلوميت ريمون بما سماه المؤلف المفترض والقارئ المفترض، الأول هو سارد خارج القصة، والآخر هو مسرود له خارج القصة. غير أن من المنطقي أن يكون للنص مؤلف فعلي كما من المهم أن يكون لهذا المؤلف نظير هو حكاء له هيئة افتراضية وكينونة كتابية اخترعها المؤلف القديم كي يُلقي على عاتقها تبعات ما سيحكيه السارد من تخليق تخييلي (افتراء) وما سيصوره واقعيا عن الحياة والإنسان.
وفي ما يخصص الاستبدال Metalepsis ابتكر جينيت مفهوم السرد الاستبدالي وحدده بأنه خرق متعمد لعتبة التضمين، أي تضمين خطاب في خطاب، يروى أحدهما ضمن الآخر أي أن (الحكاية تقوم كلية على خطابين اثنين أحدهما وهو الاختياري يكاد يكون هو نفسه متعددا دوما هما، نص السارد ونصوص الشخصية أو الشخصيات)، فالاستبدال هو تبدل المواقع والوظائف التي معها يمكن للمؤلف أن يتدخل في البناء القصصي فاعلا، أو أن يتدخل السارد أو المسرود أو المسرود له خارج نطاق ما هو محدد لهم من وظائف. وشاع توظيف الاستبدال مع ما صار للقارئ من أدوار تفاعلية في النصوص الإلكترونية وما فيها من تشعبية تجعل فعل القراءة عموديا. واستعمل جينيت نسقا هندسيا يوضح ما تقدم، وفيه مستوى أعلى hyper ومستوى تحتي hypo. وما على القارئ فعله هو تشخيص حال الخطابين أيهما الذاتي (مثلي مبأر) وأيهما الإطار (غيري مبئر) وتنبه جينيت إلى أن ذلك يسبب بلبلة في التمييز بين المستويات حين (يتدخل المؤلف أو قارئه في العمل الخيالي لحكايته، أو عندما تنحشر شخصية من شخصيات ذلك المتخيل في الوجود خارج القصصي للمؤلف أو للقارئ). وهذا ما يزيد في تعقيد إشكالية المؤلف على المستوى الورقي من ناحية تجاهل وظيفة الحكاء بوصفه مؤلفا مفترضا أو ضمنيا، وعلى المستوى التفاعلي من ناحية إهمال وظيفة المؤلف الفعلي والضمني معا. ولأن فعل الاستبدال يقتضي تحديد ضوابط فنية خاصة به، اضطر جينيت إلى الإقرار بوجود أصول لهذا الفعل في المرويات التراثية وهي عنده إغريقية حسب فـ(ملحمة الأوديسة تنطوي على أصول السرد الملحمي.. بداية انتقال شكلي وموضوعي من الملحمة الى الرواية) ومؤكد أن ملحمة جلجامش امتلكت تلك الأصول لأسبقية انتمائها إلى أول حضارة في تاريخ البشر أسسها السومريون.
أما أهمية الأصول فتكمن في أنها تتيح للسارد أن ينتقل من مستوى سردي إلى آخر، وعادة ما يكون الانتقال مقبولا ومنطقيا. أما إذا كان مستحيلا ولا معقولا فذلك يعني توظيف الاستبدال، بوصفه انتهاكا أو تطفلا و(كل تطفل من السارد أو المسرود له خارج القصة على الكون القصصي.. يحدث غرابة إما مضحكة وإما خارقة) ووضح جينيت ما في روايات بلزاك وبروست من (تلاعبات زمنية) بين عالمين: عالم يروي فيه، وعالم يروي عنه. واقترح سبع درجات محاكاتية متنامية، معها يكون المؤلف قادرا على إنتاج (السرد الاستبدالي) هي: 1/ المجمل القصصي 2 / المجمل الأقل قصصية 3/ إعادة سبك غير مباشرة للمضمون 4/ الخطاب غير المباشر المحاكاتي جزئيا 5/ خطاب غير مباشر حر 6 / خطاب مباشر 7/ خطاب مباشر حر. وعلى الرغم من هذا الحل المنطقي لإشكالية الاستبدال، فإنه لم يقنع مؤاخذي جينيت، بل هو نفسه كان مترددا في تحديد ماهية الاستبدال.
وكان رولان بارت قد عد الكتابة دالا والقصة عنصرا يميز هذا الدال كفعل استبدال يُبنى على السلب، حيث لا مرجع ولا مدلول يتحددان بالمؤلف وإنما هو القارئ الذي إليه تؤوب عملية التحديد. أما حين تمثل القصة سينمائيا، فإن اللغة تنتهي وينتهي معها ما وراء اللغة، بمعنى أن النصين السينمائي والسردي وإن كانا مكتوبين فإن الفاعلية دوما للنص اللاحق الذي يستبدل ويعدل، والقصة نص مفتوح لا مرجعية له يتقيد بها ولا تقاليد يرتكن إليها ومن ثم يفقد التاريخ والنظام قيمتهما. وهذا يعيدنا إلى الإشكالية نفسها التي حاول جينيت معالجتها بالاستبدال.
إن ما يسعى إليه المنظرون الغربيون بالعموم هو زعزعة القناعة بوجود أصول انتقلت من الآداب القديمة إلى الأدب الأوروبي. وتابعهم كثير من النقاد العرب، فمثلا يقول مؤلفا كتاب «دليل الناقد الأدبي» (شرط العلمية لا يعترف بأدب رفيع وآخر متواضع وإنما كل النصوص سواء في قابليتها للتحليل السردي) وأن المعتمد الأدبي مفيد كأداة للنقد الثقافي الذاتي وأداة تكتشف الثقافة من خلال تحيزاتها وتجاوز تلك التحيزات. ونخالفهما الرأي، لأن الأساس الذي يقوم عليه مفهوم المعتمد الأدبي ليس نقد الذات، بل التحيز إلى أدب بعينه والاعتراف بتفوقه، فتغدو العالمية مقصورة على هذا الأدب لوحده. وعلى أي أدب يحاول الاتصاف بالعالمية أن يتخذ من المعتمد الأدبي الغربي مثالا وأنموذجا يحتذيه على مستوى الأساليب أو التمثيل.
ولهذا السبب غاب الحكاء وأُهمل دوره في التوسط بين المؤلف والسارد، وما من شك في أن المنظرين الغربيين لا يختلفون في التدليل على ما للأدب الأوروبي والغربي من نماذج ونظام وتاريخ، ولذلك وضعوا مفهوم المعتمد الأدبي literary canon وفيه دلالة قاطعة على تحيزهم إلى عرقهم الأبيض وأدبائهم الذكور.

كاتبة عراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حمّودان عبدالواحد/ اكاديمي وباحث من فرنسا:

    شكرا جزيلا للباحثة العراقية نادية هناوي على هذا المقال المتميّز.
    لي ملاحظة حول الصورة التي ترافق هذا المقال المتميّز :
    ” يبدو لي اَنّ موضوع هذا المقال متعلق بالناقد الادبي المنظر الفرنسي المعروف جيرار جونيط Gérard Genette الذي جدّد في نظرية النقد الادبي بادخاله مصطلحات ومفاهيم جديدة في حقل السرد والسرديات وعلم السرد narratologie ، مثل metalepse (مفهوم الاستبدال في السرد) الذي تجاوز باقتراحه نفس المفهوم في البلاغة الكلاسيكية، وخصّص له كتابا مشهوراً يحمل نفس الكلمة. لهذا أتساءل: ما موقع صورة الاديب والشاعر الفرنسي المشهور جون جوني Jean Genet في علاقتها بمقال حول جيرار جونيط ؟ “.
    تحياتي لاسرة القدس العربي !

  2. يقول د. عياد الويساوي:

    مقال معرفي وإضافة جيدة في هذا الباب السردي المهم ..
    شكرًا للقائمين على هكذا منشورات تستحق القراءة والتأمل.

اشترك في قائمتنا البريدية