العدم وتمظهراته الوجودية في الوعي عند سارتر

حجم الخط
2

هذا العالم لا يقول شيئا، نحن الذين نقول ونضع المعايير والافتراضات المسبقة، لنجعل هذا العالم يتكلم من خلال التفاعل معه بالشعور والتجربة. أما الذي نعرفه من حقائق عامة ومسلمات بديهية في الحواس هو نتيجة لقانون موحد تشترك فيه جميع عقولنا، وليس خاصية جوهرية في الأشياء، لأن العالم الموضوعي يبقى مجرد فرضية لمداركنا الحسية. يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: «أن تكون إنسانا يعني أن تكون في هذا العالم». إن الكينونة التي يعبر عنها هايدغر في كتابه «الكينونة والزمان» هي صيرورة تشير إلى الوجود الإنساني في العالم، وهذه الكينونة تكون محددة كحضور من قبل الزمن. وهي التي تمس نمط الحياة في الفكر والسلوك واللغة والعمل، وغيرها من مظاهر النشاط البشري. بناء عليه لا يكون الوجود وجودا حيا إلا بتفاعل الإنسان مع هذا الوجود بذاته الواعية، وأحواله الشعورية المختلفة، بحيث يكون هذا العالم مجالا للاهتمام الإنساني، ووفقا للمنهج الظاهراتي، فالإنسان يدرك العالم المعطى له إدراكا أوليا في خبراته واهتماماته المباشرة، والإدراك هنا ليس منطقيا أو علميا بالكامل، فالعاطفة أيضا تلعب دورا كبيرا في تفسير العالم ومحاولة فهمه. وهذا ما يميز الفلسفة الوجودية عن غيرها من المذاهب الفلسفية، في اهتمامها المطلق بالفرد وأحاسيسه الظاهرة أو الباطنة، فلولا تلك الأحاسيس لا يتمثل العالم في وعينا، ولا يمكن أن نستخلص منه أي قيمة أو ماهية.

الوجود والعدم

يعتبر كتاب «الوجود والعدم» أو الكينونة والعدم الذي ألّفه سارتر عام 1943 القاعدة التي تستند إليها الوجودية بصيغتها النهائية، أو كما يطلق عليه البعض «إنجيل الوجودية». أعاد سارتر هنا إحياء الفيلسوف الفرنسي ديكارت بالكوجيتو الشهير: «أنا أفكر إذن أنا موجود» لذلك كانت نقطة انطلاق سارتر من تلك الذاتية في إدراكها المباشر للشعور وهو يعي ذاته، وكل نظرية تبدأ بالإنسان خارج وعيه لذاته هي نظرية غير حقيقية. نستطيع أن نرى تأثر سارتر بثلاثة فلاسفة؛ وهما نيتشه في مقولته «موت الإله وإحلال الإنسان صانع القيم محله، والثاني فرويد في إقصائه للعقل واعتماده على اللاشعور كمحرك لجميع دوافع ورغبات الإنسان، والثالث هو هوسرل في منهجه الظاهراتي؛ وهذا المنهج هو الذي انبثقت منه وجودية هايدغر، التي سيعيد هيكلتها سارتر في كتابه الوجود والعدم. حول ظاهرة الوجود، ووجود الظاهرة يقول سارتر في كتابه الوجود والعدم، «إن الظهور لا يستند إلى أي وجود مختلف عنه: إن له وجوده الخاص. والموجود الذي نلتقي به هو إذن وجود الظهور. هل الوجود نفسه ظهور؟ يبدو ذلك في أول الأمر. إن الظاهرة هي ما يظهر، والوجود يتجلى للجميع على نحو ما، لأننا نستطيع أن نتحدث عنه ونفهمه على نحو ما. والوجود سينكشف لنا بوسيلة لبلوغه مباشرة: الملل، الغثيان، إلخ، وعلم الوجود (الأنطولوجيا) سيكون وصف ظاهرة الوجود كما تتجلى، أي دون وسيط».

ثنائية الوجود والعدم في الشعور

يرى سارتر أن العدم ليس الافتقار إلى الوجود، بل هو مرتبط بالوجود بعلاقة ثنائية وتبادلية، فالشعور يوجد كشعور بواسطة جعل العدم يقوم بينه وبين الموضوع الذي هو شعور به، وبهذا الإعدام يوجد الشعور. فأن يعدم هو أن يغلف بغلاف من عدم.
بعبارة أخرى يمكننا أن نتناول تلك الفكرة بصيغة أكثر تبسيطا للقارئ، فالعدم المقصود ليس العدم المحض أو المجرد، وحتى الوجود ليس الوجود الشامل برمته، فسارتر يسلط الضوء على مفهوم العدم بوصفه ظاهرة وجودية فردية، ترتبط بالفكر والأحاسيس الأولية عند الفرد، والعدم يظهر عند وجود الإنسان في هذا العالم، والإنسان هو الوحيد الذي يدرك العدم بوعيه وكينونته، وبناء عليه لا ينفصل العدم عن حياتنا الذاتية، بل هو مرتبط ومرادف لوجودنا، والوجود هو الأصل في الإحساس بالعدم، بانعدام العدم لا يوجد الموجود، والعدم هو وليد الوجود ومتشابك معه في واقعنا اليومي وكينونتنا. ومن هنا فالعدم هو كل إمكانية متحققة في الوجود، لكن وجودها ليس ماديا ولا ملموسا وتشمل: الغياب/ النفي/ الزمن الفردي عند الإنسان بين الماضي والمستقبل، كل هذه المفاهيم يمكن تناولها كظواهر للعدم تؤثر في الوجود وتتفاعل معه في الحاضر.

الوجود والوعي

يصنف سارتر الوجود إلى ثلاثة أنواع:
الوجود في ذاته: وهو الوجود غير الواعي للأشياء في العالم الموضوعي والمادي ويكون متسما بالسكون.
الوجود لذاته: وهو وجود في حالة فعل وحركة عن طريق تفاعل الإنسان مع العالم بوعيه الذي يتجه إلى الأشياء ويكشف عنها.
الوجود للغير: وهو الوجود الذاتي المرتبط بوجود ذوات أخرى واعية تتبادل الوعي في ما بينها فتعرف الذات نفسها من خلال الآخرين، وهنا يصبح اكتشافنا لصميم الذات هو اكتشاف للآخر، فحسب سارتر كل منا يحمل في داخله الأنا والأنا الآخر. فالوجود للغير هو الشعور، لكن منظورا إليه من حيث علاقته بالشعور الآخر… وكل وجود للغير يتضمن نزاعا وصراعا مع الوجود للذات، فكل وجود للذات يسعى إلى استرداد وجوده الخاص، بجعل الآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة موضوعا بالنسبة إلى الأنا، أو الذات.
تكون الأنا في علاقتها مع الذوات الأخرى علاقة بالقوة أو التراضي عن طريق التماثل، الذي يكون من حيث الخصائص الثقافية والاجتماعية والفكرية، أو بعض السمات الفردية، ويكون هذا الشكل إيجابيا في علاقة الأنا مع الآخر، ويحدث نتيجة لتجاوز الانغلاق الذاتي والانفتاح على الغير عن طريق الصداقة، أو عن طريق الاختلاف الذي يعتبر أن كل غريب عدو له عندما يكون مختلفا بتلك الصفات السابقة، وهذا هو الشكل السلبي لعلاقة الأنا مع الآخر ويحدث نتيجة لانغلاق الذات على ذاتها، وعادة ما يتجسد بالنفور أو العداوة.

تجليات العدم في الوعي الإنساني

يقسم سارتر في كتابه الوجود والعدم الوعي إلى نوعين:
الوعي المنعكس أو الارتدادي، وهو يخص الوجود في ذاته عندما يتجه الوعي إلى شيء في العالم الخارجي كغاية، وهذا الوعي لا يشوبه التفكير ولا الانعكاسات الفلسفية، بحيث لا يكون في الوعي سوى هذا الشيء المراد تحقيقه أو التوجه إليه. كذهابي للمكتبة لشراء كتاب معين، فلا يكون في وعيي سوى هذا الكتاب، وكل شيء يخص هذا الكتاب، فالوعي هنا لا يشمل الأنا، وإنما الشيء الذي ينطلق إليه الوعي بشكل كلي. وهناك النوع الثاني من الوعي؛ وهو الوعي غير المنعكس، وهذا الوعي هو الذي يعي نفسه والأشياء، ويجعلنا نكتشف النفس أو الأنا في تفاعلها واشتباكها مع الأشياء، وتلك المنطقة تكون عفوية تأتي إليها الأفكار وتذهب حسب إرادتها ورغبتها، وليس حسب إرادتنا. إن هذه الأنا يوجد فيها نوع من الحرية، لكنها ليست حرية ثابتة وإنما مهزوزة، والتأمل بتلك الحرية والإحساس بها سيصيبنا بالقلق، بسبب محاولتنا الدائمة في السيطرة على تلك الأفكار التي تأتينا رغما عنا، وفي حال فشلنا في السيطرة على تلك الأفكار سنصاب بالأمراض النفسية والعصابية، فكل هذه الأفكار تأتي من هذه المنطقة التي تسمى بالأنا؛ مركز الوعي المنعكس. يتحدث سارتر عن الإدراكات داخل نطاق تفكيرنا، ويرى أنها لا تحصل بطريقة متزامنة في اللحظة نفسها، فالشخص الذي يدرك موضوعا واحدا سيختفي الآخر من تلقاء نفسه، وإن الوعي في اتجاهه نحو الموضوع المقصود سيتخذ شكل الصورة، ويصبح هو الأساس ويظهر للوجود، وما دونه من المواضيع ستكون شبه متلاشية أو معدومة.
فمثلا لو أردت الذهاب إلى مقهى للبحث عن صديق، فإن الوعي سيتوجه إلى ذلك الموضوع المقصود، فيتبدى أمامك بأنه الوجود بأكمله وما دونه من أشياء ومواضيع ستبدأ بالتلاشي فتسقط في العدم. عن الظاهراتية الوجودية للعدم يقول سارتر في الكتاب نفسه: «إن المقهى بذاته، هو وما فيه من زبائن وضوضاء ومقاعد ومرايا وجو مليء بالدخان، كلها ظواهر ممتلئة بالوجود، حتى الصديق الذي يوجد في مكان آخر فإنه مليء بالوجود أيضا، لكن ينبغي أن نلاحظ أنه في الإدراك يوجد دائما تكوين لشكل أو صورة على أساس…. فكل شيء يتوقف على اتجاه انتباهي، فحين أدخل هذا المقهى للبحث عن الصديق، يحدث تنظيم تركيبي لكل الأشياء في المقهى كأساس يتوجب فيه على الصديق أن يظهر موجودا، وكل الأشياء في المقهى تسعى كي تنعزل وتسقط في عدم». بهذه الطريقة يبين لنا سارتر أن الوعي قادر على خلق ظاهرتي الوجود والعدم في حياتنا اليومية وضمن نطاق إدراكاتنا وتفكيرنا.

الزمن والعدم

عندما نبحث عن شخص معين ولا نجده، فهو في هذه الحالة عدم في صورة حقيقة؛ عدم وجود الصديق هو حدث وقع أمامي، كذلك بالنسبة إلى الإنسان فإن ماضيه غير موجود، لكنه حقيقي، وبما أن الإنسان هو كائن يهرب إلى المستقبل نتيجة انفصاله عن ماضيه وتاريخه، سيجعل وجوده واقع بين عدمين، الماضي والمستقبل. إن الإنسان ينفصل دائما عن نفسه في كل لحظة، ويصبح عدما في الماضي، لذلك فهو مشروع غير متحقق، لأن الحاضر دائما متلاشٍ، فالحاضر لا يمكن الاستحواذ عليه، لأنه في اللحظة التي نحاول فيها الاستيلاء عليه يكون قد ولّى، وبالتالي لا توجد نقطة ارتكاز للتوجه نحو المستقبل، رغم أن الإنسان دائم الهروب والتلاشي في كينونته الزمنية، إلا أن حضوره أبدي في العالم، لذلك فالحل عند سارتر أن الوجود هو العمل، وبالعمل وحده يصنع الإنسان نفسه. إن الحياة خاوية ولا معنى لها خارج الوجود الإنساني، والحياة كما يشير سارتر تفقد كل معنى في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان مصيره المحتوم بالموت والفناء.

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    تحياتي للكاتب…كتاب سارتر الوجود والعدم؛ رغم محاولته رسم سيناريو للإنسان وللوجود الإنسانيّ؛ لكن ينقصه أهمّ
    شيء في هذا { الوجود }: السّلام النفسيّ للنفس مع ذاتها؛ والسّلام النفسيّ للنفس مع نفوس الآخرين؛ أثناء التفاعل.
    فما جدوى هذا الوجود الفلسفيّ المزعوم من دون سلام بين الأشياء.من جهة أخرى؛ كيف يكون الماضي حقيقيًا؛
    وبالوقت نفسه غير موجود؟ وفق العبارة: ( كذلك بالنسبة إلى الإنسان فإن ماضيه غير موجود؛ لكنه حقيقي )؟ نعم الإنسان ميّال إلى المستقبل؛ لكن هذا النزوع لا يلغي ماضيه ولا تاريخه بمزاجه الخاصّ…لأنّ ذلك الماضيّ التاريخيّ؛ مغروس في كينونة الشعور واللاشعور البشريّ لكلّ فرد في هذه الحياة…وبذلك العدم افتراض والوجود فرض.

  2. يقول محمد علي:

    كلام الدكتور جمال صحيح..لأن المادة لا تفنى بموجب قانون الفيزياء.والانسان مادة تقوم على الروح.لهذا موت الانسان تحول من شيء إلى آخر وفق قانون الكيمياء.ربما ما قاله
    سارتر مناسب للمزاج الغربي الذي لا يؤمن
    بغير الملموس بالعين وباليد قبل العقل.

اشترك في قائمتنا البريدية