الفيلسوف ذاهب إلى السينما

«السينما هي الشكل الحديث للفلسفة»
ما الذي يحدث الآن؟ ما هو هذا الحاضر الذي نعيش فيه؟ ومتى يعود العصر الذهبي للفن والفلسفة؟ وما العمل بهذه التفاهة الفائضة؟ وما موقع الفيلسوف في هذا العصر التافه؟
إذا كنت أرغب في ممارسة فلسفة غير فلسفة الفلاسفة، معناه أن أتسلل إلى تلك القاعات السينمائية المعتمة، وأتأمل الصور بعين الروح لمعرفة ما إذا كانت السينما مرغوبا فيها أم لا؟ وما إذا كانت الفلسفة تعيش قدرها الحزين، حتى إذا اختفت في السينما، هذه الحقيقة التي تعلن عن أن الفلسفة مهددة بالزوال، ولذلك فإن أملها الوحيد في البقاء هو الفن، فنحن لا نعيش نهاية الفلسفة، بقدر ما نعيش نهاية الفن أيضا، ولعل هذا هو المعنى العميق لاقتراب نهاية الإنسان.
جاء في خاتمة كتاب «الكلمات والأشياء» لفوكو: «الإنسان ليس أقدم مشكلة ولا أثبتها من بين المشاكل التي واجهتها المعرفة البشرية، الإنسان اختراع تظهر أركيولوجيا فكرنا تاريخه القريب، ولربما تظهر كذلك نهايته القريبة». إنه مجرد حبة رمل على الشاطئ يتلاعب بها البحر، فإذا كان ممكنا تحديد تاريخ ميلاد الإنسان مع ظهور العلوم الإنسانية التي جعلت الإنسان موضوعا للمعرفة، فإنه من الممكن التنبؤ بنهاية الإنسان بعد نهاية العلوم الإنسانية، لقد كان الأمل معقودا على الفن من قبل فلاسفة ما بعد الحداثة، لكن كلما تم تضييق الخناق عليه في أعماقه، فقد ماهيته كإنسان، وتبخرت في جحيم التقنية، وقد حاولت السينما استغلال التقنية لجعل الإنسان يكتشف ذاته في الفن، بيد أن وجوده اختفى قبل هذا الاكتشاف، وقد تنبأت السينما السريالية بتراجيديا الإنسانية، طالما أن العلوم الإنسانية مهددة بالاغتراب في عالم التقنية، طالما أن الإنسان مهدد بالاستلاب، وممارسة غواية الحرب، فبمجرد ما أضحت قاعدة، والسلم استثناء، مات إنسان نيتشه، لأن هذا الإنسان الراقي لم يبشر بقدوم عالم جديد، بل بقدوم عالم مهدد بالزوال، وليس عيبا أن تقرع أجراس السينما هذا الخطر الذي يتهدد الأرض والسماء كما فعلت الفلسفة منذ هيغل وهي تعلن عن نهايتها، وترك مكانها للفكر، فلسفة بالمعنى الهايدغري للكلمة.

ثمة على وجه الاحتمال إمكانية للحوار بين الفلسفة والسينما قبل هذه النهاية المرتقبة، ولربما كانت هذه هي المهمة الموكولة للنقد الآن، واستعمال كلمة «ربما» معناه غياب هذا النقد الفلسفي وحضور ذلك أن النقد الأدبي النمطي، الذي يحكي المحكي. ولم تعد السينما مستقلة فقط عن الفلسفة، بل منفصلة انفصالا مطلقا. والحال أن اختفاء الفلسفة في اللحظة ذاتها التي كنا نقول بأن السينما والفلسفة مولعان ببعضهما بعضا، يعني باقتراب هذه النهاية، لقد حصل ما يشبه الصدمة في العمق، ونزول جديد للفن في مستنقع التفاهة نزولا كان من نتائجه السلبية نفور الناس وعدم تلبيتهم للنداء، ولذلك ينبغي صياغة السؤال الماركسي صياغة حديثة: ما العمل الآن؟
الكتابة الفلسفية عن السينما صراع واغتراب، والمتعة الوحيدة قابعة في الروح، مثل رائحة العطر، لا يهمني أن أصل إلى القارئ، ما دمت أكتب ما أحلم به، وكان فوكو رائعا حين قال: «حلمت بأن يوما سيأتي أعرفه فيه مسبقا ما أريد قوله بحيث لا يبقى عليّ سوى التفوه به، وكان هذا من ارتكاسات التقدم في السن. لقد تخيلت أنني بلغت أخيرا السن الذي لا يبقى على الفيلسوف فيه سوى أن ينشر ما في داخل رأسه». أن ترسم الكلمات كما يرسم الرسام لوحته معناه أن تنظر إلى الحياة السعيدة دون أن تترك الأهواء البائسة للجسد تستسلم للألم، وتقول مع أفلاطون: «ليست هناك نفس تريد عمدا أن تحرم من الحقيقة» وفي أغلب حالات البحث عن الحقيقة يتسلل اليأس إلى الروح حينئذ تتدخل الفلسفة وتقول لك لكي تصبح فيلسوفا، ينبغي أن لا تيأس من جعل الحقيقة هدفك، لأنها هدف كل الفلاسفة.
عيب على الكاتب ألا يطمح إلى أن يصبح الناطق باسم الروح ويفر من رذائله، وهو ممكن، بينما يحاول الفرار من رذائل الآخرين وهو غير ممكن، فالكتابة كما للكمال، خاصة إذا كانت تتوجه نحو الفن بواسطة التأملات الفلسفية، لأن من لا يعيش فن الحياة يستحيل عليه أن يكتب عن الفن، الكتابة قصيدة بلا عنوان، والسينما مطلعها، ولذلك تريد أن تنمو على حضن الغمام كشاعر متجول في العالم.

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية