الخيط الوهمي بين السرد المشكوك فيه ومحنة الروائي

■ ثمة خيط وهمي يتواجد بين آراء اثنين من المشتغلين في الحقل السردي عبر مقالات نشرتها «القدس العربي»، أحدهما ناقدٌ متخصّصٌ هو حسن سرحان، وروائية عراقية لها باعٌ طويلٌ في الاشتغال الروائي والترجمة هي لطفية الدليمي.
الخيط الذي أقصده هو ما ورد في مقال سرحان ( السرد المشكوك فيه) وردّ الدليمي بمقالها في الجريدة ذاتها (محنة الروائي وانشغالات الناقد الأدبي)،
ولأنني افترض أن الأغلب الأعم من الوسط الثقافي المهتم بالسرد كتابةً روائيةً ونقدًا، فإني سأناقش وضع مقاربة للوصول إلى حقيقة الخيط الوهمي بين المقالين أو الرأيين، حيث داب سرحان، على أن لا يكون رأيه مجرّد وعظٍ أكاديمي، بل يأتي لإيجاد منطقة نقاشية، ربما تتحوّل إلى منطقةِ رؤية، أو حتى منهج. فسرحان يقول (وما محاولاتي اليسيرة سوى جهدٍ أوّلي في سبيل «عقلنة» هذا السرد الروائي المُشكِل، وإمعان النظر بالعلاقة بين الباث له ومتلقيه، وموقف القارئ، بصفته المستقبِل النهائي للنص، من السارد ورسائله) وهو قول يثبت فيه عدم قبوله بما درج عليه (بحثُنا النقدي العربي هو عدم التوقف أمام هذه «الخروقات»، باعتبارها جزءاً من لعبة التخييل التي لا تسبب ضرراً لأحد) والذي سبقها بقوله إنه ليس هناك (غضاضة في أن يتكلم الموتى، ولا جُناحَ في أن يسرد الحكاياتِ فاقدو أو ضعيفو الذاكرة، والمصابون بالهلوسة والانفصام، وغيرها من الأمراض العقلية. المشكلةُ تخص علم السرد أكثر من غيره، فهو الملزَمُ بدراسة هذه المظاهر الجمالية «الغريبة» لكي يبتني لها الفضاء التنظيري المناسب). وهنا في قوله الذي قدمت فيه وأخرت، بقصدية أن التدوين قادر على التلاعب بما هو غير ثابت، وأن العقلنة التي يطمح لها هي عقلنة أكاديمية سردية قدحت من تحول السرد من التدوين الحكائي إلى التدوين السردي (ينظر مقالنا «الرواية بين الحكاية والسرد») بمعنى أنه أريد عقلنة السرد، لما حصلنا على هذا التحوّل الذي جاء في تلك القفزة التي ذكرها في مقاله من أن (الفضل يعود في جذب الانتباه إلى هذه المسائل التقنية ذات الطبيعة السيميائية، إلى علم السرد ما بعد الكلاسيكي. أجد من الضروري الكلام، ولو بسرعة قبل مناقشة فكرة المقال الرئيسية، عن الاختلاف بين علم السرد الكلاسيكي، وما بعد الكلاسيكي. ليس الأخير رفضاً للأول ولا نفياً له، ولا طلاقاً معه ولا انفصالاً عنه ولا إلغاءً لجهود منظريه، بل هو إعادةُ فحصٍ للمنجز السابق واستمرارية له) بمعنى أن هناك فرقا وطفرة، بين القديم والجديد، وأعتقد أن كلمة الكلاسيكية، لم تعد قائمة في الوقت الراهن، لأنها تعني البدايات الأولى والرواية مرّت بمنعطفات، بل طفرات كثيرة، حتى أنها لا ترتبط بالكلاسيكية، ولا تريد العودة إليه إلا في محال النظر له من النافذة، أو أنه يذكّره بخيط الشمع الذي كان ينير الكتابة ليتذكّر الكون انه في عصر اللابتوب.
في حين تذكّر الدليمي، وهي هنا كاتبة رواية ، ما يجعل قولها مهما أيضا، لأنها تكتب من وحي كونها كاتبة وليست أكاديمية تبحث عن منهجٍ أو رؤيةٍ أو حتى نظريةٍ، فتقول (الأصل في أي فعالية سردية هو تخلــيق حكاية واقعية أو ميتافيزيقية، يبتغي الكاتب تمريرها للقارئ. الحكاية لوحدها لا تصــــلح لتشكيل جسم روائـــي، وإلا صارت حدّوتة عادية، شبيهة بتلك المرويات الشفاهية التي تتناقلها الجماعات البدائية، هنا لا بدّ من تعزيز الحكاية بجسم معرفي، يمثل خبرة الكاتب ورؤاه في ثيمات محدّدة) وهو ما يعني أن العقلنة أو السرد المشكوك فيه لا يخضع لاعتبارات ميتافيزيقية، كما هي الفكرة، أو اللحظة التدوينية، بل إلى ما يمكن أن تكون عليه مقدرة السارد وإدارته للحدث، وليس فقط في الإتيان بحكاية ما، لأن في داخل كلّ منّا حكّاء، ولديه الكثير من (السوالف) لكن الإبداع يكمن في تحويل الحكاية إلى سردٍ كون (السرد يتنوّع على العكس من الحكاية، التي تضمر نسقًا واحدًا وهو ضخّ المعلومة والثيمة بإطارٍ وسياقٍ ظاهري، لا يحتوي على نسقه المضمر، ولهذا فإن هناك اختلافًا بين الرواية، التي تعد مذكّرات أو اعترافات، والرواية التي تعتمد على المخيلة، وبناء الحدث وفق إدارةٍ خاصّة، تنوجد من قدرة السارد على الإتيان بطريقته الخاصة.. ولهذا فإن أغلب الروايات التي تعتمد على المذكّرات تكون ناجحة في حكايتها، لكنها فاشلةٌ أو غير منضبطةٍ في إيقاعها السردي) كما جاء في كتابنا «بنية الكتابية في الرواية العربية» .
بمعنى أن الخيط الوهمي هو أن الاثنين ذكرا في مقاليهما أشياء جميلةً وجديدة وقابلة للنقاش، وربما هذا الخيط لا يربط الواقع الحقيقي، الذي ينتج الرواية لأن المنتج/ الروائي غير معني بما يمكن أن يضعه الناقد أو الأكاديمي، إلّا بقدر ما ينفعه في لحظة التدوين التي ينفصل فيها عن واقعه، ليبدأ عملية التخيّل لبنات أفكاره، ومن ثم التحوّل إلى طريقة تدوين تدير هذه الصنعة، لإنتاج كتاب يوضع بين غلافين، وهو لا يختلف ربما عن أي صناعةٍ إذا ما كانت العوامل الأولية متواجدة في الإنتاج. وهو الأمر الذي أكده سرحان بقوله (ومعنى هذه الحكاية أو تلك، وليس فقط عن الطريقة التي تنتج بواسطتها كلٌ قصةٍ ما تعنيه. رغم أهمية ما تقدم، يبقى التباين الأكبر بين الاثنين، يتمثل في أن علم السرد ما بعد الكلاسيكي يعيد ربطَ النصوص بالمؤثرات الفاعلة في تكوينها، مثل سياقها الثقافي)، وهو رأي نقدي مستخلص من تجربة الكتابة، وليس من رأي أكاديمي، وإن لم يخرج عنه أيضا، لكنه يعطي دافعًا أن المخيّلة المنتجة تتطوّر ولا تحتاج إلى عقلنة، لأنها أيّ العقلنة كفيلة بإيقاف تدفّق التجديد، الذي يبحث عنه المنتج، والذي يجعل أبطاله الموتى يتحدّثون ويعودون إلى الحياة، أو أن الأبكم يتكلم، بل في قدرة المنتج على إقناع المتلقّي، ولا أقول القارئ أن يكون مقتنعًا بما وجده من في الرواية على أنه هو الحقيقة، وأن الصراع الذي أنتجته الفكرة في جسد الحكاية، تحوّل إلى عملية سردٍ جميلة أقنعت المتلقي أنه صار جزءًا منها.
ما جعل الدليمي تؤكّد عليه بقولها(لا تجتمع العقلنة والرواية على سطح واحد، بل ينبغي لنا أن لا نعقلن الفعل السردي لأسباب تختصُّ بالحفاظ على حيوية السيكولوجية الجمعية، ومنعها من الانزلاق نحو مهاوي الخمود المهلك) بمعنى إن الإنتاج لا يقبل الركون، والنقد يحتاج إلى ثبات لينطلق، وهنا يكون الخيط الوهمي بين الرأيين هو أن الكاتب/ المنتج/ الروائي هو وحده من يجيب على الأسئلة، حين يكون صنعه ناجحًا وقابلا للتصديق، وأن التدوين الذي استخدمه هو تدوينٌ ملائمٌ للفكرة، وأن يحوّل الحكاية إلى فعلٍ سردي، ومن ثم التحوّل من السرد المستحيل إلى السرد الناجح المقبول، ومن السرد المشكوك فيه إلى السرد كثير الأسئلة الذي يبحث عنه المتلقّي ليرى ما لم يره من قبل، أو يطّلع على جزءٍ من حكايته، خاصة أن مرحلة ما بعد الكلاسيكية لا هدوء فيها، وإن كان هنا قبول بالوصول إلى مرحلة الثبات، فإن الرواية ستموت، وربما تكون العودة إلى الحكايات في طريقة طرحها.. خاصة أن سرحان يفصل بين ساردين في مقالين له فيقول (فالسارد في السرد المستحيل ممكن الوجود نصياً، وإن عزَّ عليه الوجود واقعا. أما السارد في السرد المشكوك فيه، فلا شيء يمنعه من الحضور، إن على مستوى الواقع، وإن على مستوى النص، لكنه غير مؤتمن من ناحية المعلومات التي ينقلها إلى مستمِعه وهنا نقطةُ التقائه مع السارد المستحيل) وهو رأي واقعي ويرتبط بالمنتج الروائي الذي إن تواجد أضعف شخوصه، وإن غاب كليّا تاهت العناصر الدرامية، أو حتى تاه السرد، رغم أن لا معنى لوجود الثقة بين الإنتاج والتلقّي، لأن المخيّلة أصلا لا تخضع لفكرة الثقة، أكثر من خضوعها كما يقول سرحان إلى مبدأ الشك ـ والبحث عن خيوط الربط بين الواقع والمخيلة.. وهو ما تذكره الدليمي بقولها (إذ لا معنى إجرائياً لمفردة الثقة هذه. ثمة فكرة (هي خبرة في نهاية المطاف) يسعى الكاتب لتمريرها للقارئ، عبر وسائط سردية محدّدة، والقارئ يتلقّى هذه الخبرة التي ستكون فاعلة فيه، تبعاً لخبراته الوجودية وترسيمته السايكولوجية، التي لا تتقاطع مع خبرة السارد، وبعكس هذا سيحصل التقاطع بالضرورة).
ولهذا فإن الخيط الوهمي أيضا يتواجد في منطقة العقل، سواء المتلقي أو الكاتب كونه المنطقة التي تنتج لنا عالم السرد في كيفية الكتابة عبر حكاية وفكرة وثيمة ومصطلحات أخرى، والانتهاء من التدوين لعالمٍ ضاجّ بالرؤى والأسئلة والشك، وعدم اليقينية للوصول إلى القبول واليقين بما كان على الورقة.

٭ كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول شنة قويدر:

    لقد كان لدرس نقد النقد السردي الفضل في تأمين الدرس النقدي السردي من الهنات الابستمولوجية، التي قد تعتوره على مختلف مستوياته، وجل تقلبات فضلا عن تشييد بنيان صرحه العظيم الذي ظل يلح عليه الإبداع السردي إلحاحا شديدا. من هذا المنطلق يسعى أدباء الوطن العربي بمختلف مذاهبهم الفكرية ليوطنو تقنيات السرد وأشكاله التي جادت بها نظرية السرد عند الغرب، والماثلة في مدونته النقدية الموسومة بـ”في نظرية الرواية”، و هذا في الحث من محاولة لتحديد ماهية علم السرد ونشأته، والإشارة إلى تطوراته، ورصد مختلف تجلياته في كل من الثقافتين الغربية والعربية على حد السواء؛ ليتدرج بذلك إلى قراءة في أسس الخطاب النقدي الروائي عند الناقد عبد الملك مرتاض، وبيان تمثلاته لتقنيات السرد وأشكاله في كتابه الذي أسماه “في نظرية الرواية”.
    إنَّ فعل الكتابة هوسُ مشفوع بانعتاق المشاعر والأفكار في لحظات من التحرّر من الذات، لأن الكتابة هي تعرية للروح، تجلد الكاتب إذا لم يحسِنْ بناءها لتصبح آلة قادرة على تشييع اللحظة إلى أبديّتها.

اشترك في قائمتنا البريدية