الكاتب البسيط الذي حقق شهرة عالمية: نارايان… مؤسس الأدب الهندي الحديث

يعتبر نارايان رائد الرواية الهندية الحديثة المكتوبة باللغة الإنكليزية. يحتل رفقة طاغور مكانًا متميزًا في الساحة الأدبية الهندية، كما أن له شهرة عالمية، حيث تتم قراءة أعماله في جميع أنحاء العالم. فإذا كان طاغور يجسد الأدب الكلاسيكي، فإن نارايان هو بالفعل واحد من رواد الأدب والكتابة الهندية الحديثة. يكتب عادة قصصا وروايات تمتزج فيها الواقعية بالحس الرومانسي. يتطرق نارايان في رواياته إلى الهند الحقيقية، والحياة اليومية عن طريق السرد والحكاية. يصور الكاتب الهند الأدبية الجديدة عبر تقاليد رومانسية خالية من ديكتاتورية الواقع، التي من المغري أن تقرب القارئ من المفهوم الهندي لحقيقة الوهم. ولعل هذا ما يجعل نارايان كاتباً عظيماً، وأحد أعظم الكتاب في الهند وغيرها.
ر. ك. نارايان (اسمه الحقيقي راسيبورام كريشناسوامي ناراياناسوامي) وُلد سنة 1907 في مدراس. تنتمي عائلته إلى طبقة براهمان، وهي الطبقة التي تهيمن على الحياة العامة والخدمة الحكومية والتعليم. عمل والده مدرسا في المدرسة العامة، ما كان يحتم عليه الانتقال بانتظام الى أماكن جديدة وبعيدة. نتيجة لذلك، نشأ نارايان على يد أفراد آخرين من عائلته. ففي عام 1910، ذهب نارايان إلى منزل جدته في مدراس، مع عدد قليل من الأشخاص من بينهم اثنان من أعمامه. كانت جدته مترجمة جيدة للأبراج، وصانعة قوية لا تتردد في تقديم المشورة لجيرانها في القضايا الدينية والفلكية، حيث سهرت على تعليمه الأبجدية التاميلية وكلاسيكيات الأدب الهندي. في عام 1913، التحق نارايان بالمدرسة الابتدائية اللوثرية، حيث تعلم التحدث والقراءة باللغة الإنكليزية. سيصبح في وقت لاحق قارئا متعطشا للأدب الإنكليزي. فقد تعلق كثيرا بمجموعة من الكتاب المرموقين مثل تشارلز ديكنز، توماس هاردي، والتر سكوت، شكسبير ومجموعة من شعراء المدرسة الرومانسية.
كان نارايان يعود خلال العطل الصيفية إلى العيش مع أسرته في القرى النائية، لذلك كان يستحضرها دائما في أعماله، وكانت جزءًا من القصص التي يرويها في رواياته. خلال تواجده في هذه الأمكنة، استطاع أن يرى والديه ويستمتع بأخوته وأخواته، 6 أشقاء وشقيقتين. عندما أصبح والده مديراً لمدرسة مهراجا الثانوية في ميسور، انتقل نارايان إلى هذه المدينة إلى الأبد، من أجل أن يصبح تلميذاً في هذه المدرسة، وسرعان ما وقع في حب جمال هذه المدينة التي تحدها الجبال. في ذلك الوقت، كان نارايان تلميذًا متوسط ​​المستوى إلى حد ما، كما اعترف نفسه بذلك في مذكراته.
في عام 1925، بعد إكماله الدراسة في المدرسة الثانوية، سيتعذر على نارايان الالتحاق بالجامعة، ليستغل وقت فراغه في التهام المجلات الأدبية الإنكليزية والأمريكية، ويبدأ في كتابة بعض القصص التي أرسلها الى بعض الناشرين في لندن، لكن من دون جدوى، فقد تم رفضها. في عام 1926، سيجتاز امتحان القبول ويدرس بعد ذلك في جامعة مهراجا في ميسور، الفترة التي يصفها في روايته «الموجز في الأدب». كان ناريان طالبا متوسط المستوى​​. كان يقضي معظم وقته في أحلام اليقظة، حيث كان معجبا بالمنظر الرائع للمناظر الطبيعية التي كان يتأملها من خلال نافذة فصله. لذلك، استغرق الأمر خمس سنوات بدلا من أربع ليتخرج من الجامعة.
حصل نارايان على شهادته الجامعية في العلوم الإنسانية سنة 1930. بفضل جهود والده، سيحصل على وظيفة تدريس في شيناباتنا. كانت تجربة قصيرة للغاية وكارثية دفعته أكثر من أي وقت مضى إلى أن يصبح كاتباً. بعد عدة وظائف غريبة، عمل نارايان مراسلا لصحيفة «The Justice»، وهي صحيفة مدرسية، حيث خصص كتاباته لقضايا القتل. في عام 1935، نشر نارايان كتابه الأول تحت عنوان «سوامي والأصدقاء» (سوامي وأصدقاؤه)، وهو وصف خيالي لطفولته. وجد بعد ذلك صعوبات في نشر أعماله، لكن سيتجاوز هذه العقبة بفضل الكاتب البريطاني غراهام غرين، الذي سرعان ما أصبح معجبًا بمخطوطاته، الذي أوصى به لناشر في لندن. رغم مدح النقاد لأعماله، إلا أن المبيعات كانت سيئة للغاية. ولكن بفضل توصيات غرين، أعطاه ناشر جديد فرصة أخرى.

كرس نارايان حياته لرسم لوحة جدارية يومية للهند، بالتركيز على الطبقات الفقيرة والبائسة. كان يصف الطبقات الوسطى أو المثقفين بالخبث، وكانت شخصياته تتميز بالحنان والكثير من الفكاهة.

توفي والد نارايان في عام 1937، الشيء الذي أزم وضعيته المالية. سيجد نارايان بعد ذلك وظيفة تتضمن السفر عبر ولاية ميسور، لكتابة كتاب سياحي للحكومة المحلية. بالانتقال من شاطئ البحر إلى قمم الجبال، كان يزور المعابد والغابة وينتبه بشدة للأساطير التي كان السكان يتحدثون عنها. سيطبع هذا الكتاب، لكن العقود التي وقّعها لهذه الوظيفة ضاعت منه، وبالتالي لم يحصل على المال. في عام 1939، تحدث مأساة في حياته، فبعد سنوات من الزواج السعيد، توفيت زوجته. كان نارايان منزعجا جدا من هذه المأساة (التي يصفها في سيرته الذاتية «مدرس اللغة الإنكليزية»)، الشيء الذي سيدفعه الى الاهتمام بالروحانية أكثر من الكتابة.
بعد أن أصبح نارايان ناشرًا لمجلته الأدبية الخاصة «الفكر الهندوسي»، سينشر روايته «مدرس اللغة الإنكليزية» في عام 1944، ليستأنف بذلك مهنته في الكتابة. استمر لسنوات في كتابة الروايات والقصص القصيرة بهدف أكثر أهمية من رواياته الأولى. يضع نارايان شخصياته في مدينة مالغودي، وهي نسخة خيالية من ميسور، حيث يبحث في الصراعات الداخلية لأبطاله العاديين، الذين ينتمون عمومًا إلى الطبقة الوسطى. كان نارايان يستخدم أسلوبًا غير مباشر ويميل عادة إلى الأسلوب الذي كان رائجًا في ذلك الوقت في إنكلترا المعروف «بتيار الوعي» (أسلوب اخترعته فرجينيا وولف). سيصبح نارايان شيئًا فشيئًا كاتبا معروفا في جميع أنحاء العالم، واستطاع الفوز بعدد كبير من القراء المخلصين. في عام 1956، تزوجت ابنته هيما وتركته وحيدا. منذ ذلك اليوم، بدأ نارايان بالسفر إلى الخارج، وقضى فترات طويلة في نيويورك. نشر مذكراته ورواياته التي يحكي فيها قصة رحلته، لكنه سيتوقف بعد ذلك عن نشر أعماله، ليكرس نفسه لمشاريع أخرى؛ مثل السيرة الذاتية، مقالات وتعديلات لقصائد ملحمية هندية كرامايانا وماهاباراتا. في عام 1982، تمت ترقيته إلى عضو فخري في الأكاديمية الأمريكية لمعهد الفنون والآداب. وفي عام 1992، تم نشر أحدث أعماله، وهي قصة قصيرة تسمى حكاية الجدة. في 13 مايو/أيار 2001، توفي ر. ك. نارايان بسبب متاعب في القلب والأوعية الدموية في مدراس، المدينة التي ولد فيها.
كرس نارايان حياته لرسم لوحة جدارية يومية للهند، بالتركيز على الطبقات الفقيرة والبائسة. كان يصف الطبقات الوسطى أو المثقفين بالخبث، وكانت شخصياته تتميز بالحنان والكثير من الفكاهة. في الحقيقة، تكمن عظمة نارايان من خلال قدرته على بناء قصص بسيطة وتحريك شخصيات مؤثرة. عندما يفتح القارئ إحدى رواياته، سيكون من الصعب عليه إغلاق الكتاب قبل الوصول الى النهاية. تعتبر روايات نارايان وقصصه القصيرة مرآة للحياة الهندية. من خلال البحث عن هوية شخصياته الرئيسية، التي تم استخلاص نماذجها بوضوح من الطبقة الوسطى، يروي المؤلف قصة «المسيرة القسرية» لبلاده نحو الحداثة، والاضطرابات الحتمية في الأدب وطرق التفكير في العالم. يجسد محاسبوها وبائعو السكر والرسامون والمرشدون، على سبيل المثال لا الحصر، موضوعات التغيير الاجتماعي وانعدام الأمن الناجم عن التغيير. في الواقع، ربما كان من أكبر مزايا نارايان أنه كان قادرًا على خلق شخصيات عالمية، بدون أن يبتعد عن حقائق الهند العميقة. كما تميزت كتاباته بالانتقال المستمر بين الجغرافيا والواقع الخيالي، وبين التقليد الشرقي للحكاية والرواية الغربية، وكوميديا ​​الأدب والنقد الاجتماعي. كتب غراهام غرين عن إعجابه بنارايان قائلا: «روايات نارايان تمس الكوميديا، تذكرنا بتشيكوف ولا مثيل لها في الأدب الإنكليزي». كان نارايان قادرا على وصف أحزان الكائنات، وهي محنة يعرفها جيدا لأنه عانى الكثير في حياته.
بعد رواد البنغال، بانكيم شاندرا تشاترجي (1838- 1894)، روميش شوندر دوت (1848-1909)، كان نارايان رفقة مولك راج أناند (1905)، واحدا من الأصوات الهندية الأولى التي ذاعت شهرتها خارج الهند. بلغة إنكليزية بسيطة وصف الهند اليومية والروتينية، وحتى المضحكة قليلاً، وهي الهند التي يسكنها الهنود البائسين والأغنياء، الذين تبدو تطلعاتهم متشابهة إلى حد كبير مع تطلعات العالم الآخر. إن روايات نارايان ليست قصصا عن السحر الهندي الذي تستغله الرواية الأنجلو- هندية، ولا قصص الإحباط الرومانسي الأوروبي، ولكنها فضاء روائي نظيف ومفتوح لجميع جزر الهند الممكنة، حقيقية أو خيالية.

٭ كاتب وباحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية