السكر المفقود.. رواية جديدة تزيد مرارة العيش في قطاع غزة وسط الحرب الإسرائيلية الدامية

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة – “القدس العربي”:

“الوضع كله مر، ولم يقف على الشاي، نشربه مر كمان”، هكذا علق أحد الغزيين على غلاء السكر، وشحه من أسواق قطاع غزة، حينما أبلغه أحد الباعة بعدم وجود أي كمية متبقية لديه، مع اشتداد الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال منذ بداية الحرب الدامية ضد القطاع.

أسواق بلا سكر

وفي هذا الوقت تخلو أسواق قطاع غزة من السكر، بعد شح كبير طوال الفترة الماضية، التي اعتمد خلالها السكان على ما كان يتوفر لهم من كميات قليلة تصل عبر طرود المساعدات الغذائية.

وبات الحصول على كمية ولو قليلة منها يحتاج إلى جهد كبير في البحث، وإلى مال كثير، بعد ارتفاع ثمن الكيلو غرام الواحد من السكر، من ثلاثة شواكل “الدولار يساوي 3.6 شيكل”، إلى أكثر من 70 شيكلا، أي ما يقارب الـ20 دولارا أمريكيا.

بات الحصول على كمية من السكر ولو قليلة يحتاج إلى جهد كبير في البحث، وإلى مال كثير، بعد ارتفاع ثمن الكيلوغرام الواحد من السكر

ويقول ذلك الرجل الذي علق على انقطاع السكر من سوق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، واسمه حسن عبد الرحمن لـ “القدس العربي” “منذ أكثر من أسبوعين لم يعد يتوفر في المنزل أي كمية من السكر”، ويشير إلى أن ما كان يتوفر قبل ذلك هو كيلو غرام واحد، أحضره نجله في طرد مساعدات غذائي.

ولأسرة هذا الرجل كانت حكاية كما أسر قطاع غزة مع السكر، حيث اقتصر استخدامه اليومي على تحديد ملعقة صغيرة لكل فرد من الأسرة، توضع في كأس الشاي صباحا.

ويشير هذا الرجل إلى أن أطفال أسرته من الأحفاد، طالما طالبوا بتحضير بعض حلويات الشتاء التي اعتادوا عليها، وأسهلها “السحلب”، الذي يقدم ساخنا، غير أن عدم توفر السكر، وغلاء المكونات الأخرى مثل “النشا”، حال دون ذلك، ويوضح أيضا أن تلك الأطعمة الشتوية “الحلوى”، كانت تسد رمق جوع الأطفال في فترات الحرب الأولى، حين كانت هذه المواد متوفرة، وتغني عن الوجبات التي تحتاج إلى الخبز وطهي الطعام.

وقد تذكر هذا الرجل ما كان عليه الوضع سابقا، حين كان يشتري السكر بكميات كبيرة، تكفي احتياجات أسرته لأكثر من شهرين، لافتا إلى أن هذه الكميات نفذت مع بداية الحرب، لعدم دخول كميات وفيرة من السلعة إلى الأسواق، بسبب سياسات الحصار الإسرائيلي.

الحصار هو السبب

ومنذ اليوم الأول للحرب على غزة التي بدأت يوم السابع من أكتوبر من العام الماضي، أغلقت سلطات الاحتلال معابر غزة التجارية، ولم تسمح إلا بعد أسابيع بمرور أعداد محدودة من الشاحنات التي تقل مساعدات إنسانية، من خلال معبر رفح الفاصل عن مصر، بعد إخضاعها للتفتيش في معبر يتبع إدارتها على مقربة من الحدود، ولاحقا سمحت بدخول بعض الأصناف الغذائية المخصصة للبيع، لكن بكميات قليلة جدا.

رغم أن السكان يرجعون سبب الغلاء إلى “طمع التجار”، إلا أن جهات الاختصاص في غزة لم تقدم أي إيضاحات حول الأمر

ولا تكفي كميات المساعدات ولا البضائع التي تباع بالأسواق احتياجات سكان قطاع غزة البالغ عددهم أكثر من 2.2 مليون نسمة.

وفي أحسن الأحوال كانت تمر من معبر رفح نحو 100 شاحنة مساعدات يوميا، ويقل هذا العدد في معظم أيام الأسبوع، وقد يصل ما يصل القطاع نصف ذلك الرقم، في حين كان يمر لسكان قطاع غزة قبل الحرب ما قدره 500 شاحنة في اليوم الواحد.

ولم يكن في ذلك السوق، كباقي أسواق قطاع غزة أي كميات من السكر، سوى القليل منها الذي يباع بسعر مرتفع، ويقول أحد الباعة الذي عرض بعض الأكياس، ذات وزن كيلو جرام ونصف كيلو، إنه اشتراه بسعر مرتفع من أحد التجار، ويوضح أن عددا قليل جدا من مرتادي السوق، يشترون بكميات قليلة، إذ يفضل الأغلب شراء نصف كيلو فقط.

ويقول البائع فادي وهو في نهاية العشرينيات، وكان له محل بقالة قبل الحرب، وتضرر جراء قصف إسرائيلي، ما اضطره لفتح “بسطة” في السوق، إنه اعتاد سابقا على بيع السكر بالرطل ذي زنة الثلاثة كيلو جرامات، لأقل مشتر، فيما كانت بعض العائلات تشتري شوال السكر كاملا، بزنة الـ 50 كيلوغراما.

الشاي المر

هذا وقد دفعت أزمة السكر في غزة السكان في بداية الأمر، إلى التوجه إلى بدائل أخرى مثل استخدام البديل العلاجي المخصص لمرضى السكر، وكذلك استخدام البديل النباتي المستخرج من نبته “الأستيفيا”.

لكن مع زيادة الطلب على هذين الصنفين، ارتفع ثمنها بشكل خيالي، وبات ثمن الوجبة الواحدة التي تستخدم كبديل علاجي يبلغ شيكلا واحدا، وهي تكفي لتحلية كأس من الشاي، بعد أن كان ثمن المنتج كاملا بسعة 50 وجبة، يبلغ خمسة شواكل فقط.

وأدى ذلك إلى عزوف الكثير من السكان عن استخدام هذه المنتجات، بعد أن أجبروا على مقاطعة السكر، خاصة وأن تحضير “براد” شاي يحتاج فقط إلى عشرة شواكل من السكر أو بديله، بما يقارب الثلاثة دولارات، علاوة عن ثمن غاز الطهي غير المتوفر بكثرة، وكذلك الشاي الذي شهد ثمنه ارتفاعا كباقي المنتجات، فاضطر الكثير منهم إلى شرب الشاي المر.

ويعتاد غالبية سكان قطاع غزة على شرب الشاي في الصباح مع وجبة الإفطار، كما يعد الشاي المشروب الرئيس في الضيافة، حيث يقدم مع القهوة أيضا.

وكانت العديد من الأسر تعتمد على تقديم كأس الشاي، مع قليل من الخبز كوجبة إفطار لأطفالهم، تغنيهم عن شراء بعض الأطعمة الأخرى مرتفعة الثمن، قبل أن يصبح تحضير كوب الشاي أمرا ثقيلا على جيوب أرباب الأسر.

كما توقف معظم صانعي الحلوى الشعبية عن العمل، بسبب ارتفاع أثمان السكر، ولم يبق يعمل إلا القليل منهم، ويبيعون منتجاتهم بأثمان عالية.

وقال سعيد أبو سماحة “كنا نشتري بعض الحلويات لأطفالنا، كبديل عن الشوكولاتة والبسكويت المستورد مرتفع الثمن”، ويشير إلى أن ثمنه المرتفع حاليا يحول دون ذلك.

ورغم أن السكان يرجعون سبب الغلاء إلى “طمع التجار”، وعملهم على رفع العديد من أسعار المواد الغذائية، حيث بات مصطلح “تجار الحرب” يجري تداوله على نطاق واسع في كافة مناطق القطاع، إلا أن جهات الاختصاص في غزة والمتمثلة في وزارة الاقتصاد، لم تقدم أي إيضاحات حول الأمر.

ويقول السكان إنه رغم شكواهم المتكررة من ارتفاع سعر السكر، والكثير من المواد الغذائية الأساسية الأخرى، ومنها زيوت الطعام، إلا أن الجهات الرسمية التي تعلم بهذا الغلاء لم تتحرك، لوضع حد لهذه الموجة التي حرقت جيوبهم.

وفي مجالسهم وفي حركتهم في الأسواق، يعبر السكان عن سخطهم من هذا الارتفاع الجنوبي في أسعار السلع، وبما فيها السكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية