المأزق الأمريكي في التعامل مع إيران

حجم الخط
0

المأزق الأمريكي في التعامل مع إيران

محمد خليفةالمأزق الأمريكي في التعامل مع إيران قال هنري سوكولسكي المدير التنفيذي لمعهد مصنع السياسات الإستراتيجية من أجل عدم الانتشار النووي في واشنطن، إن أي تهديد أو هجوم عسكري ضد إيران سيشجع هذه الأخيرة لإغلاق مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً حيوياً لشحن النفط، الأمر الذي سيكون بمثابة ضربة قاصمة لأمريكا. وهو أمر سيؤدي إلي انخفاض نسبة نمو إجمالي الدخل الأمريكي إلي 7 في المئة فقط في غضون شهر واحد. ويأتي تصريح هذا الخبير في أعقاب تصاعد الغضب في الغرب علي إيران بسبب تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد التي طالب فيها بنقل إسرائيل من الشرق الأوسط إلي أوروبا، أو أمريكا، أو كندا، أو ألاســـكا من أجل أن تعود الحقوق المشروعة للشــــعب الفلسطيني في فلسطين. لكن ما إن أعلن الرئيس الإيراني هذا الكلام، حتي اجــــتمع البرلمان البريطاني وأصدر قراراً يدعو الحكومة البريطانية إلي تغيير تعــاملها مع إيران. كما أن الرئيس الأمريكي بوش قال في حديث لمحطة بي بي أس : إن إيران من القضايا التي سيتعين أن نتعامل معها والتي نتعامل معها.. إيران تمثل تهديداً لإسرائيل . والواقع أن الغرب لا يريد سماع إلا الحقيقة التي يريدها، فأحمدي نجاد كان يتساءل، لمــــاذا يتحمل الشعب الفلسطيني وزر خطيئة ارتكبها الأوروبيون بحق اليهود، فإذا كان هؤلاء ذبحوا اليهود، فعليهم هم أن يتحملوا نتيجة أخطائهم وليس سواهم من الشعوب الأخري. لكن تم نسيان هذا الجزء من الكلام، وتم التركيز علي الجزء المتعلق بإسرائيل. وهذا أمر نعرفه عن هذا الغرب الذي لا يمكن أن يعترف بخطيئة ارتكبها ليس بحق العرب والمسلمين فحسب، وإنما بحق الشعوب الأخري في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كذلك. فكم شعوب هناك قاست من ويلات الاستعمار الأوروبي، وكم شعوب أبيدت؟ وتبقي مأساة فلسطين الشاهد الأكبر علي ظلم الأوروبيين للشعوب الأخري. هذه المأساة التي لم يحدث مثلها في تاريخ العالم علي امتداده، والمفارقة أنها حدثت في عصر الحضارة الغربية التي يدعي أصحابها أنها تصدِّر الديمقراطية وحقوق الإنسان للعالم أجمع. لكن هذه الحضارة سمحت لنفسها بقبول تهجير مليون فلسطيني من أرضهم وديارهم وأملاكهم في فلسطين عام 1948، وإحلال أقوام آخرين محلهم، جُمِّعوا من كل حدب وصوب بدعوي لمّ الشمل اليهودي . وتم اغتصاب فلسطين بموجب قرار من منظمة الأمم المتحدة التي أوجدها الغرب لخدمة مصالحه. ومنذ تلك اللحظة ما تزال المأساة مستمرة، فقد قتل الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، والباقي من هذا الشعب في فلسطين هم إمّا محاصرون داخل إسرائيل بالقوانين العنصرية الجائرة، أو محاصرون في الضفة الغربية وقطاع غزة بالدبابات والطائرات. وتقوم إسرائيل بشكل يومي بقتل الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة. لكن هذا الغرب الذي يفاخر بإنجازاته الأخلاقية يتغاضي عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، ويتغاضي عن عدوانها منذ أكثر من نصف قرن ويتقاعس عن تطبيق قرارات شرعيته الأممية بحق الفلسطينيين. وبعد تصريحات الرئيس الإيراني كانت عاقبة هذا الكلام غضبة غربية كبري علي إيران. وتعالت أصوات بعض السياسيين في الغرب بضرورة التعجيل بعمل عسكري أمريكي وغربي ضد إيران لمنعها من امتلاك السلاح الذري. لكن بعض السياسيين الآخرين الذين يقرؤون الواقع العالمي بشكل جيد، يعارضون أية حرب ضد إيران، وما عبّر عنه هنري سوكولسكي السالف الذكر يمثل هذا الاتجاه. والواقع أن الولايات المتحدة تبدو عاجزة عن فعل أي شي تجاه إيران، ليس لأن إيران دولة عظمي، بل لأن العالم تغيّر. فالغرب لم يعد وحيداً في الميدان يقبض علي أنفاس الشعوب، كما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين، بل إن هناك قوي أخري، مثل الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، أثبتت وجودها، بل إن كفّة الميزان الإستراتيجي العالمي تميل لصالح هذه القوي الجديدة التي هي في معظمها دول من العالم الثالث، عانت أشدّ العناء من الاستعمار الأوروبي. وفي ظل هذا الواقع العالمي الجديد، لن تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في فرض عقوبات دولية علي إيران بهدف إدخالها في عزلة وقهرها وإسقاطها ـ كما حدث للعراق ـ لأن مصالح روسيا والصين الكبيرة مع إيران كفيلة بنقض أي قرار دولي تفكر الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في اتخاذه في مجلس الأمن ضدها. كما أن الغربيين لن يغامروا بشن حرب علي إيران وهي تقع في منطقة إستراتيجية مهمة للعالم أجمع، هي منطقة الخليج التي يأتي منها نحو 60 في المئة من إمدادات النفط العالمية، وأية حرب قد تحدث في هذه المنطقة ستعطّل هذه الإمدادات مما سيؤدي بلا أدني شك إلي انهيار الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل أساسي علي النفط. كما أن أي حرب ضد إيران ستتحول إلي حرب عالمية سيكون فيها الغرب أول الخاسرين. وفضلاً عن هذا وذاك، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع في الوقت الحاضر المجازفة بفتح صراع مع إيران في وقت لم تستطع فيه بعد سحب أقدامها من الوحل العراقي الشديد الغور.ہ كاتب من الإمارات[email protected]:www.mohammedkhalifa.com8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية