محمد سعيد احجيوج: نحن نتاج ما نقرأ والإبداع الحقيقي يأتي من الحدس دون التخطيط

حوار: هدى مرمر
حجم الخط
0

«مسيو عَمران المالح، سنقدّم لك عرضا لا يمكن رفضه. مرّر رواية اليوم المقدّس إلى القائمة القصيرة وستحصل فورا على شيك بعشرين ألف فرنك، وعقد غير مسبوق لنشر روايتك الأولى». هكذا تبدأ وتنتهي رواية «أحجية إدمون عمران المالح» للكاتب المغربي محمد سعيد أحجيوج، والصادرة مؤخراً عن «دار هاشيت أنطوان/نوفل» في بيروت. والتي تستلهم شخصية الكاتب والصحافي المغربي إدمون عمران المالح (1917 ــ 2010) المعارض للصهيونية وقيام إسرائيل.
أحجيوج من مواليد العام 1982. أصدر مجموعتان قصصيتان.. أشياء تحدث 2004 وانتحار مرجأ 2006. وفي الرواية.. كافكا في طنجة وليل طنجة 2019، التي فازت بجائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة. بمناسبة روايته الثالثة كان حوارنا معه..

■ هناك أنماط سائدة عالجت ثيمة اليهودية في المغرب، هل تجد أن روايتك «أحجية إدمون عمران المالح» قد اتّبعت أم كسرت النمط؟
□ هل يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون أن أبدو مغرورا؟ سأكتفي الآن بالقول إنني أحاول قدر ما أستطيع الابتعاد عن الأنماط السائدة. حاولت، وقد لا أكون نجحت تماما، أن أكتب رواية «أحجية إدمون عمران المالح» بأسلوب مختلف، وأن أهندس بناءها بشكل متمايز لا عن الرواية المغربية وحسب، بل الرواية العربية إجمالا. لا أعرف إن كنت قد اقتربت من تحقيق تلك الدرجة من الاختلاف، ففي كلّ الأحوال يبقى من الصعب الإحاطة بكلّ الأعمال المنشورة، ولا يمكنني الجزم، شخصيا، بدرجة اتّباعي أو كسري للأنماط السائدة.

■ الرواية مقتضبة ومشعّبة بالدهاليز كأحجية. هل ترى أنّ على شكل الرواية أن يتناغم دوما مع روحها؟ أم للكاتب أن يتّبع حدثه دون تخطيط علميّ للشكل؟
□ أكيد، حتما. حين يتعامل الكاتب مع الرواية على أنها وعاء لنقل أفكاره، تكون النتيجة رواية سطحية تقريرية مباشرة مليئة بالحشو يمكن الاستعاضة عنها بمقال صحافي لا يتجاوز خمسمائة كلمة. الرواية عندي انسجام بين الشكل والمضمون. لا يمكن الفصل بينهما، ولا يفضّل أحدهما عن الآخر. طريقة كتابة الرواية هي جزء من الرواية نفسها. ليس الشكل الفني مسألة جمالية وحسب، بل هو عنصر عضوي ووظيفي يساهم في تشكل الموضوع وتحديد معناه، أو بالأحرى معانيه المحتملة. لكنّ هذا يجب أن لا يضعنا بالضرورة أمام مفترق الطرق، للاختيار بين ما إذا كان على الكاتب أن يخطَط مسبقا بطريقة علميّة لشكل الرواية، أم يترك نفسه لعفوية توالد الأحداث والشخصيات. الإبداع الحقيقي يأتي من الحدس، وليس من التخطيط المفصّل. لكنّ هذا الحدس (وأستخدم هنا كلمة «حدس» بديلا عن الدخول في مصطلحات علميّة حول التحيّزات العقلية وأنماط التفكير العقلي) مبنيّ حتما على الخبرات المتراكمة لدى الكاتب. للتبسيط، سأكتفي بمثال: شعراء القصيدة العمودية لا يكتبون قصائدهم، وعلى طاولاتهم أدوات هندسية ورياضية وقواميس لضبط بيوت القصيد، مع تفعيلة البحر المطلوب. إنما الأمر يأتي، بل يجب أن يأتي عفويا، نابعا من تراكم الخبرات، متدفقا بشكل حدسيّ. باختصار: عظمة الرواية تأتي من تناغم شكلها الخارجي مع مضمونها الداخلي.

■ يتّضح من الرواية أنّنا بصدد قراءة قارئ كبير للأدب، كيف صقلت قراءاتك، واستثمرتها كروائي؟
□ وهل يمكن الفصل بين القراءة والكتابة؟! تفتح القراءة لنا النوافذ والأبواب نحو عوالم ما كان لنا أن نصل إليها إلا عبرها. تفتح القراءة عقولنا وتشكّل وعينا وتنمّي معارفنا. القراءة انفتاح على الآخر وغوص في أعماق محيطات وسفر في مجاهل غابات وتنقّل سحري بين العوالم والأكوان. نحن إلى حدّ ما نتاج ما نقرأ. لا أعتبر نفسي قارئا «كبيرا» أو على الأقل لا أجدني قادرا على القراءة بالقدر الذي أريد. لكن كلّ ما أقرأه، أعجبني أم لم يعجبني، لا شكّ يترك أثره عليّ. خبرة أو معرفة أو مهارة جديدة. كلّ هذا سيظهر، لا محالة، بشكل أو بآخر، في ما أكتب وكيف أكتب ولمَن أكتب.

■ نقرأ في الرواية «بصفتي قارئا، أملك الحقّ في أن أكون متطلّبا وأبحث عن الجودة التي أريد». هل أنت قارئ متطلّب؟ أيّ كتابات ترضي ذائقتك؟
□ يمكنني الآن العودة باطمئنان إلى سؤال الرواية المغربية وكسر الأنماط. بصفتي كاتبا أحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من الجودة. ربما لم أنجح في ذلك، إلا أنّني بصفتي قارئا أحتفظ لنفسي بحق أن أكون متطلبا، ولا أتساهل في ذلك. يمكنني أن أقول الآن إن الرواية المغربية في مجملها لا تناسب طموحاتي كقارئ. باستثناء بعض الأعمال لكتّاب شباب بصموا عالم الرواية المغربية ببصمتهم الحديثة. مثلا خلال بحثي عن الروايات المغربية التي تتناول ثيمة اليهودية لم أجد إلا اثنتين (غالبا لصعوبات تعود للتوزيع). إحداها لكاتب شاب أظهرت روايته، رغم ضعفها، قدراته الكامنة التي تنتظر الانفجار، ورواية أخرى لكاتب كبير وشهير لم أستطع تجاوز بضع صفحات منها لتواضع سردها وسطحية أفكارها. وهذه السمات (السطحية وتواضع السرد) كثيرا ما صادفتها في الروايات المغربية والعربية، قديمها وحديثها. مع ضرورة الإشارة إلى عائق التوزيع الذي لا يسمح بإيصال كل الروايات المتميزة إلى القارئ. أنتقل إلى الشق الثاني من السؤال .. ما الكتابات التي ترضي ذائقتي؟ هنا أعود إلى سؤال شكل الرواية وروحها، للتأكيد على أهمية التناغم بين محتوى الرواية وشكلها التعبيري. إحدى سمات الروايات التي تعجبني هي هذه النقطة: التمازج بين مضمون الرواية وطريقة كتابتها. الملاحظة الأخرى، الأبرز، لديّ على الرواية العربية هي غياب الحرفيّة. ما تزال الحكاية (أو الحدوتة في قول آخر) مع اللغة الشعرية، هي أساس الروائي العربي. يركّز الكاتب على الحكاية ولا يولي اهتمامه نحو أي ضبط حرفيّ، تقنيّ، للرواية. ربما أغلب القرّاء لا يهتمون إلا بذلك، وأحيانا يرفعون من مصاف روايات متواضعة جدا، لغويا وأسلوبيا فقط لأنها تلهب مشاعرهم بحكايات ذات صلة بالأندلس الضائعة أو فلسطين السليبة.
الروايات التي تشبع ذائقتي هي الروايات التي أغوص فيها وأنسى نفسي. ليتحقّق ذلك يجب أن تكون الرواية خالية من الهفوات التقنية (أو على صعيد عكسي: خالية من الاستعراض التقني). لا أستطيع الانغماس في أحداث الرواية، إذا كانت لغتها مباشرة تقريرية، أو إذا كانت ثمة هفوات منطقية في السرد، أو ثمة أخطاء فادحة في تقنيات الكتابة.
■ كانت لديك تجارب مع دور نشر من عدّة دول عربية. ما أبرز التحدّيات المشتركة التي تواجهها الدور العربية، وكيف تنعكس تأثيراتها على الكتاب العربي؟
□ بداية .. العثرة الأكبر والعائق الأبرز أمام تطور صناعة النشر العربي هو الموزّع. شبكات التوزيع لدينا محدودة، قدراتها على الوصول إلى القرّاء شبه منعدمة، وشروطها المفروضة على الناشر مجحفة. القيمة المضافة لشبكات التوزيع محدودة، وضغطها على الناشر والمكتبات كبير، لذلك تبقى معارض الكتب المنفذ الأبرز لدور النشر العربية، وهو أمر ليس صحيا للأسف. ملاحظاتي على دور النشر العربية، باستثناء واحدة أو اثنتين، أنّها جميعها مشاريع فرديّة، سواء الحديث منها أو القديم الذي عمّر لسنوات.
أغلب دور النشر بالكاد توظف شخصا واحدا ليشرف على العمليات اللوجستية والباقي، كل المهام الباقية، تبقى في يد صاحب (أو صاحبة) دار النشر. كيف يعقل أن يقوم شخص واحد بكلّ المهام المعقّدة التي تتطلّبها عملية النشر من متابعات متواصلة لا تبدأ باستقبال المخطوطات ولا تنتهي بتسليم الكتاب إلى المطبعة؟ لكن بطبيعة الحال ما دام الوصول إلى القارئ مقيّدا بصعوبات كبيرة (سواء ما تعلّق بتحكّم الموزّعين أو قيود الجمارك العربية) فإنّ المبيعات تبقى محدودة والهامش الربحي يبقى في حدّه الأدنى، ولا يمكن الحديث عن إمكانيات النمو، وهي مشاكل تبقى، في تراكماتها، عائقا كذلك أمام حلّ التحديات الأخرى التي يعاني منها الناشر، مثل القرصنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية