الطوطولوجيّة والفانتاستيكيّة

حجم الخط
2

كتابة القصة القصيرة هي محاولة في مقاومة الجمود والإحساس باليأس. كتابة القصة القصيرة سفر في عوالمَ حالمة من التكثيف، واختطاف لحظات هاربة من الزمن. تعد القصة القصيرة، في هذا المستوى، يافطة فنية تسحر القارئ بفضاءاتها وشخوصها وأزمانها المتخيلة. فلعبتها تتسربل في رؤيتها الفنية لذاتها ولعوالمها القرمزية الفاتنة. عند قراءتها تتذوق طعمها اللذيذ، فتتفتح للقارئ أبوابها الموصدة؛ لأنها من الأدب ومن نظرية الأدب.
في نظرية الأدب، حسب أوستن وارين ورينه ويليك، تستعمل القصة القصيرة اللغة كمادة تعبيرية تأملية، كما يستعمل الرسم والموسيقى والنحت. غير أن اللغة لها خصوصية تتفرد بها عن باقي المواد الأخرى، فاللغة حمالة تراث ثقافي وأيديولوجي ومعرفي، اللغة حسام أمضاه الزمن، وخلدها في بطون الكتب والأسفار. من حيث المبنى والمعنى، لغة القصة القصيرة تختلف عن اللغة اليومية المتداولة. لغة فنية تبتكر الصور وتقف عند حدود التأمل؛ لتمكن القارئ من أخذ نفس في العبور نحو التأويل. تختبر المخيلة وتـُزَوبع الخيال، فيجعل الكاتب من القارئ وسيلة على رقعة شطرنجية، يدافع عن مملكته بواسطة الزاد المعرفي والثقافي الذي بحوزته، أي بحوزة القارئ.
في القصة القصيرة متعة وصفية، حيث إنها تتشكل من وصف وسرد، فالسرد يجيء معه الوصف، بينما الوصف لا يقبل السرد، شريطة أن يكون ذلك بمعزل عن الزمن. فهذا الأخير، وفي خوارزميته، يقبل التتابع والتتالي، لذا كان الوصف دائما يبطئ من عجلة دوران السرد، على أساس أن يفسح الكاتب للقارئ كوة ضيقة لتأمل الأحداث.
هذه فسحة للتأمل ذات طبيعة فلسفية، فهذا هو الخيط الرفيع الذي يعقد بين السرد الأدبي والفلسفة. إن التأمل يتطلب استحضار الصورة السردية بأركانها المعروفة، فيرتفع القارئ إلى مستوى الكائن الرمزي، ومن ثم إلى الكائن الأدبي. سرد القصة يجعل الأحداث تتداخل وتتوالى على غرار قصص غي موباسان، أو أنطوان تشيخوف، هذا البناء ينعقد من أجل الحبكة، وما تنفتح فيه أسارير العقدة، التي نسجها الكاتب بوهن شديد. غير أن سنة التطور غيرت معها تضاريس القصة القصيرة؛ لتجتاح هذه المعايير والمقاسات في الأدب العالمي برمته.

الفانتاستيك لعبة لغوية، ومفارقة على مستوى التصوير، الذي يسكن السرد، من خلال التوتر والتشويه والمسخ. في الأدب المغربي يعلو القاص سعيد بوكرامي بهذا الضرب من الكتابة الفانتاستيكية، حيث يصبح التوتر، من خلال مجموعته القصصية «تقشير البطل»، سيد الأحداث الواردة في الديوان.

فإدغار ألان بو أدخل ما يسمى بالأدب الفانتاستيكي- العجائبي، حيث بدأنا نقرأ المفارق والغريب في السرد والوصف معا. من تشيخوف وحياة البؤس والفقر إلى العالمية بواسطة القصص، التي كان يكتبها لكبريات الصحف العالمية والروسية بالخصوص؛ ما مكنه من أن يعيل أسرته بفعل الإفلاس الذي لحق تشيخوف الأب.
الفانتاستيك لعبة لغوية، ومفارقة على مستوى التصوير، الذي يسكن السرد، من خلال التوتر والتشويه والمسخ. في الأدب المغربي يعلو القاص سعيد بوكرامي بهذا الضرب من الكتابة الفانتاستيكية، حيث يصبح التوتر، من خلال مجموعته القصصية «تقشير البطل»، سيد الأحداث الواردة في الديوان. فالبلاغة اللغوية تساهم في تفجير الأحداث، انطلاقا من البيان الساحر بمفردات يختارها بوكرامي بكل عناية وبكل دقة. ففي قصة «تقشير البطل»، بات حضور الفانتاستيك قويا، بفعل اختيار أفضية الحكي، فكان السيرك المكان الشعبي، الذي تتفاعل فيه الأحداث وتتناسل، وجعل من المرأة الإسبانية؛ صاحبة العنق الرخامي الأبيض، تعلن عن انتهاء الأوراق، التي تسمح بالدخول إلى السيرك، وبالتالي حضور العرض. وفي سبيل ذلك، تبدو خيمة السيرك، بالنسبة للكاتب، كبطن الخيمة التي تبتلع الزوار. في الأصل يطل الفانتاستيك القصصي على الدوال اللغوية، من حيث إنها وظائف دلالية تساهم في إغناء الحبكة القصصية، انطلاقا من الدال الطوطولوجي التكراري إلى حدود التشويه، الذي يطال جميع مكونات العملية السردية.
غير أن الارتباط بالواقع كان الحلم الذي يطمح إليه الفانتاستيك، ولا يتأتى له ذلك إلا بفعل التراسل الكامن وراء الوظيفة الأيديولوجية، التي يسخرها الفانتاستيك من أجل حمل الرسالة إلى القارئ. فتقشير البطل هو تقشير للكائن البشري، الذي تعرض لعوامل التعرية بفعل الظروف الاجتماعية، التي لا تكف عن بعث الدهشة والخوف والحزن والألم في شرايين النص السردي.
يجرنا الحديث عن السرد القصصي إلى ضفاف أخرى غير فانتاستيكية، بما هي ضفاف ناعمة ونائمة من الذات في أماكن قصية لا يصلها إلا الخبير بعوالم القص المدهشة. ولم تكن القاصات المغربيات سوى اللبنة التي أثثت المشهد الثقافي المغربي، ورصعته بالسُّعود المضيئة، أمثال ليلى أبو زيد، ورفيقة الطبيعة، وربيعة ريحان، ورجاء الطالبي، وخديجة مروازي، ومليكة مستظرف، وفاتحة مرشيد، وذلك على سبيل الذكر لا الحصر. فأغنت الساحة الثقافية بمجاميع قصصية، وبروايات تشيّد القصي، الذي لم تصله أقلام الرجال. أو يطأن بحكيهن أراضي ملغومة بقنابل تهز الأرض من تحت أرجل الكتاب، الذين هيمنوا لعقود، على المشهد الثقافي المغربي.

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول نجمة:

    هل هناك مفردات مطابقة للعنوان باللغة العربية ؟

  2. يقول قلم الرصاص:

    حديث مقالك عن القصة القصيرة قصة اخرى توقظ الشوق اليها

    تحياتي

اشترك في قائمتنا البريدية