السعودية وسيطاً

حجم الخط
8

خلال سنوات العقد الماضي اتخذت السياسة الخارجية السعودية منحى أكثر مباشرة في مواجهة تحديات داخلية وإقليمية ودولية، ورأى مراقبون أن الرياض تغادر مربعات تقليدية شُهرت بها في التعاطي مع القضايا المختلفة، لتلتحم مباشرة بشبكة معقدة من الإشكالات والقضايا التي تواجه الإقليم والعالم.
كانت هناك تحديات جسيمة واجهتها الرياض بطرق مختلفة، وإن كان يغلب عليها طابع المواجهة المباشرة في العلاقات الدولية، ضمن سلسلة من الظروف والسياقات التي أثرت في مناحي هذه السياسة وتأثرت بها بشكل أو بآخر، مع إشكالات العقد المنصرم الذي شهد اندلاع ثورات «الربيع العربي» وإفرازاته وما تلاه من حروب أهلية دامية أدت لمقتل وجرح وتشريد الملايين، وكانت لها ارتداداتها الدولية في موجات الهجرة، وتوسع دوائر العنف والتطرف، مع ما رافق ذلك من أحداث ونزاعات واستقطابات حادة بلغت الذروة مع تفجر الحرب الحالية المدمرة في أوكرانيا.
كان اليمن هو الشأن الأهم بالنسبة للرياض خلال السنوات الأخيرة، وهو الساحة التي تأثرت وأثرت – بشكل كبير ـ بمدخلات ومخرجات التعاطي السعودي إقليمياً ودولياً، بعد أن وجدت الرياض نفسها محاطة من جهات عدة بميليشيات طائفية مسلحة تبدو في الظاهر منفلتة، ولكنها في الواقع منضبطة بتعليمات من أنشأها ودربها وقدم لها كل أنواع الدعم لتنفيذ أجندات لا علاقة لها بالطموحات الوطنية للبلدان التي تعمل فيها تلك الميليشيات، قدر ما لها علاقة بأهداف من يملك زمام أمورها في طهران.
ومن اليمن إلى سوريا فالعراق وليبيا ولبنان وإيران والسودان والبيت الخليجي، ثم إلى تركيا والحرب في أوكرانيا والعلاقة مع واشنطن وموسكو والتوجه نحو الصين، وإلى أسعار الطاقة العالمية وملفات العلاقات الأوروبية وواقع وسط آسيا، وقضايا البيئة والقضايا الثقافية المختلفة شهدت السياسة الخارجية السعودية مراحل من التحولات الملحوظة عبر سلسلة من الإجراءات والمواقف التي بدت غير متوقعة لدى البعض وجريئة لدى البعض الآخر ومخيبة لآمال آخرين، غير أنها كانت تكشف سلسلة من المراجعات ضمن كواليس هذه السياسة التي تؤثر وتتأثر بمحيطها الإقليمي والدولي، ناهيك عن المتغيرات الداخلية السعودية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والثقافية التي يرى الكثيرون أنها بدورها أثرت في صياغة محددات سياسة الرياض الخارجية المنطلقة في جانب منها من مراعاة التغيرات الداخلية الملحوظة على الساحة الوطنية للمملكة، بأبعادها المختلفة التي يبدو أن الطموحات الاقتصادية والتنموية تأتي في مقدمتها، ضمن ما يعرف بخطة 2020-2030 السعودية الطموحة لتحويل المملكة إلى مركز استقطاب اقتصادي واستثماري إقليمي ودولي لا يعتمد على سوق الطاقة وحسب.
وخلال المراحل المختلفة يمكن الإشارة إلى مجموعة من التكتيكات في هذا السياق تتراوح بين أساليب القوة الخشنة والناعمة التي تبدو متناقضة رغم كونها تصدر عن ذات الأهداف.

لم تقتصر «سياسة الوسيط» على الساحة اليمنية، بل يبدو أن الرياض تريد أن تكون ملتقى أطراف مختلفة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، حيث يمكن تفسير الموقف السعودي الحالي من أزمات كثيرة على هذا الأساس

في الساحة اليمنية كان هناك تدخل سعودي مباشر في الحرب التي نتجت عن انقلاب الحوثيين على سلطة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، لأسباب متعددة في مقدمتها شعور الرياض بخطورة تطويقها من قبل الميليشيات الإيرانية، وكان هذا التدخل السعودي أحد تجليات أساليب القوة الخشنة التي يبدو أن الرياض بصدد مراجعتها على مستويات متعددة للعودة إلى مرتكزات قوتها الناعمة التي يبدو أنها ستكون سمة السياسة الخارجية للرياض خلال السنوات المقبلة.
وضمن هذا السياق اتخذت الرياض بعض الخطوات التي بدت مفاجئة، فجاء الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية كأقوى إشارة إلى تحولات السياسة الخارجية التي يمكن رصد إرهاصاتها الأولى بعد إيقاف معركة الحديدة في اليمن، وهي المعركة التي شارفت فيها قوات التحالف والحكومة على السيطرة على المدينة الاستراتيجية بمينائها الحيوي، قبل أن تتدخل قوى دولية «حليفة» لوقف المعركة لدواعٍ «إنسانية» ظاهرياً، ولأخرى سياسية على علاقة بمصالح دولية كانت تهدف لضمان عدم هزيمة الحوثيين، كي يستمر النزيف اليمني والعربي، الأمر الذي يبدو أن الرياض أدركته حينها، والذي أسهم مع عوامل أخرى في إحداث سلسلة من التحولات، ضمن السياسة السعودية الحالية في المراوحة بين قوتيها الخشنة والناعمة، مع رغبة الرياض في التحول من «طرف حرب» إلى «وسيط سلام» وهو ما تجلى في زيارات السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر إلى كل من صنعاء وعدن، في محاولات سعودية لإغلاق ملف الحرب في البلاد، ضمن السياسة الجديدة في «تصفير المشاكل» للتفرغ لمقتضيات الخطط الاقتصادية الطموحة للمملكة.
ولم تقتصر «سياسة الوسيط» على الساحة اليمنية، بل يبدو أن الرياض تريد أن تكون ملتقى أطراف مختلفة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، حيث يمكن تفسير الموقف السعودي الحالي من أزمات كثيرة على هذا الأساس، فالرياض لم تنحُ منحى «الحليف الأمريكي» في الحرب الروسية الأوكرانية، ولم تعد كما تريد واشنطن فيما يخص ملفات الطاقة الدولية، ولم تحقق ما هو مرجو منها غربياً فيما يخص التقارب مع إسرائيل، وجاء التقارب مع طهران مخيباً لآمال كثيرة، ناهيك عن الانفتاح على الصين الذي لا يبدو أن أطرافاً محددة ترغب فيه، وكأن الرياض تريد أن تقول لحلفائها التقليديين إنكم عندما تخلون بمقتضيات الصداقة فلا يمكن أن تتوقعوا استمرارها على ما كانت عليه، الأمر الذي يعكس رغبة في إثبات ندية مستقلة تتوافق مع متطلبات الداخل أكثر مما هي متطابقة مع مقتضيات الخارج.
واستمراراً لهذا النهج الجديد جرى انفتاح سعودي على النظام السوري أفضى إلى عودة النظام لشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية، والاتفاق على تطبيع الأوضاع في البلاد التي أنهكتها الحرب، وانخراط أكبر للعرب في ذلك التطبيع، بما يشمله من عودة المهجرين واللاجئين وإعادة الإعمار والحل السياسي، وهذا مظهر من مظاهر تحولات السياسة الخارجية للرياض من «دور الطرف» إلى «دور الوسيط» وهو ما تأمل المملكة من خلاله أن يمكنها من تفعيل دور عربي في معالجة الجرح السوري، مع عدم إغفال صعوبة تحقيق مثل ذلك الهدف، إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة القوى الأخرى الفاعلة والتي يمكن أن ترى في دور «الوسيط العربي» مهدداً لمصالحها هنا أو هناك.
يمكن كذلك الاستمرار في رصد أدوار «الوسيط السعودي» كمظهر من مظاهر تحولات سياسة الرياض الخارجية، وذلك في دعوة السعودية لأطراف الصراع في السودان إلى حوار جدة، وعرض المملكة الوساطة للإسهام في التوصل لحل في أوكرانيا، وعدم اليأس من لعب الدور ذاته في لبنان وليبيا، دون إغفال دور الرياض في المصالحة التي أفضت إلى طي صفحة «الأزمة الخليجية» وغير ذلك من المواقف والأفكار التي تطرح هنا وهناك، والتي تشير إلى بداية مرحلة لا يمكن أن نقول إنها جديدة كلياً، أو أنها عودة حرفية لممارسة الدور السعودي التقليدي قبل عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولكن يمكن الإشارة إلى أن هذا التوجه الجديد سيكون أقرب إلى الدور السعودي التقليدي برؤية مختلفة تتفق مع تطلعات الرياض إقليمياً ودولياً، مع توفر السعودية على مراكز ثقل دينية واقتصادية وجيوسياسية تمكنها من لعب هذا الدور بشكل فاعل، رغم الصعوبات والعراقيل التي لا بد أن تعترضه، وفقاً لمصالح إقليمية ودولية قد لا يروق لها أن تلعب الرياض مثل هذا الدور الجديد.

كاتب يمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    ” بعد أن وجدت الرياض نفسها محاطة من جهات عدة بميليشيات طائفية مسلحة تبدو في الظاهر منفلتة، ولكنها في الواقع منضبطة بتعليمات من أنشأها ودربها وقدم لها كل أنواع الدعم لتنفيذ أجندات لا علاقة لها بالطموحات الوطنية للبلدان التي تعمل فيها تلك الميليشيات، قدر ما لها علاقة بأهداف من يملك زمام أمورها في طهران. ” إهـ
    النظام السعودي يدفع ثمن رفضه تسليح حزب الإصلاح السُني المحسوب على الإخوان !
    النظام السعودي وضع يده مع الحوثيين الصفويين , بدلاً من وضع يده مع أهل السٌنة والجماعة !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول أحمد:

      مرة أخرى لن يجديك نفعا هذا التركيز المفرط وإلى حد الهوس على الجوانب الطائفية التي لا تهم احدا

  2. يقول سليم شاكر:

    عرف كثيرون مفهوم أو مصطلح القوى العظمى ولم يكن من بين شروط القوى العظمى المال أو المال ولهذا ما وراء محاولة السعودية تسلق سلم أو سلالم القوى العظمى وشكراً للأخ الكاتب أن وراء المسعى السعودي أن دولة بعينها أخلت بمفهوم الصداقة مع الرياض وتريد منها الإبقاء على حبال الود . لقد تعرضت الرياض الى أهانات صريحة وبأكثر من شكل واحد فقد أجبر ترامب الرياض على دفع ٤٠٠ مليار دولار لصناعة أسلحة يقدم بعضها لحماية الرياض كما أمروها بتعديل مناهج دراسية بعينها أما بايدن الخرف والأبله حتى فقد أنتقد السعودية وكأننا في مرحلة الكاوي بوي المستعمر فهل تستطيع الرياض أن تكون قوة عظمى بالمال وحده

  3. يقول عبودي:

    الدكتور محمد جميح المحترم: الفراغ الذي حدث بعد احتلال العراق وتدميره واخراجه من معادلة التوازن في الشرق الأوسط بشقيها (العربي /الايراني ،والعربي /الاسرائيلي) لايمكن لدولة عربية تعويضه: ولقد رايت بام عينك ماحصل ، كانت الدول العربية تتدحرج الواحدة تلو الأخرى كاحجار الدومينو ومن خشي التدحرج هرول إلى اسرائيل للتطبيع والحماية (وتفادي النهاية الكارثية).دول عربية تحولت إلى دول تحتلها ايران (وكما تعبر ايران نفسها في خطابها السياسي الموجه للداخل الايراني وللخارج العربي /الغربي ) . هل هذا يسر احد من العرب والمسلمين، طبعا لا ، السؤال المهم هنا : لماذا لم يعمل العرب على تفادي هكذا سيناريو ، ومنعه؟ أو على لنقل: لماذا ساهم العرب في خلق هكذا سيناريو ساهم كنتيجة في تدمير دول عربية ، وافراغ جيوب دول أخرى ؟ واذلالها بفرض سيناريو للتطبيع مع اسرائيل، والقبول بتقاسم قرارات وادوار سيادية وقومية مع ايران؟

  4. يقول عبودي:

    وبالنسبة لنا نحن العراقيين (ما اكتشفناه بعد فوات الاوان): فاعتقد إن خراب العراق كان معد له مسبقا بتخطيط أمريكي بريطاني وبشكل تدرجي (كارثي): ابتدا منذ تغيير السلطة في 1968 أو ما يعرف بثورة تموز (وربما حتى من ثورة تموز الاولى 1958) ، ومجيء صدام حسين للسلطة، فقد فقد العراق خيرة اهله وسياسيه ومفكريه ومن نجا من الإعدام هرب إلى خارج العراق، ثم جائت الحرب العراقية الايرانية ، ثم حروب أمريكا بعد توريط العراق بدخول الكويت ، ثم تجويع العراق بحصار ضالم استمر ثلاثة عشرة سنة من اجل تفكيكه اجتماعيا واجبار علمائه واغنيائه على تركه بالقوة وهذا ماحصل، المهم حصلنا على عراق يقع في التسلسل بعد الصومال الشقيق في كل شيء، عراق لاحول له ولاقوة،بعدما كان سيد الجميع وقوة ردع استفاد منها العرب في كبح جماح ايران من دخول المنطقة العربية . الآن ماذا لديك: يمن مدمر سوريا مدمرة، ليبيا(لاشيء بقي منها),بينما أصبحت الدول العربية الأخرى تتسابق للصداقة مع اسرائيل هذا من جهة …. ايران من جهة اخرى : الأمر الناهي.

  5. يقول الدكتور جمال البدري:

    أرى أنّ العنوان به حاجة لتعديل وميزان شاقول: السّعوديّة { وسيطًا } بل السّعوديّة { قائـــدًا }.والقيادة حاصل تفاعل الرؤى من خشن وناعم؛ الجامع لما بين الماديّ والمعنويّ كفعل إراديّ على أرض الواقع السّياسيّ.وكلّ قائد وسيط؛ وليس كلّ وسيط قائد.وأرى أنّ هذا الدور القياديّ السعوديّ قد تعزز بعد { المصالحة } الإقليميّة؛ مما أقلق حسابات الولايات المتحدة الأمريكيّة.وأرى أنه ليس مجرد مصالحة بل بدايّة جديدة لستراتيجيّة خارجيّة توحيد المتناقضات في بوتقة ذات مشتركات إيجابيّة ذات منافع متعددة تحت { خيمة } لها عمود تسنده أوتاد؛ قبل بلوغ رؤية { 2030 }.

  6. يقول ليث الأسدي:

    التحليل والتعليق على أصوله للدكتور جمال البدري.حقا تستحق الاحترام سيدي.بكلمات قليلة لكنها وازنة وقلت بالمفيد الصحيح.

  7. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكرًا أخي محمد جنيع. عمدما انتهت الخرب الأهلية اللبنانية باتفاق الطائف اعتقد الجميع أن حال لبنان سيعود إلى سابق عهده. لكن النظام السوري المحتل أبى إلا أن يغتال الحريري قبل خروجه مطرودًا أو طريدًا من لبنان. وكما نعلم مع ذلك حال لبنان يرثى له اليوم. أرجو أن لايتكرر هذا في سوريا. في الحقيقة لست متشائمًا لكن لاشيء يدعو إلى التفاؤل. اللهم إلا إذا شاء الله أن يخلصنا من النظام السوري أو هذه العصابة بحكمة إلهيه وسبحان الله فهو الحكيم القدير.

اشترك في قائمتنا البريدية