الغوبلان: روايات ساحرة وأوسمة على صدر جدار

14 - أكتوبر - 2021

عالم من السحر والأساطير حوَّل الجدران العارية، إلى لوحات جمالية حيكت بفن وإبداع، وعكست بألوانها مفردات التاريخ الاجتماعي على جدران قصر دو لا روش-غيون Château de La Roche-Guyon في فرنسا. كانت الجولة السياحية تستهدف هذا القصر التاريخي في إيل دو فرانس Île-de-France، في صورته المهيبة على ضفاف الجزء العلوي من نهر السين. هو في الأصل قلعة قديمة تتكئ على جرف طبشوري منذ العصور الوسطى، لتنتهي بقصر في رحلة تاريخية عبر الزمن، بحيث واجه هذا القصر الأنماط المعمارية بتنوع وأناقة من خلال عملية تحوّل وتطوير على مرّ العصور.
لكن ما أريد الحديث عنه اليوم، لوحات جدارية زينت صالون هذا القصر البديع، وأصابتني بالدهشة عندما اقتربت منها، فهي مُحاكة بخيوط لا تدركها العين إلا عن قرب، ناعمة كالحرير، واضحة المعالم، صادقة في السرد، لدرجة تمنح العين إيحاء بأنها لوحة مرسومة نظرا لدقتها وغُرزها الكثيرة المرصوصة بطريقة مُحكمة وثابتة. ليتبين انها ممهورة بإمضاء تاريخي من صناعة غوبلان manufacture des Gobelins.
وكأن الفيلسوف أفلاطون يقصدهم حين قال: «لا تطلب سرعة العمل، بل تجويده، لأن الناس لا يسألونك في كم فرغت منه بل ينظرون إلى إتقانه وجودة صنعه». فوجدتني أتتبع خطى هذه الأعمال حتى قلب باريس، حيث غاليري غوبلان يحتضن معرضا بعنوان «قصور نابليون المختفية» بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لوفاة نابليون، ويستمر من 15 سبتمبر/أيلول 2021 إلى 15 يناير/كانون الثاني 2022.
ازدان هذا المعرض بروعة زخارف لثلاثة قصور إمبراطورية اختفت: التويلري وسانت كلاود وميودون (les Tuileries, Saint-Cloud et Meudon) احترقت بين عامي 1870-1871 خلال الحرب الفرنسية الإلمانية والكومونة، فكانت هذه القطع الفنية من أثاث وجداريات مُحاكة محمية قبل النزاع، لتعود وتجتمع في هذا المكان كإعادة إحياء لهذه القصور المختفية. فيعود بنا هذا العرض قرنين من الزمن إلى الوراء، ليكشف عن إبداع الفنانين والحرفيين في القرن التاسع عشر، وهو المسرح العظيم لامبراطورية بين عالمين، توليفة مدهشة بين النظام الملكي القديم وفرنسا الجديدة.

تاريخ الغوبلان

يعتبر الغوبلان أحد أقدم أساليب إبداع فن النسيج، فقد وجدت أقدم قطعة حسب روايات مؤرخي الفن، في القرن السادس عشر قبل الميلاد، وكان منتشراً في العديد من بقاع العالم، أوروبا، مصر، بابل، الصين وبيرو..
التسمية تنسب إلى مصانع ما تزال قائمة إلى اليوم، تأسست عام 1662 في إحدى ضواحي باريس لأسرة صباغين باريسيين من القرن الخامس عشر اشتهرت باسم آل غوبلان Gobelin Les لتوفير احتياجات الأسرة المالكة الفرنسية حصراً، من السجاد الجداري وفُرُش المقاعد، وفق رسوم فنية يرسمها مشاهير الفنانين، حتى طغى الاسم على المنسوجات كلها التي تنتجها مصانع منافسة في فرنسا وأوروبا، فأنتج المصنع على مدى السنين مجموعات شهيرة من السجاد الجداري الفاخر، والفُرُش والمشغولات المعدنية الرفيعة المستوى.
وكان نسيج الغوبلان ينسج على أنوال يدوية خاصة، بمعنى أنها كانت منسوجة قطعة قطعة ثم تُخيط بخيوط حريرية رفيعة، ما يجعلها تبدو وكأنها قطعة واحدة. فنالت شرف وضعها كوسام على صدر الجدران، وفي أبرز الأماكن والفراغات في صالونات القصور والكنائس، مانحة الفراغ قيمة استثنائية تضجّ بمعان ثقافية وتاريخية، فكل قطعة منها شغلت بأيدي حرفيين مهرة، وغرزت خيوطها بإتقان وصبر، فباتت كتابا مفتوحا على حد تعبير كارل ماركس «تاريخ الصناعة هو كتاب مفتوح لقدرات الإنسان».
وإذا عدنا لتاريخ نابليون لا نجده محبا أو داعما للحرفيين، لكنه كان يدرك جيدا الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لتأثيث المساكن الإمبراطورية «البيوت الملكية» فأراد الجمع بين العمارة والفنون الجميلة، والفنون الزخرفية «لإنهاء الثورة» ونقل رسالة نظام وعظمة، بالإضافة إلى الرغبة في خلق بيئة مرموقة له ولحاشيته. فكانت عبارة عن خطة سياسية واقتصادية: إيلاء الفنانين والحرفيين وعمال المصانع الأهمية لتهدئة المجتمع من الاضطرابات الثورية مع تعزيز الصناعة الفرنسية ضد منافسيها الأوروبيين.

أهمية هذه الصناعات فنيا

صحيح أن غوبلان اشتهر بأنه المصنع الملكي الذي يزود بلاط الملوك الفرنسيين منذ لويس الرابع عشر، وهو الآن يُدار من قبل الإدارة العامة للخبراء الوطنيين والمُصنّعين الوطنيين في وزارة الثقافة الفرنسية، المسؤولة عن أثاث القصور الرسمية للجمهورية.. لكن يبقى لهذا النسيج من الصوف والقطن أو الحرير وخيوط الذهب بريقا فنيا لا يندثر.
استغرق الفنانون في صنع هذه الأعمال عمرا بأكمله، وهناك نماذج معروضة في حجرات العرض في الغاليري، تعكس صفحات من التاريخ والأساطير القديمة، وتعدّ بمثابة وثائق تراثية للمجتمع، بالإضافة لكونها متنفسا جماليا للمتذوق، فالأجسام متميزة إلى حد مذهل، والتفاصيل متخيلة تخيلاً كاملاً، بالإضافة إلى قطع عملاقة من الغوبلان تعكس الطبيعة بكل مفردات الجمال الطبيعي فيها، بتفاصيلها البديعة. كل هذا بخيوط ملونة نسجتها في صبر وأناة أيادي صناع تحت عيون مجهدة بالصبر والدقة والتقنية العالية، بالإضافة إلى قسم الترميم الذي يعرض نماذج منه على الزائرين للدلالة على المحافظة على هذا الإرث الفني.
يعتبر فن المنسوجات الجدارية من الفنون الأصيلة التي تعكس عراقة الأمم وثقافتها، وما زال السجاد المخيط يدويا إرثا فنيا نادرا يتباهى به أصحابه، فهم نسجوا من خلاله مختلف الأفكار والروايات التي كانت نتاج ثقافة الحضارات القديمة، الزاخرة بمختلف أطياف الجمال والإبداع. روايات تحكي حكاية حب أو جمال طبيعي، أو معارك تطغى فيها الألوان الأرجوانية ذات الرونق التاريخي، وكأنها تطل بقوة على المكان والزمان.
ربما يتساءل قارئ ما الهدف من هذا المقال اليوم بزمن التكنولوجيا والرقميات والإنتاج السريع؟ ربما هو إضاءة سريعة على ثقافة فنون النسجيات، وهو أحد الفنون النوعية المتخصصة وغير التقليدية، وهي جديرة بالبحث والتحليل والكشف عن مكامن الجمال فيها، والوقوف على المفردات والمبادئ والمفاهيم الفكرية والتقنية، التي ترتكز عليها كلغة للتعبير الفني التقني، أو ربما كشغف طفولي قديم يعود لاهتمامات والدي بالنسيج والحنين إلى زمن يديه العاملة بصبر وحرفية، والاهتمام بنشر الثقافة الجمالية والبصرية في هذا العالم الفني.

أكاديمية وتشكيلية لبنانية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • بلي محمد المملكة المغربية

    حبات ادا سمح لنا المنبر وكدالك الكاتبة الباحثة المحترمة نحن مازلنا نقول ومن فوق هد االمنبر المتواضع ان التشكيل بطن واسع من الداخل لاحدود لانهاية سيظل يفاجئ العشاق والممارسين بالجديد المحير الشيء الدي يجعل اللسان والقلم والريشة الكل يقف وقفة أعجاب وعجز عن الوصف صحيح التشكيل ليس له وجه واحد وجوه عدة وغزى كل شيء وله في القصور القديمة وجود


إشترك في قائمتنا البريدية