اللسان واليومي: بورتريه عن «حلاق بيروت» وأهلها

يحلو لنا عند الحديث عن نتاج اللساني ومتعدد المواهب اللبناني نادر سراج، استدعاء شخصية حلاق دمشق، التي تواجدت في القرن الثامن عشر. فعلى الرغم من ظهور الشخصيتين في زمنين مختلفين، يخال لنا أحيانا ونحن نقرأ ما يكتبه سراج، أن هناك الكثير مما يجمع بينهما. ولا سيما على مستويين: العامية وظهورها في نصوص كلا الرجلين (الحلاق، سراج) والنقطة الأخرى: تجاوزهما لقواعد الحرفة التقليدية. كان البدير الحلاق، في القرن الثامن عشر، يقضي عمله في محله الصغير، أو منازل زبائنه، وفي هذه الأماكن كانت رائحة التغير الاجتماعي تفوح من كل لسان يلتق به. ولذلك لم يضيع فرصة تصوير ما يجري في مدينة دمشق آنذاك. ومع أنّ التأريخ في زمنه وزمن أسلافه، ارتبط بسلطة العلماء، إلا أنه تمكن من تجاوز هذه القواعد، هو وعدد من متصوفة وعامة المدينة. وذلك عبر طرح مفهوم آخر للتأريخ، يقوم على رصد اليومي، وبلغة تجمع بين الفصحى والعامية، بدلا من الانشغال بالماضي فحسب. ينطبق الأمر ذاته على مسار د. نادر سراج، أو لنقل بعد الآن على مسار حلاق بيروت. فحفيد هاشم الجمال، أفندي حي الغلغول في بيروت، وُلِد في الخمسينيات من القرن العشرين. في هذه الأثناء، كانت بيروت والقاهرة تعيشان على وقع أو هاجس التراث والحفاظ عليه. وهذا ما انعكس على العلاقة مع الثقافة العامة والمفردات الجديدة في الحياة اليومية، وأصبح الحديث عن حفظ اللسان والهوية النقية يشغل المثقفين.
ألّف المعجمي اللبناني حليم دموس كتابا بعنوان «قاموس العوام» 1923، يلوم فيه «الجورنلجية» الذين أدخلوا مفردات جديدة، فشكلت تهديد مباشرا للعربية الفصيحة. وخلال الخمسينيات، سنعثر على تعابير أخرى عن نبذ العامية والجديد في الكلام، لكن هذه المرة من خلال أغاني أم كلثوم. إذ كانت الست مع السنباطي يعودان للتراث وقصائد الغزل التقليدي، مثل نهج البردة وسلوا قلبي. وذهبت المؤرخة الأمريكية فرجينيا دانيلسون في كتابها «صوت مصر» إلى قراءة هذه المرحلة بوصفها جاءت كتعبير عن نزعة جماهيرية تولي للأصلي مكانة على حساب الجديد( الغربي).
سيترعرع نادر سراج في الستينيات في جو عائلي مفعم بالطقوس والكلام اليومي البيروتي، والذي سيتحول أيضا إلى شيفرة للتمايز أحيانا. وفي هذه الفترة أيضاً، بدأت بيروت تتحول إلى مركز ثقافي بديل عن القاهرة الناصرية. مع ذلك بقي للمدينة طابعها المحافظ (سيشهد تغيرات كبيرة بعيد الحرب) وهو طابع عادة ما عبر عن نفسه من خلال الطقوس والعادات والأمثال الشعبية العامية. ولذلك ستتمكن ذاكرته من اختزان كثير من هذه التفاصيل المتعلقة باليومي ولسانه.

شكّلت قصص الرشوة التي استمع إليها في أثناء عمله في مشروع اعمار بيروت، مادته الأولية، لتأليف كتابه «خطاب الرشوة». وهو الكتاب الذي جعله يقفز من عالم النظريات اللسانية إلى وسط شوارع بيروت، باحثا فيها عن عبارات وأمثال وكلام يومي يجري تبادله بين الناس حول الرشوة.

مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، عاد اللسان العامي ليطفو على السطح، بأشكال مختلفة. إذ تحول الكلام العامي إلى تخوم وحواجز رمزية تضاف لعشرات الحواجز المنتشرة في المدينة. يروي بعض ممن عاشوا تلك الفترة، أنّ بعض الميليشيات كانت تقوم بتوقيف الباصات على الحواجز في ساحة البرج، ومن ثم يظهر مقاتلان على ظهر الباص، مطالبين الركاب بإجراء اختبار بسيط، يتمثّل في لفظ كلمة بندورة. فإذا لفظها الراكب «بندورة» حينها يقرر المقاتلان أنّ الشخص فلسطيني، مما يعني توقيفه أو اعادته من حيث أتى، إن كان محظوظاً. أما إذا لفظ الراكب كلمة «بنادورة» فهذا يعني أنه من أصول لبنانية، ويسمح له بالعبور. ستبقى هذه الحادثة أو الرواية الشفوية محفورة في ذاكرة حلاق بيروت (سراج) بعد سفره إلى باريس للدراسة. إذ سيقرر وهو يتذكر هذه القصص دراسة اللسانيات الاجتماعية. كان من المشرفين على أطروحته للدكتوراه، اللساني الفرنسي دافيد كوهين، والذي سيدفع سراج إلى كتابة أطروحة حول الكلام المحكي في منطقة المصيطبة (المصطبة) في بيروت، كمحاولة لفهم العامية ودورها في خلق قواسم مشتركة بين أهالي هذه المنطقة، والتي ضمت آنذاك مسيحيين ومسلمين وبعض اليهود.

أروقة الإعمار

مع بداية الثمانينيات، عاد حلاق بيروت إلى مدينته، لكن الواقع في البلاد كان ما يزال صعبا، ولا سيما مع الاجتياح الإسرائيلي للمدينة. وهنا قرر السفر نحو اليمن للتدريس ريثما تهدأ الأمور قليلا. ومع قرب نهاية الحرب، عاد سراج ليلقي محاضرات في الجامعة اللبنانية بصيدا وبيروت. وبموازاة ذلك، كان يلتحق بعمل آخر، بدا للوهلة الأولى وكأنه عمل في واد آخر. وهو مشروع «تنظيف مدينة بيروت» ، ومن ثم في مجلس الإنماء والإعمار. وكما فعل حلاق دمشق، من خلال الانصات لقصص زبائنه وما يحيط حوله، ليكتب عن تفاصيل المدينة، قام سليله حلاق بيروت بالأمر ذاته. إذ أخذ سراج وخلال عمله المكتبي، يستمع لمناقشات ومجادلات بين الموظفين حول قصص تتعلق بالعمران والبيوت، وأيضا حول جانب آخر هام يتعلق بقصص الرشوة، والتي عادة ما تبتلى بها كل الدول النامية الخارجة من أتون الحروب. أخذ ينغمس أكثر في عوالمهم وقواميسهم. ومع بداية العشرية الأولى، قرر استعادة الكلام المحكي اليومي عن العمران والفساد، بوصفه يعكس صورة المجتمع البيروتي واللبناني عموما. وربما ما دعاه أيضا لتوظيف اللسان اليومي في فهم بيروت، شعوره بضرورة حدوث تحول في الدرس اللساني في الجامعات اللبنانية والعربية. كان هذا الدرس، وما يزال، غارقا في متابعة النظريات العامة، دون محاولة الاقتراب أكثر من لسان الناس. في حين سيرى سراج أن وظيفته الأساسية تكمن في تتبع كلام الناس، ومحاولة توظيفه لفهم اليومي والاجتماعي في بيروت.

خطاب الرشوة ولسان الشباب

شكّلت قصص الرشوة التي استمع إليها في أثناء عمله في مشروع اعمار بيروت، مادته الأولية، لتأليف كتابه «خطاب الرشوة». وهو الكتاب الذي جعله يقفز من عالم النظريات اللسانية إلى وسط شوارع بيروت، باحثا فيها عن عبارات وأمثال وكلام يومي يجري تبادله بين الناس حول الرشوة. وهي مفردات لا تعكس انتشارا للفساد الإداري فحسب، بل تُظهِرُ انخراط أوساط وشرائح واسعة في هذا الجانب اللا أخلاقي. وهذا ما عكس بعض تفاصيل بيروت بعيد الحرب. نرى ذلك مثلا في العبارات التي يجري تبادلها حيال رشوة الموظف الصغير تحت تسميات «خرجية للولاد» و»أجرة سرفيس» و»حق فنجان القهوة».

نادر سراج

بعد هذا التتبع للفساد اليومي بالمدينة من خلال لسان أهلها، ظل موضوع العمران يشغل باله أيضا. ولذلك سيلجأ مرة أخرى إلى لسان اللبنانيين، باحثا عن أجوبة عن التغيير المديني والعمراني. وهذا ما ظهر من خلال كتابه (البيت) والذي تتبع مفردتي البيت والدار في حياة اللبنانيين ولسانهم. والطريف في هذا السياق، أن مصطلح البيت لن يقتصر فقط على ما هو عمراني، بل سينزاح نحو عالم السياسة أيضا. وهو ما نراه من خلال استخدام اللبنانيين لعبارة «ابن بيت» في إشارة لأحقية أحد السياسيين في تولي منصب ما.

عونطجية بيروت

مع الانتهاء من مشروعه حول البيت، بدأ سراج بمتابعة جيل آخر من اللبنانيين، يعيش حياته ونشاطه اليومي الكثيف خارج البيت هذه المرة، أو الأماكن التقليدية. ونعني هنا فئة الشباب، والذي سيتابع لغتهم اليومية والمصطلحات الجديدة التي أخذوا يدخلونها على اللغة العربية، وهذا ما سيظهر في أكثر من كتاب. سيعبّر هذا المشروع، في تتبع اللسان اليومي، عن نفسه بشكل أكثر متعة في كتابه المغبون «العربية المحكية في لبنان».
في هذا الكتاب بدا أكثر جرأة على التعبير عن رؤيته. فالعامية، والتي نبذها معجميو لبنان والعالم العربي في بدايات القرن العشرين، وإلى يومنا هذا ربما، ليست كذلك وفقاً له، بل هي مادة مهمة تتيح لنا تتبع تفاصيل عديدة وغنية من حياة المدينة وتحولاتها. ولذلك أصبح هذه الحلاق الأكاديمي يعمل على قص أطراف بعض المقولات الصلبة، لصالح القبول والانفتاح على الموضة اللغوية الجديدة (الشببلكي). ولذلك أصبح للكلام اليومي معه مظهر آخر، فهو ليس أداة للتبادل الوظيفي فقط، بل هذه الشيفرات تتيح لنا العثور على صورتنا وذواتنا وما عاشته من تبدلات.
وبالتالي مع سراج، كان المحكي اليومي ينتصر معرفيا، وأيضا يكشف عن قدرته على اختراق مناحي الحياة اليومية وحتى السياسية. يقف في قاموسه اليومي عند كلمة أونطة/عونطة. ومنهم من اعتبر أنها آرامية من عنت: حصل على الشيء بالمكر والخديعة، ومنهم من أفتى بأنها تركية الأصل وتعني نصاب، طفيلي. وثمة توافق على أنها تنطوي أيضا على معان أخرى: دلال، غنج، وباعتبارها دخيلة، فقد أحلها المعجميون اللبنانيون في خانة «فاسدة» وأوردوا ثلاث مفردات أخرى «صحيحة» مكانها: حيلة، نصب، خدعة. لكن سيلاحظ سراج أنّ هذه الاقتراحات لن تتمكن من إيقاف استخدامها، بل نرى أنها أصبحت جزءا من مفردات عالم السياسة اللبناني على لسان رئيس المجلس النيابي نبيه بري، والذي تحدث في تجمع انتخابي في مدينة صور عن «محاولة البعض أكل الناس عونطة» في تلميح إلى محاولة تأليب الناس والضحك عليهم تحت شعارات كبيرة. وبالتالي نرى هنا العامي أكثر قدرة على فرض نفسه في الواقع من التقليدي/ الفصيح، وغدا كشيفرة تعبّر عن التغيرات السياسية .

وبالعودة للبدير الحلاق الدمشقي، فإن ما ميّز كتابه اليوميات، أنه ساهم في كسر دائرة كتابة التاريخ وربطها بالعلماء. كما أنه سعى في تأريخه للأحداث إلى تتبع تفاصيل واقعه بدلاً من الماضي. ربما ينطبق الشيء ذاته على حلاقنا البيروتي، والذي فاجئ بعض الأوساط الأكاديمية في السنوات الأخيرة مع كتابته لتاريخ مدينة بيروت.

مولود في الحرب العالمية الأولى

وبالعودة للبدير الحلاق الدمشقي، فإن ما ميّز كتابه اليوميات، أنه ساهم في كسر دائرة كتابة التاريخ وربطها بالعلماء. كما أنه سعى في تأريخه للأحداث إلى تتبع تفاصيل واقعه بدلاً من الماضي. ربما ينطبق الشيء ذاته على حلاقنا البيروتي، والذي فاجئ بعض الأوساط الأكاديمية في السنوات الأخيرة مع كتابته لتاريخ مدينة بيروت. فخلال عمله أيضا في إعمار المدينة، كان شاهدا على دمار جزء من قلب المدينة وتاريخها القديم، في ظل سياسات إعادة الإعمار. وخلال هذه الفترة أيضا، سيعلمه أحد الأقارب بوجود صندوق يضم عددا من أوراق العائلة وصورها الشخصية. أخذ سراج يقلب في هذه الصور، ويقرأ في الملاحظات واليوميات الصغيرة التي دوّنها جدهم هاشم الجمال. وسرعان ما ستذهب به هذه الصور نحو القرن التاسع عشر (العثمانيين) وحتى الثلاثينيات من القرن العشرين (زمن الفرنسيين). وهنا قرّر هذا اللساني كتابة تاريخ المدينة من خلال تتبع أسلوب الكتابة المدون في هذه اليوميات، وأيضا تتبع الكلام العامي والأمثال الشعبية في ذاك الزمن. بدت، هذه الرغبة، لبعض المؤرخين اللبناني صعبة، ونزوة معرفية، إن لم تكن مستحيلة، خاصة وأن من سيقوم بها باحث في اللسانيات، ولا بد أن يفتقد لحرفة التعامل مع الوثائق. إلا أن صدور كتاب (أفندي الغلغول) أظهر خلاف ذلك. إذ ظهر هذا اللساني مبدعاً في التجوال داخل يوميات بيروت (القرن التاسع عشر والقرن العشرين) من خلال ما يلتقطه من كلام محكي، أو مرويات شفوية، أو قصاصات صحافية تتحدث عن حوادث يومية عادية لكنها مع سراج ظهرت حوادث تحمل دلالات جديدة. ولذلك شكل كتابه هذا مفاجأة من العيار الثقيل لأولاد الكار، والذين لم يخفوا أحيانا غبطتهم، أو حسدهم مما فعله بهم هذا اللساني، ليس على صعيد الاتيان بمصادر جديدة فحسب، بل أيضا بقدرته وصبره العجيب على تتبع اليومي في الماضي العثماني وفك شيفرات صغيرة.

في كتابه الصادر حديثا «بيروت جدل الهوية والحداثة»/ أنطوان هاشيت، عاد ليعرفنا على تفاصيل أخرى عن الحياة اليومية في بيروت في الثلاثينيات والأربعينيات.
فبعد مقدمة طويلة بعض الشيء، لم ينجح حلاقنا ومحرر الدار في تهذيبها بالشكل الكافي، يقف بنا أمام مشهد ولادة أحد أخواله خلال الحرب العالمية الأولى. ومن خلال هذا المشهد والحاضرين فيه، سنتمكن من رصد تحولات الحداثة في بيروت وأهلها، على صعيد العادات، واللباس والطب والتعليم. ففي مشهد الولادة، لا نرى الداية هذه المرة، وإنما كانت الحداثة تأتي بنساء آخريات ظهرن باسم القابلة القانونية. وفي هذا المشهد أيضا، نعثر على والد الطفل الذي يعيش في الخارج، فقام خاله ببعث رسالة يعلمه بإنجاب زوجته طفلا. وما سيلفت نظر سراج هنا أنّ مضمون الرسالة بدا مختصرا للغاية، ودون مقدمات طويلة، تستخدم فيها الألقاب، كما جرى ذلك في زمن العثمانيين. وفي بحثه عن أسلوب هذه الكتابة، مقارنة بالفترة العثمانية، سنرى أنّ التلغراف يقف وراء هذا التغيير، وأنّ قدومه ترافق مع تغير طريقة كتابة الرسائل. كما أن اقتصاد اللغة التلغرافي كان ينهي بالضربة القاضية على ألقاب مثل الأفندي، ويعلن ربما عن بداية ما سماه جيمس غلفن بالسياسات الجماهيرية الجديدة التي عرفتها سوريا وما حولها في العشرينيات والثلاثينيات. في هذا المشهد أيضا نرى الأب وهو يتلقى الرسالة، مرتديا لباسا حديثا، ونرى عدة سيدات في منزل الطفلة يأتين للمباركة مرتديات أغطية جديدة. وهذا ما سيجعل سراج يبحث في تواريخ هذا اللباس وكيف تغيرت في بدايات القرن العشرين، لتتعمق أكثر مع قدوم الفرنسيين.
وربما لن يسعنا المقال للحديث أكثر عن هذا المؤلف الغني والممتع في رصد اليومي. لكن ما وجب قوله في النهاية، أنّ سراج (حلاق بيروت) استطاع من خلال صبره في تتبع التفاصيل الصغيرة، التأكيد على مهاراته وذوقه الفريد في كتابة تاريخ بيروت في القرن العشرين، وعلى جعلنا ننصت لليومي والعامي في واقعنا الحالي أو الماضي. فالكلام والكلمات هي التي تترجم العقليات، وتشي بالأمزجة، والنيات والطوايا.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    بيروت قبل سنة 1975 أجمل عاصمة عربية !
    بيروت بعد سنة 1975 أسوأ عاصمة عربية !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية