الخطاب البلاغي العربي الحديث في ميزان البلاغة الرحبة.

يُعدُّ كتاب كتاب «عن بدايات الخطاب البلاغي العربيّ الحديث: نحو بلاغة موسّعة» امتدادا لتصور بلاغي، عمل الباحث محمد مشبال على تأسيسه بوعي، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم لا يمكن إدراك هذا العمل إلا في إطار مشروع الباحث الموسوم بـ»البلاغة الرحبة». وقد اقتصر الباحث في الإشارة إلى ثلاثة أعمال سابقة له، تعد أرضية لفهم نسقية هذا الكتاب، غير أننا نرى الإشارة تتسع إلى كل ما أنجزه وما ينجزه؛ لأنه باحث ذو رؤية بلاغية متميزة، قلما نجدها عند الباحثين العرب، فأصحاب المشاريع البلاغية العربية معدودون على رؤوس الأصابع.
يضعنا الباحث منذ بداية مؤلفه في سياق البحث البلاغي الذي يشمله الكتاب، إذ حصره زمنيا في الخطاب البلاغي الحديث، الممتد من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إلى ثلاثينيات القرن العشرين. منطلقا من افتراضين أساسيين، يسعى الأول منهما إلى إثبات أن البلاغة في تلك الفترة الزمنية كانت شاملة لخطابي التخييل والتداول معا، فيما يشير الافتراض الثاني إلى أن التأثير البلاغي حينها كان محكوما بمبدأ الأنواع الأدبية والخَطابية، ومتجاوزا انحساره في العبارة والأسلوب. وإبان ذلك يشير الباحث إلى قضية جوهرية، قوامها أن البلاغة العربية عرفت المكون الحجاجي، متلاحما مع المكون التخييلي، إلا أن الإشكال في زاوية النظر إليها، فالتحليل البلاغي على امتداد ردح من الزمن غيّب البعدَ الحجاجي في النظر إلى الخطابات البلاغية والبليغة على حد سواء.
يدرك قارئ الفصل الأول طرافة تناول محمد مشبال لأهم منجزات كُتَّاب تلك الفترة، لأنه ينطلق من عُدّة مفهومية ذات أساس معرفي كوني، وذات خلفية فلسفية قوية تغذيها، فيخيل للقارئ أن الزمن لو عاد بهؤلاء الباحثين لاختاروا المفاهيم التي استخدمها الباحث في تناول ما أنجزوه، كما يبصرنا من خلال رؤيته البلاغية الجديدة، وعدتها المفهومية بإشراقات هؤلاء الكُتاب التي تتماشى، في أغلبها، والتوجه البلاغي المعاصر، إلا أن مدار الأمر في أن الباحث ينطلق من موقع المنظر والمؤصل للبلاغة الرحبة، التي تدمج بين مكوني التخييل والتداول معا، مع الاعتراف بمدى تحكم مبدأ الأنواع، سواء الأدبية أو الخطابية، في هيمنة أحد المكونين على الآخر؛ ونتيجة لذلك ندرك أهمية المفاهيم في البحث البلاغي المعاصر. فهي ليست مجرد اشتقاقات لغوية تطفو بها على سطح الاصطلاح، بل تسبر الأعماق لتجيب عن الإشكالات المعرفية كما تسهم بداية في إنتاج المعرفة البلاغية.
ينطلق الباحث في الفصل الثاني من مقولة النوع الأدبي/ الخطابي، وهي مقولة تميز مشروعه البلاغي، فبلاغة الأنواع تنازع البلاغة العامة المجردة، التي تبني مقولاتها على أساس القواعد المطلقة التي تصدق على جميع الخطابات، فيما تسعى مقولة النوع إلى توضيح أن البلاغة بلاغات نوعية ترتبط بنوع الخطاب وما يدور في فلكه، وإن كانت قواعد النوع، كذلك، تشمل الثابت والمتغير، فأما الثابت فلا إشكال في تعرفه، وأما المتغير فلا سبيل إلى تبيّنه إلا بمقولة السمات. وقد أقر الباحث، بعد نظره في منجز البلاغيين العرب المحدثين، بأن أغلب هؤلاء أدركوا هذه المقولة وعملوا بها في التمييز بين البلاغات النوعية. فتتبع بالمناقشة والتحليل أهم تلك الأنواع، كالرسالة والمقامة والرواية، وغيرها، خاصة عند أحمد الشايب ولويس شيخو، مستفيضا في الأنواع الخطابية.

البلاغة العامة تنحو نحو التجريد والعمومية، فيما تركز بلاغة الأنواع على سمات الخطابات المتنوعة، آخذة بخصوصيتها، ولذلك فمفهوم السمة في جوهره مقابل لمفهوم القواعد المقررة سلفا

فيما خصّص الفصل الثالث لتأكيد أن البلاغيين المحدثين، للفترة المدروسة، كانوا على وعي بوظيفية الوجوه الأسلوبية، فَهُمْ، بحسب الباحث، لم يكتفوا بتصنيفها وتقنينها ضمن قوائم، بل تجاوزوا ذلك إلى دراستها وتأويلها وفق المقام التواصلي المرتبط بالمخاطَب وموضوع الخطاب وغايته ونمطه ونوعه. وصنيعهم ذاك، يخدم تصور البلاغة الموسعة التي يتبناها الباحث محمد مشبال، ويعمل على بناء مرتكزاتها بالنظر إلى التراث البلاغي العربي برمته.
تعد بلاغة الأنواع إحدى ركائز التصور البلاغي عند محمد مشبال، فالبلاغة الرحبة أو الكلية أو العامة، مهما تعددت تسمياتها، تبقى عاجزة في رصد البلاغات النوعية، لأنها تحتكم إلى قوانين بلاغية تتجسد في أي خطاب مهما كان نوعه، ومن ثم فالبلاغة العامة تنحو نحو التجريد والعمومية، فيما تركز بلاغة الأنواع على سمات الخطابات المتنوعة، آخذة بخصوصيتها، ولذلك فمفهوم السمة في جوهره مقابل لمفهوم القواعد المقررة سلفا، أي التقنين عموما، غير أن هذا الكلام يجب ألا يُفهم منه أن القوائم البلاغية غير مرغوب فيها، بل على العكس من ذلك؛ فبالإضافة إلى اعتمادها أدوات إجرائيةً في قراءة النصوص والخطابات وتحليلها وفهمها وتأويلها، ينظر إليها البلاغي المشغول ببلاغة الأنواع من جهة تشكلاتها عبر الخطابات، ومن جهة وظائفها كذلك. وقد أكد الباحث في هذا الكتاب، كما في كتاباته الأخرى، على أن البلاغيين العرب منذ القدم شغل تنظيرهم للخطابات المتنوعة، إما بوعي أو بدونه، مفهوما «الإطار النوعي» و»نمط الخطاب». وقد طال حكمه هذا الخطاب العربي الحديث أيضا، بفضل انفتاح بلاغيي تلك الفترة على مجموعة من الأنواع الأدبية، بالإضافة إلى تطويرهم بعض المقولات البلاغية القديمة، التي كان منتهاها الجملة، لتشمل الخطاب. غير أن الوجه السلبي لتلك الفترة هو حصر هذا التوسع البلاغي في دائرة الخطابات الأدبية، دون الخطابات التداولية.
أما في الفصل الخامس المعنون بـ»نحو مقاربة بلاغية حجاجية للنص الأدبي»، فقد تتبع فيه الباحث تحليل لويس شيخو لقصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس، واصفا ذلك التحليل بأنه «تحليل بلاغي حجاجي»؛ لأنه يستلهم أسس بلاغة الحجاج، وإن لم يقدم لويس شيخو إطارا نظريا يفصّل فيه مسوغات دراسة نص تخييلي، بمقاربة بلاغية حجاجية. كما دلل الباحث على أن لويس شيخو يستحضر مقومات التحليل البلاغي الحجاجي من قبيل، الإيجاد عبر الباطوس واللوغوس، والتنسيق والأسلوب.
وفي الأخير، يتضح أننا ما زلنا بحاجة إلى قراءة التراث البلاغي، على الرغم مما أُنجز في ذلك من دراسات، كلما تجددت المفاهيم، وكلما جدت رؤى مغايرة للمألوف، خاصة تلك الرؤى التي لا تركن إلى الأحكام الجاهزة، بدون أن تكلف نفسها عناء فهم التراث وتحليله ونقده، استثمارا له في ما يخص حياتنا الراهنة، فالبلاغة تبقى علما يكتسب منفعته من مسايرته الخطابات المستحدثة لتبصرة العيون والألباب، بمقومات الخطابات ومضللاتها كذلك. فمن حسنات هذا الكتاب أنه ألقى الضوء على مناطق ظلت معتمة في البناء البلاغي المعاصر، الذي يؤسس أرضيته على الخطاب البلاغي العربي التراثي بشكل عام، ومن ثم فهو يفتح وعينا أمام تلك الأحكام الجاهزة، التي تجعل التراث في نطاق حكم الاختزال بشكل مطلق، وهي دعوة ضمنية إلى إعادة النظر في المنجز البلاغي العربي منذ القديم، قصد إعادة بنائه أولا على مقولتي الأنواع والسمات المرتبطتين بمبدأ التصنيف، ثم توسيع دائرة البحث عن مصنفات قد تكون ما تزال أبكارا لم تطلها أقلام الباحثين تأريخا أو تنظيرا. إن الباحث بهذا الصنيع يظل وفيا لأهم قواعد بناء العلم المتمثلة في رصد مراحل تطوره تأريخيا والأسئلة الموجهة له، بدون إغفال أي حلقة من حلقاته التي قد يؤدي تغييبها إلى إطلاق حكم ناقص. فما فتئنا نسمع أن البلاغة الحديثة بلاغة اختزالية اهتمت بالجانب التخييلي على حساب التداولي، غير أن الخطاب البلاغي العربي الحديث، الذي درسه الباحث في هذا الكتاب يجعلنا نعيد تأملنا في كل الأحكام المرتبطة بتراثنا البلاغي العربي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية