العراق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬انتفاضة‮»‬‭ ‬البصرة‭ ‬والحكومة‭ ‬‮«‬العميلة‮»‬

5 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

يقدم‭ ‬فتح‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬النار‭ ‬الحيّ‭ ‬على‭ ‬متظاهري‭ ‬البصرة‭ ‬وقتل‭ ‬ثمانية‭ ‬منهم‭ ‬وجرح‭ ‬العشرات‭ ‬فيما‭ ‬ترتفع‭ ‬مزادات‭ ‬وصفقات‭ ‬وألعاب‭ ‬تشكيل‭ ‬‮«‬الكتلة‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ستحظى‭ ‬بتشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬مشهداً‭ ‬فاضحاً‭ ‬عن‭ ‬حال‭ ‬العراق‭: ‬مدينة‭ ‬تعوم‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬ولكنّها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬إفقار‭ ‬مهول‭ ‬وتهميش‭ ‬ترافقه‭ ‬أزمة‭ ‬صحية‭ ‬متفاقمة‭ ‬بسبب‭ ‬تلوث‭ ‬المياه‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لوقوع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬حالة‭ ‬تسمم،‭ ‬فيما‭ ‬يتقاتل‭ ‬كبار‭ ‬الساسة‭ ‬الذين‭ ‬دمّروا‭ ‬العراق‭ ‬ونهبوه‭ ‬وحوّلوه‭ ‬إلى‭ ‬مستعمرة‭ ‬أمريكية‭  ‬ـ‭  ‬إيرانية‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬سدّة‭ ‬السلطة‭ ‬ليتابعوا‭ ‬مراكمة‭ ‬الدمار‭ ‬والنهب‭ ‬والتبعية‭ ‬للأجنبي‭.‬

تمثّل‭ ‬البصرة‭ ‬نموذجاً‭ ‬كاشفاً‭ ‬لهذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬فإلى‭ ‬غناها‭ ‬‮«‬الافتراضي‮»‬‭ ‬فإنها‭ ‬المنفذ‭ ‬المائي‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تاريخها‭ ‬يحفل‭ ‬بأسماء‭ ‬الشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬العراق‭ ‬الحديث‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬الانقلابات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأيديولوجية،‭ ‬ومنها‭ ‬آل‭ ‬النقيب‭ ‬والرشيد‭ ‬والسعدون،‭ ‬وقد‭ ‬تعرضت‭ ‬المحافظة‭ ‬لانتقام‭ ‬كبير‭ ‬بعد‭ ‬امتداد‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الاحتلال‭ ‬لمظاهرها‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والأمنية‭ ‬عبر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬135‭ ‬مؤسسة‭ ‬ومدرسة‭ ‬ومركز‭ ‬برعاية‭ ‬ميليشيات‭ ‬وأحزاب‭ ‬تابعة‭ ‬لطهران،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬عناصر‭ ‬الميليشيات‭ ‬يتصرفون‭ ‬كجنود‭ ‬احتلال‭ ‬يستشرسون‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬المتظاهرين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية،‭ ‬وصارت‭ ‬الفارسية‭ ‬لغة‭ ‬السادة‭ ‬المنتصرين‭ ‬فيما‭ ‬صارت‭ ‬شوارعها‭ ‬تحمل‭ ‬صور‭ ‬وأسماء‭ ‬الملالي‭.‬

هذا‭ ‬المآل‭ ‬المؤسف‭ ‬للبصرة‭ ‬هو‭ ‬إذن‭ ‬كاشف‭ ‬كبير‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الجاري‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ (‬والعكس‭ ‬صحيح‭)‬،‭ ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬الحاصل‭ ‬حاليا‭ ‬يجري‭ ‬عمليّاً‭ ‬بين‭ ‬كتلتين‭ ‬كبريين‭ ‬شيعيتين،‭ ‬يحضر‭ ‬فيهما‭ ‬الأكراد‭ ‬والسنة‭ ‬وباقي‭ ‬الحركات‭ ‬السياسية‭ ‬الصغرى‭ ‬كتكملة‭ ‬عدد‭ ‬ضرورية،‭ ‬فإن‭ ‬شخصية‭ ‬مثل‭ ‬هادي‭ ‬العامري‭ ‬زعيم‭ ‬‮«‬تحالف‭ ‬الفتح‮»‬،‭ ‬المتحالف‭ ‬مع‭ ‬تكتل‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬السابق‭ ‬نوري‭ ‬المالكي،‭ ‬لا‭ ‬يستنكف،‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تهبّ‭ ‬رياح‭ ‬المناصب‭ ‬تجاه‭ ‬سفينته،‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ (‬أي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشكلها‭ ‬طهران‭ ‬عمليّا‭) ‬هي‭ ‬‮«‬حكومة‭ ‬عميلة‮»‬‭ ‬مهددا‭ ‬بإسقاطها‭ (‬أي‭ ‬بإسقاط‭ ‬إيران‭ ‬لها‭) ‬خلال‭ ‬شهرين‭.‬

من‭ ‬المؤسف‭ ‬كثيراً‭ ‬أن‭ ‬يُختصر‭ ‬العراق،‭ ‬أحد‭ ‬أولى‭ ‬الحواضر‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكبرى،‭ ‬والذي‭ ‬بدأ‭ ‬أول‭ ‬أشكال‭ ‬الحضارة‭ ‬والثقافة‭ ‬على‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المخجل‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬وإلى‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬الكبير‭ ‬ضد‭ ‬مواطنيه‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ (‬وقبلها‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬والفلوجة‭ ‬والرمادي‭ ‬والنجف‭ ‬وسامراء‭ ‬وكركوك‭ ‬الخ‭…)‬،‭ ‬وإلى‭ ‬هذا‭ ‬الفساد‭ ‬الهائل‭ (‬أو‭ ‬اللصوصية‭ ‬المكشوفة‭) ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬أسفل‭ ‬قائمة‭ ‬دول‭ ‬العالم‭.‬

وكي‭ ‬لا‭ ‬نكتفي‭ ‬بالمناحة‭ ‬على‭ ‬‮«‬أرض‭ ‬السواد‮»‬،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نستجمع‭ ‬بعض‭ ‬النقاط‭ ‬المفيدة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليها،‭ ‬ومنها‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبيّ‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬الظلم،‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬الرايات‭ ‬الشيعية‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬قتل‭ ‬المتظاهرين‭ ‬والتبعية‭ ‬المذلة‭ ‬للخارج‭ ‬فقد‭ ‬شهدنا‭ ‬وجهاً‭ ‬آخر‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬حيث‭ ‬رفع‭ ‬بعض‭ ‬المتظاهرين‭ ‬راية‭ ‬الحسين‭ (‬في‭ ‬محافظة‭ ‬كانت‭ ‬سنّية‭ ‬بغالبيتها‭ ‬أو‭ ‬مختلطة‭ ‬طائفيا‭) ‬كتعبير‭ ‬عن‭ ‬رفض‭ ‬الظلم‭ ‬وكل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬وما‭ ‬يمثّله‭ ‬من‭ ‬افتقاد‭ ‬للأمن‭ ‬والتنمية‭ ‬والسيادة‭ ‬والكرامة‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬الأساسية‭ ‬المتنازعة،‭ ‬والتي‭ ‬تمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬عنف‭ ‬وسلاحا‭ ‬وسطوة،‭ ‬مضطرة‭ ‬لمراعاة‭ ‬نتائج‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬ولإنتاج‭ ‬حلول‭ ‬وسط،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬يتجرأ،‭ ‬ولو‭ ‬لفظا‭ (‬كما‭ ‬فعل‭ ‬مواطنو‭ ‬البصرة‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬أولياء‭ ‬أمورهم‮»‬‭ ‬السياسيين‭) ‬على‭ ‬‮«‬أولياء‭ ‬أمر‮»‬‭ ‬العراق‭ ‬الخارجيين‭.‬

ما‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬محنة‭ ‬العراق‭ ‬هو‭ ‬منجز‭ ‬تاريخي‭ ‬طويل‭ ‬تتشارك‭ ‬فيها‭ ‬نضالات‭ ‬المظلومين‭ ‬وطموح‭ ‬نخب‭ ‬سياسية‭ ‬أفضل‭ ‬مع‭ ‬تغيّر‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭… ‬وإن‭ ‬الصبح‭ ‬لناظره‭ ‬لقريب‭.‬

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية