السودان: رؤى تسابق الزمن لحل الأزمة في انتظار قرار الشارع‎‎

عمار عوض
حجم الخط
0

تجري تحركات كبيرة على مستوى الساحة السياسية في اليومين الماضيين حيث أعلنت قوى الحرية والتغيير (الميثاق الوطني) عن توصلها إلى تفاهمات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة محمد عثمان الميرغني.

الخرطوم-“القدس العربي”: تسابق الزمن رؤيتان للحل في السودان، حيث يدعم المجتمع الدولي تصور رئيس بعثة الأمم المتحدة في الخرطوم فولكر بيرتس التي تدعو إلى عودة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك إلى منصبه ورفع حالة الطوارئ وإجراء تعديلات على بعض المؤسسات الانتقالية وتشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط، فيما يواصل قادة الجيش الطرق على رؤيتهم التي تقوم على تعيين مجلس سيادة جديد يضم ستة مدنيين من أقاليم السودان المختلفة بشرط أن يكونوا من المستقلين وتشكيل حكومة مدنية من الكفاءات بقيادة حمدوك أو بدونه واكمال هياكل الحكم من مجلس تشريعي يخصص نصفه للشباب من لجان المقاومة يتم اختيارهم من كافة محليات السودان، يأتي ذلك في ظل ضغط من المجتمع الدولي لاعتماد الرؤية الأولى التي ترفض إبعاد حمدوك من المشهد وتلوح بوقف المنح والهبات وفرض عقوبات فردية على قادة الجيش .
وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان فولكر بيرتس الجمعة إن محادثاته أثمرت عن خطوط عريضة لاتفاق محتمل على عودة إلى تقاسم السلطة بين العسكريين والمدنيين، بما يشمل إعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى منصبه، وشدد على ضرورة التوصل إلى ذلك الاتفاق خلال “أيام لا أسابيع”.
وكشف علنا لأول مرة عن “الخطوط العريضة” لاتفاق محتمل قال إنها “تشمل عودة حمدوك إلى منصبه وإطلاق سراح المعتقلين ورفع حالة الطوارئ وإجراء تعديلات على بعض المؤسسات الانتقالية وتشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط.”
وأضاف في مقابلة “كلما طال الانتظار ستزداد صعوبة تنفيذ مثل هذا الاتفاق والحصول على الدعم اللازم من الشارع والقوى السياسية”.
وقال لرويترز “السؤال الآن هو هل كلا الجانبين على استعداد للالتزام بذلك؟ في هذه المرحلة لا تزال لدينا على الأقل بعض العقبات”.
وتابع بيريتس قائلا إن “المحادثات تمثل فعليا الفرصة الأخيرة للجيش للتوصل إلى اتفاق عن طريق المفاوضات، وأن هناك على ما يبدو مناقشات داخل الجيش بشأن ما إذا كان ينبغي الاستفادة منها أم لا”.
وكشفت صحيفة “السوداني” الدولية عن اعتماد القائد العام للقوات المسلّحة عبد الفتاح البرهان ترشيحات مجلس السيادة الجديد. وتوقّعت الإعلان عن الترشيحات في الساعات المقبلة.
وأشارت إلى أنّ مجلس السيادة الجديد يتكوّن من 5 أشخاص من المكوّن العسكري و6 ممثلين لأقاليم السودان المختلفة بينهم شخصية نسائية، إلى جانب المحافظة على ممثلي القادة الموقعين على سلام جوبا وهم مالك عقار رئيس الحركة الشعبية والطاهر حجر رئيس المجلس الانتقالي لحركة تحرير السودان ود. الهادي ادريس رئيس تجمع قوى تحرير السودان .
وأوضحت الصحيفة أنّ “هناك 3 مرشحين لرئاسة مجلس الوزراء في حالة عدم وصول المشاورات والوساطات الإقليمية والدولية إلى اتّفاقٍ مع عبد الله حمدوك”.
وتشمل قائمة المرشحين لرئاسة مجلس الوزراء بحسب الصحيفة كل من عمر دهب مبعوث السودان في الأمم المتحدة ومدير جامعة أفريقيا العالمية هنود أبيا، واستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة الخرطوم مضوي إبراهيم احد قادة المجتمع المدني .
وقال مصدر عسكري مطلع لـ”القدس العربي”: “لسنا ضد عودة حمدوك وجلسنا معه مرارا بعد عودته إلى منزله لكنه ظل رافضا ويضع شروطا منها إطلاق سراح المعتقلين والعودة لما قبل 25 أكتوبر وهو الشرط الذي نرفضه” وتابع “الوضع قبل 25 أكتوبر من انقسام سياسي وقبلي واحتجاجات في الشرق والشمال وكردفان وحكومة تنفيذية عليها غضب شعبي لا يمكن أن نعود لهذا الوضع بأي حال وإلا لماذا قمنا بهذا التحرك التصحيحي” وزاد “المجتمع الدولي يقول انه يريد حكومة بقيادة مدنية ونؤكد أن الذي سيقود الحكومة شخصية مدنية ولن نتدخل في شؤونها ولا تشكيلها ونعتقد أن حمدوك نفسيا لا يمكن أن يعود كما أنه يتعرض لضغوط من أهل بيته وبعض القوى السياسية التي يفضل الاستماع إليها ما يقدح في استقلاليته”.
وأوضح المصدر المطلع “سنشكل مجلسا سياديا يمثل أقاليم السودان وبرلمانا نصفه من الشباب يتم اختيارهم من محليات السودان المختلفة وسنعين رئيسا للقضاء والنيابة والمحكمة الدستورية سنكمل كل الهياكل وتذهب الأحزاب لتحضير نفسها للانتخابات في تموز/يوليو 2023”. وأضاف “انظر إلى الشارع السوداني في صورته الكلية ستجد أكثر الناس سعادة بهذه الخطوة التصحيحية بعد توفر الخدمات من خبز وكهرباء ووقود الذي وفرناه بكميات للموسم الزراعي الشتوي والسودان ليس شارع الستين أو شارع الأربعين حيث يتجمع الشباب للاحتجاج، السودان كبير به 42 مليون مواطن. ماذا يمثل المحتجون في شارعين في الخرطوم انهم أقل من 1 في المئة من السكان؟”.
ونقلت “رويترز” عن مصدر دبلوماسي غربي رفيع قوله: “البرهان لا يمتلك طريقاً ممهدة لتشكيل حكومة بالطريقة التي يريدها” وفي غضون ذلك، صرح نشطاء ومحللون ودبلوماسيون أن الجيش يقوم بتعيين شخصيات مرتبطة بعهد البشير في مناصب إعلامية حكومية وبوزارة الخارجية، ويتحرك للسيطرة على المؤسسات الرئيسية بما فيها القضاء.
وصرح سليمان بلدو من ذا سنتري “الحارس” وهي مجموعة معنية بالتحقيقات الاستقصائية والسياسات مقرها العاصمة الأمريكية واشنطن، بأنه “إذا رفض الجيش جهود التسوية فبإمكانه إدارة البلاد عبر العائدات النقدية من مبيعات الذهب والقيام بتشكيل حقائق بديلة عبر سيطرته على وسائل الإعلام الحكومية وحملات وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه سيتعين على الجيش التعامل مع الحركة النشطة والبارعة للشارع المؤيد للديمقراطية التي حُشدت مرارًا وتكرارًا منذ بدء الانتفاضة ضد البشير قبل ما يقرب من ثلاث سنوات”.
وتشكل الانقسامات الداخلية داخل الجهاز العسكري المترامي الأطراف في السودان، والتي طورت مصالحه التجارية في عهد البشير وضمت قوات الدعم السريع شبه العسكرية القوية خطرًا آخر على قيادة الجيش.
وفي إشارة إلى ارتباك محتمل بشأن استراتيجيته إطلاق سراح الرئيس السابق لحزب المؤتمر الوطني (حزب البشير الحاكم) من السجن يوم الأحد ليعاد اعتقاله يوم الاثنين!
وقال أليكس دي وال، الخبير في شؤون السودان ورئيس مؤسسة السلام العالمي في جامعة تافتس، إن البرهان وداعميه “ليس لديهم القدرة أو التماسك الكافي فيما بينهم لشن نوع من القمع المكثف الذي يمكنهم من النجاح”. وتابع “لم تكن القوى الإقليمية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر أصدقاء لحكومة البشير الإسلامية، ودعمهم للحكم العسكري في السودان لن يكسبهم سوى القليل على ما يبدو. إن السعودية والإمارات ليس لديهما ما يكفي من التمويل لتقديمه لإنقاذ السودان من الحفرة التي يوجد فيها، وبالتالي فإن النفوذ الحقيقي يكمن في الولايات المتحدة والبنك الدولي واللاعبين الآخرين، وبعد أن اتخذت الحكومات الأمريكية والغربية موقفًا قويًا، فليس لدى البرهان الكثير ليلعب به”.
لكن مصدرا في العاصمة واشنطن يعمل في إطار معهد السلام الأمريكي قال لـ”القدس العربي” إن “هناك معضلة في مسألة العقوبات هل يتم فرض العقوبات على السودان كدولة وذلك سيشمل العسكريين والمدنيين والمواطنين أيضا الذين سيكونون ضحايا لهذه العقوبات بشكل كبير، كما أن فرض عقوبات على القادة العسكريين الذي سيعقد مساهمتهم في ليبيا واثيوبيا واليمن بالنسبة لحلفائنا في السعودية والإمارات لذا تجرى مشاورات واسعة لكيفية تدخل الولايات المتحدة التي تعمل بشكل جيد مع دولة جنوب السودان لإيجاد صيغ مريحة للجميع وتحافظ على مكاسب التحول في السودان نحو الديمقراطية”.
وفي غضون ذلك تجري تحركات كبيرة على مستوى الساحة السياسية في اليومين الماضيين حيث أعلنت قوى الحرية والتغيير (الميثاق الوطني) عن توصلها إلى تفاهمات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة محمد عثمان الميرغني أحد أكبر الزعماء في السودان وقال مصدر من هذا التحالف لـ”القدس العربي”: “نحن نرتب لأكبر جبهة لتسلم الحكومة من العسكريين وكسبنا حزب الأمة (كان يرأسه الصادق المهدي) وكل قوى المجلس المركزي ما عدا حزب المؤتمر السوداني وحزب البعث والتجمع الاتحادي الذي ليس مهما في وجود الحزب الاتحادي قيادة المرغني معنا” وتابع “ستكون حكومة كفاءات مستقلة غير حزبية ولكن بترشيح منا لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي نتمسك به ونريده أن لا يخرج”.
بالمقابل قال الدكتور محمد حسن مهدي الأمين السياسي لحزب الأمة القومي لـ”القدس العربي” إن “موقفنا واضح من اليوم الأول أن الذي حدث هو انقلاب وقلنا اننا سنقاومه وحزبنا سيعقد اجتماعا اليوم السبت لتحديد موقفه من خارطة التحالفات السياسية وما تقوله مجموعة الميثاق، نحن نسعى لتوسعة قاعدة الحوار السياسي ونرفض إقصاء أي قوى سياسية لما له من تأثير سالب على مجمل الأوضاع”.
ويقول القيادي في الحرية والتغيير محمد حسن عربي والي شمال دارفور السابق لـ”القدس العربي”: “شروطنا واضحة بالعودة لما قبل 25 أكتوبر ويعود رئيس الوزراء وحكومته وفق مصفوفة زمنية تبدأ بتقييم الحكومة تقييما دقيقا وموضوعيا ومن ثم اتخاذ القرار حولها ومن ثم تشكيل المجلس التشريعي وبقية هياكل الحكم والمفوضيات” وتابع “مع أن هذه العودة خاسرة بمقياس الشارع لانها ستعيد  البرهان وهو الذي يرفضه الثوار (المتظاهرون) في شعاراتهم وهم عامل أساسي وحاسم ونحن غير متوافقين بشكل كامل متكامل مع رؤية مبعوث الأمم المتحدة فولكر بيرتس ومع كثيرين ينظرون للوضع على انها أزمة تحتاج إلى حلول ونحن نراها معركة لاكمال مدنية الدولة بقيادة مدنية للسلطة والحكومة” وزاد “نحن واعين لشروط المجتمع الدولي بحتمية الشراكة ما بين العسكريين والمدنيين لكن ليس شراكة المدنيين مع برهان”.
وبعيدا عن كل هذه الرؤى وجه تجمع المهنيين ولجان المقاومة دعوات لمواكب تنشيطية في مدن العاصمة الخرطوم لرفض ما سموه الانقلاب وفض الشراكة بشكل كامل مع العسكريين وقيام سلطة وحكومة مدنية ويتوقع بحسب متابعات “القدس العربي” أن تبلغ هذه التظاهرات ذروتها في موكب ضخم يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر.
ويبقى الأفضل لتحويل النقمة إلى منفعة هو اتفاق سياسي جديد يقود لترتيبات دستورية جديدة وتعديلات على هياكل الحكم ومستويات الحكم وحكومة كفاءات مهنية مستقلة وحصر القوى الحزبية في المجلس التشريعي .
والطريق لهذا الاتفاق السياسي الجديد يبدأ برفع حالة الطوارئ وعودة مجلس السيادة للعمل وان يتقدم جميع الأعضاء باستقالاتهم كما يعود رئيس الوزراء لممارسة مهامه وان يتقدم الوزراء باستقالاتهم ليدعو بعدها رئيسي المجلسين ورئيس بعثة يونتامس وبمشاركة أصدقاء السودان بالدعوة إلى مائدة مستديرة أو مؤتمر لكل القوى السياسية مهما كان موقفها ودون إقصاء، لتجتمع في مؤتمر يمكن أن يعقد في الخرطوم أو مدينة جوبا، مع عدم اغراق الاجتماع بالواجهات السياسية لكل حزب على حدة ليجيب المؤتمرون على سؤال: هل قيادة المدنيين للسلطة تتم الآن في خلال الفترة الانتقالية، ومن هي هذه الشخصية أم يتسلم المدنيون السلطة وفق نتائج الانتخابات العامة، وحسم قضايا إصلاح وهيكلة المؤسسات العسكرية والقوات النظامية وماهي الخطوط العريضة لتفاصيل هذه الهيكلة ومن هي الجهة المسؤولة عنها؟ ليتم النص عليها بعبارات واضحة وليست حمالة أوجه كما كان في الوثيقة الدستورية والاتفاق على رؤساء وشكل مؤسسات الانتخابات من مفوضية وإحصاء سكانية ومحكمة دستورية ومجلس عالي للقضاء والنيابة، والنظر في المبادئ فوق الدستورية وملامح مشروع الدستور النهائي، وحسم تبعية جهاز المخابرات والشرطة، وكلها قضايا كان حولها نقاش كبير في تاريخ السودان البعيد أو القريب في فترة الانتقال الحالية ما يمكن أن يقود لاتفاق جديد بمؤسسات جديدة وهياكل دستورية يمكن أن تتمخض لفك الاشتباك بين المدنيين والعسكريين في المسائل الأمنية التي يمكن حصرها في مجلس الأمن والدفاع أو مجلس للمصالح الوطنية العليا والمجلس التشريعي المؤقت وواجباتها حيال القضايا الجدلية مثل العلاقة مع إسرائيل والقواعد العسكرية والمحكمة الجنائية الدولية يكون عقدا ملزما بين رئيس الوزراء عبدالله حمدوك والعسكريين لقيادة البلاد بحكومة كفاءات مستقلة ببرنامج محدد يعالج الاقتصاد ويكمل السلام ويقود للانتخابات فقط لا غير.
ويجعل عقد هذا المؤتمر التأسيسي في جوبا الباب مفتوحا لمشاركة عبد العزيز الحلو وعبد الواحد نور أبرز قادة المعارضة الذين لم يوقعوا على اتفاق السلام الأخير حتى تضمن خطوط مواقفهم العريضة بشكل مباشر أو غير مباشر  قبيل توقيع اتفاق السلام معهم ويضمن وجودهم في الانتخابات العامة بعد الفترة التأسيسية .

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية