الفنان الحاضر عبدالله السعداوي

حجم الخط
0

جاء بقدر ملحوظ من الفوضى العارمة، إلى مكان مسرحي، بالكاد يأخذ أنفاسه الجديدة، كان مناخ المسرح في البحرين يرتب أدواته ويؤثث خطواته الاولى منذ سبعينيات القرن العشرين، كانت المؤسسات المسرحية تخطو خطواتها الأولى، ويكاد ينشأ قسم خاص بالمسرح لدى الجهات الرسمية، بعد أن شعرت، المؤسسة الرسمية، أن حراكاً مسرحيا بدأ يستيقظ مدججاً برؤيا اجتماعية تقدمية.
جاء السعداوي بفوضاه الملحوظة، التي حسبها الكثيرون فوضى من شأنها أن تفسد الواقع المسرحي في البحرين، وعندما، ظن الكثيرون ان عبدالله السعداوي، بفوضاه غير الواعية، وأطروحاته ذات الفلسفة المسرحية الغامضة، يمكن أن يعوّق حركتنا المسرحية، خرج، السعداوي، عن الفرق المسرحية المعروفة، ليؤسس مع مجموعة من الشباب، الذي آمن بأطروحات السعداوي، فرقة جديدة ليجد فيها حريته الكاملة ليقول ويحقق صنيعه الفني.

٭ ٭ ٭

نسي الكثيرون أن سديم الفوضى التي جاء بها السعداوي، والتي احاطت بحركته، هي ذاتها فوضى السديم الذي يتخلّق منها الكون المسرحي الجديد. لقد كان السعداوي يريد إطلاق التجريب في الفن المسرحي، وهو تجريب يحاكي احلام شباب المسرح الذي بدأ يتكون في أطراف الحركة المسرحية في البحرين.
وكان عبدالله السعداوي يرى في التجريب فلسفةً تتصل، ايديولوجياً، بما يعيد النظر الجذري، ليس في الفن المسرحي فقط، لكن في حقول الحياة قاطبة. فقد حرّض السعداوي فتيته على البنية التقليدية في المجتمع، فسوف يتمرد الشباب، المؤمن بأطروحات السعداوي، على الروابط العائلية التقليدية، وعندما اختلف بعضهم مع السعداوي سوف نسمع عما كان يدور، من احتدامات، داخل البوتقة التي يعمل فيها السعداوي على تشغيل رؤياه الفكرية، من غير أن يحول ذلك دون تفجر الرؤى المسرحية الجديدة، متمثلة في عروض مسرحية لافتة. فقد نجح السعداوي في جلب العديد من الفتيان الذين اخذوا يتعرفون على التمثيل، وقد لاحظنا أن البعض منهم، بعد دورهم التمثيلي الاول، سرعان ما ينتقل إلى الاخراج المسرحي مباشرة، وكان السعداوي يشجعهم على ذلك ويأخذ بيدهم إليه، وهو القادم، بخبرته، ج من تجربة غنية في دولة الإمارات العربية المتحدة. ومثلما عاد المرحوم (محمد عواد) من تجربته في قطر، جاء السعداوي من الإمارات مشحوناً برغبة العمل في حقل المسرح، وظني أنه جاء في اللحظة التأسيسية المناسبة في المسرح البحريني.

٭ ٭ ٭

كان عبدالله السعداوي يقرأ كثيراً، ويصقل موهبته ويحرّض فتيان المسرح على القراءة. وظني انه استطاع، مع عدد من فناني فرقة «الصواري» أن يرفدوا المسرح بأعمال بالغة التجريبية، بحماس منقطع النظر، وكنا ندخل ظلام ما يقترحونه من عروض بقدر لا بأس به من الغموض. لنكتشف لاحقاً أنهم يريدون قول الفن الذي يتردد فيه قوله الآخرون.

٭ ٭ ٭

حقق عرض «الرهائن» الذي كنت قد أعددتُها عن مسرحية اللبناني (عصام محفوظ) في «نادي مدينة عيسى» وعندما رأيته في افتتاح معرض (وجوه) في رجل المخطوطات الجالس الذي أخرجه «عبدالله يوسف» رأيت فيه ما تخيلت فعلاً. وكان يتناوب معه مرحومٌ آخر هو الصديق الفنان «منير سيف».
وربما كان عبدالله السعداوي من بين متألقي عرض (وجوه) أيضاً. لم يكن الفنان السعداوي يتوقف كثيرا امام دوره في العرض، كما يفعل الآخرون. التمثيل هو المهم عنده. ليس مهما قصر الدور او طول المشهد. فقد كان تواضع السعداوي جزءاً من شخصيته الانسانية والفنية.

٭ ٭ ٭

مثل رسام، عندما ينتهي من اللوحة، يبتعد عنها قليلاً، ليعرف اين تحتاج اللمسة الأخيرة. عبدالله السعداوي، بعد ان اكتمل دوره في المشهد المسرحي. ابتعد عبدالله السعداوي لكي يرى المشهد عن بعد، لكنه ابتعد كثيراً في السنوات الاخيرة، ابتعد كثيراً وطويلا.
ثم غادَرنا مثل حلم لا يكاد ينتهي. لذلك سوف ننتظر من أقرانه، الذين لا يزالون يسمونه (الاستاذ) ان يتقدموا من المشهد ليكملوا درس (استاذهم) ففي هذا اخلاصٌ واجب، من التلاميذ.

شاعر بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية