العرض العالمي الأول في أوبرا تونس صياغة تونسية جديدة لأوبرا «كارمن» لجورج بيزي

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يعرض مسرح أوبرا تونس بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة هذه الأيام مسرحية “كارمن” الغنائية الراقصة التي أخرجها وصمم الكوريغرافيا المتعلقة بها المخرج التونسي سفيان أبو لقرع. ويقدم “كارمن” باليه الأوبرا التونسي ومجموعته الصوتية صحبة الأوركسترا السيمفوني التونسي، ويضم العرض 120 عنصرا من بينهم 11 مغنيا، ويُقدم بالشراكة مع المعهد الفرنسي والمعهد الثقافي الإيطالي بتونس.

عمل صخم

ويبدو فضاء مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة التونسية الفضاء الأمثل لهذا العرض بالنظر إلى اتساع الركح والطاقة الجماهيرية الهامة التي يمكن أن يستوعبها المسرح. بالإضافة إلى توفر هذا المسرح الحديث على تقنيات متطورة ومؤثرات صوتية وضوئية عصرية يمكنها أن تزيد العمل الفني إبهارا خصوصا إذا تعلق الأمر بأوبرا كارمن العالمية التي تعود إلى الحياة من جديد في تونس أرض الفن والثقافة والحضارة التي تشع منذ القديم في المنطقة المغاربية.
ومن أبرز المشاركين في هذا العرض الحدث، الفنان التونسي المتميز، ذو الصوت الأوبرالي العالمي، حسان الدوس بالإضافة إلى كلّ من مرام بوجبال وهيثم الحذيري وأمينة بقلوطي ونسرين مهبولي ويحيى الجزيري ووجد العكروت وزينب شريف ومحمد علي زوش وضياء الرايس وهيثم قديري وإشراق مطر. وهؤلاء هم خيرة المجموعة الصوتية لباليه الأوبرا التونسي ممن تمرسوا على الغناء الأوبرالي وأبدعوا فيه وغنوا في أكبر المسارح على غرار المسرح الأثري بالجم الذي يقام عليه مهرجان سنوي تونسي للموسيقى السيمفونية تشارك فيه أهم الفرق العالمية في هذا الصنف الموسيقي.
أما فيما يتعلق بالرقص، فقد شارك في العرض كل من هدى الرياحي وأميمة المناعي ووائل مرغني، وعبد المنعم خميس وحازم الشابي وهشام الشبلي وسيرين قلعي ورنيم الكافي. بالإضافة إلى كل من عمر عباس وبايا بوزكرو وصابرينا زهري وفاطمة بلطي وعبد القادر الدريهلي وحمدي الطرابلسي وخلود بن عبد الله وقيس الحرباوي وحسام الدين عاشوري.

إشادة تاريخية

والعرض هو النسخة التونسية لأوبرا “كارمن” العالمي الذي يعتبر واحدا من أشهر أعمال الفنان الفرنسي الشهير جورج بيزي وهو مؤلف موسيقى وعازف على البيانو من حقبة الرومانسية. والقصة التي تم على أساسها تأليف أوبرا كارمن، موسيقى وغناء ورقصا، هي رائعة أدبية، أو رواية إبداعية بتعبير أدق، تحمل الاسم ذاته، وهي من تأليف الكاتب الفرنسي بروسبير مريمي وتعود تحديدا إلى سنة 1846.
لقد تم الانتهاء من تأليف أوبرا كارمن، التي ضمت أربعة فصول واحتوت على اثنين من أشهر الأغاني لبيزي وهما “الهافاني” (رقصة كوبية) و”مصارع الثيران” (أغنية) سنة 1874 وتم عرضها لأول مرة سنة 1875 بأوبرا كوميك بباريس، ونالت أعجاب الجماهير والمختصين على حد سواء. ومن بين الملحنين الموسيقيين الكبار الذين حضروا العروض الأولى لكارمن ولقرابة العشرين مرة، ديبوسي وسان سانس وتشايكوفسكي وبرامز، الذين اعتبروا كارمن أفضل أوبرا أنتجت بعد الحرب الفرنسية الروسية.

شيطان بشري

والأوبرا عموما هي قصة رومانسية بطلها جندي من إقليم الباسك الإسباني يدعى دون خوسيه عشق امرأة غجرية تدعى كارمن متمردة على القيم والقوانين ومتقلبة العواطف ولا تستقر على حال، وحولته من جندي منضبط يقوم بحفظ النظام، إلى مارق ومتمرد خارج على القانون ومطلوب لدى العدالة. لقد قبض دون خوسيه على كارمن عندما ضربت زميلة لها بالسكين وشوهت وجهها لكنها أوقعته في شراكها فأخلى سبيلها مقابل أن تدخل معه في علاقة غرامية كانت السبب في طرده من الشرطة بعد أن أفنى وقته مع كارمن المتسكعة المنحرفة الخارجة على القانون على حساب عمله.
لكن كارمن، هذا الشيطان المجسد في هيئة بشر، ترغب في التخلص من دون خوسيه رغم كل تضحياته معها وذلك للارتماء في أحضان مصارع ثيران تعرفت عليه لاحقا وأغرمت به. فتثور ثائرة الشرطي المعزول من مهنته ويقوم بطعن كارمن في صدرها بسكين طعنة قاتلة عقابا لها على الخيانة وذلك قبل ملاقاتها لعشيقها الجديد الذي يخوض مباراة ضد ثور مسكين سينتهي به المطاف جثة هامدة تماما مثل كارمن وذلك وسط هتافات الجماهير.

خصوصية تونسية

لقد تولى سفيان أبو لقرع سابقا تصميم العديد من الرقصات لأوبرا باريس، وباليه أوبرا مدينة ليون الفرنسية وغيره، وكان التحدي بالنسبة له هذه المرة هو نقل قصة كارمن الفتاة الغجرية “البوهيمية” المتمردة العاطفية اللعوب التي تعيش بدون قيود، وذلك في سياق تونسي يتماشى مع الواقع. فقام بمزج المؤثرات الشرقية والغربية معا، بالإضافة إلى الرموز التقليدية مع الرموز المعاصرة، وكذا اللغتين الفرنسية والإيطالية. كما قام أيضًا بدمج المغنين والمغنيات مع الراقصين والراقصات وخلق حيوية استثنائية لأوبرا كارمن في نسخته التونسية وباتت له خصوصيته التي تميزه عن أوبرا كارمن في نسخته الغربية.
لقد تناغم الأوركسترا السيمفوني التونسي بقيادة فادي بن عثمان وإلياس البلاقي، بشكل كبير مع عذوبة أصوات المغنين، ومن بينهم الفنانة مرام بوهلال في دور كارمن، والفنان حسان الدوس في دور دون خوسيه. وبالنهاية وظف المغنون والراقصون المنتمون إلى أوبرا تونس موهبتهم وطاقتهم أفضل توظيف في هذا الإنتاج، الذي احترم العمل الأصلي لبيزي وفي نفس الوقت أعطى لأوبرا كارمن في نسخته التونسية بعدًا جديدًا.
وفي هذا الإطار تؤكد الإعلامية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي لمياء الشريف في حديثها لـ”القدس العربي” على أن العرض التونسي لأوبرا كارمن حافظ على الأجزاء الأربعة للنسخة الأصلية لكارمن المستوحاة من القصة الشهيرة في الأدب الفرنسي المشار إليها. كما حافظ العرض التونسي، حسب الشريف، على الإطار الزماني والمكاني لأحداث القصة، فالأمر يتعلق بإشبيلية الإسبانية في أوائل القرن التاسع عشر.
وتضيف محدثتنا قائلة: “لقد برزت الأمانة في الاقتباس أيضا من خلال الأحداث التي عالجت مسألة العاطفة المدمرة التي جمعت بين كارمن الغجرية المغرية والمتمردة على القيم، ودون خوسيه، الجندي الذي تخلى عن واجبه وخطيبته ليتبعها ويخسر بالنهاية كل شيء. لقد ملت كارمن بسرعة من دون خوسيه وفضلت مصارع الثيران إسكاميلو على الجندي المعزول، وبجنون الحب والغيرة، يقتل دون خوسيه كارمن أمام الساحة نفسها التي ينتصر فيها إسكاميلو مصارع الثيران ويطعنها بسكين طعنة مميتة.
وللإشارة فإن الإبداع الجديد لأوبرا “كارمن” هو ثمرة تعاون بين المعهد الفرنسي بتونس والمعهد الثقافي الإيطالي وأوبرا تونس والأوركسترا السيمفونية التونسية ووزارة الشؤون الثقافية. وبالتالي فإن أوبرا تونس والأوركسترا السيمفوني التونسي أثبتا احترافية عالية في أوبرا كارمن وهي غير مستغربة بالنظر إلى الأسماء المتمرسة التي يضمها كلاهما والمشهود لهم بالكفاءة عالميا. ولعل ما يؤكد ذلك هو أن أوبرا كارمن في نسخته التونسية سيقوم بجولة دولية في عدة دول في العالم وذلك بعض إتمام العرضين المخصصين لتونس.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية