المعالجة النفسية نانسي قاروط: التواجد ضمن الجماعة والإيمان بالشهادة عامل أساسي في صمود الغزيين

زهرة مرعي
حجم الخط
1

لأطفال غزّة عنفوان وإيمان بضرورة استرجاع الوطن السليب وصمودهم إرث متناقل عبر الأجيال

بيروت ـ «القدس العربي»: داس العدوان الصهيوني-الأمريكي على غزّة كافة المعاهدات والبروتوكولات الدولية التي حددت حقوق الإنسان خلال الحروب، وتحييد المدنيين، وعدم إطلاق النيران عليهم. في غزّة ومنذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر وحتى الآن، شكّل الأطفال والنساء هدفاً مباشراً لنيران الطائرات المسعورة. وبات المشهد الراسخ في الأذهان من هناك هو للأطفال مُكفنين بالأبيض المخترق غالباً بدمائهم.

شهداء من الرضع، والأطفال من مختلف الأعمار، منهم المُسجّى أرضاً في باحات المشافي، ومنهم المحمول بين أيدي الأهل أو الأقارب. ومن بين المشاهد المؤثرة ليافع مسنود إلى يافعين من عمره، يقبل جبين أخاه الرضيع قبل أن يوارى الثرى مجهشاً بالبكاء والصراخ وبصوت مبحوح «مع السلامة يا عمري».
قد يتخطى عدد الشهداء لدى نشر هذه السطور رقم العشرة آلاف، 40 في المئة بينهم من الأطفال. ويوماً بعد يوم تشتد الهجمات البربرية بالطائرات والتي بلغت في بعض الأحيان 100 غارة في خلال 60 دقيقة. المتابعون لجرائم الإبادة الجماعية الجارية بتشجيع وتسليح من العالم المسمى «حراً» والمتضامنون مع الشعب الفلسطيني يسألون أنفسهم «كيف للغزيين قدرة احتمال هذا الجحيم وهذه الأرواح التي تزهق»؟
إذا هو صمود أسطوري في وجه كافة دول العالم الداعمة لوحشية الصهاينة المستعمرين. الإيمان بالحق المشروع، وبضرورة الكفاح لاستعادة الوطن المسلوب قد يشكّل عاملاً أساسياً في الصمود والتحدي. ليس هذا وحسب، بل يأتي الإيمان الديني في مرتبة عالية من بين تلك العوامل.
هذا الحوار مع المعالجة النفسية نانسي قاروط يحمل الإجابات:

○ كمختصة في علم النفس كيف تقرأين مشهد فريق من الأطباء والعاملين في أحد مستشفيات غزة يرددون نشيداً وهم مبتسمون؟
• يشكّل الفن إحدى وسائل علاج التي تساعد الأشخاص للتعبير عن مشاعرهم وحزنهم الشديد. فمنذ الجاهلية انتشر الرثاء في حالات الفقد، وكذلك مجالس عاشوراء كمناسبة دينية، إلى طقوس يوم الجمعة العظيمة التي تمثّل صلب السيد المسيح. صحيح أن الفريق الطبي الذي وصلتنا صورته من غزّة كان مبتسماً خلال الغناء، لكنه ابتسام يعبّر عن حزن شديد. كانوا جماعة لأن الفن الجماعي يعني اللُحمة فيما بينهم، ويساعد في التعبير بسهولة أكبر من خلال الغناء. والجماعة تشعرهم بالتكاتف والصمود معاً. لم يكونوا في حال من السرور، بل غنّوا موجوعين، بذلوا جهداً في صناعة الابتسامة مؤكدين صمودهم.
○ زميلنا وائل الدحدوح صلّى على جثامين عائلته وعاد إلى البث المباشر على قناة «الجزيرة» كيف تفسرين حاله؟
• وائل الدحدوح الذي استشهد أربعة من أفراد أسرته وفي اليوم التالي كان على الهواء مع قناة «الجزيرة» عبّر عن الالتزام والضمير حيال مهنته التي تُحتم عليه المتابعة إلى النهاية. من دون شك قسى وائل الدحدوح على حاله وعلى حزنه، رغم حاجته الماسة لأن ينفرد بذاته، وحاجته للبكاء، لكنه فضّل متابعة التزامه المهني، ومن المحتمل أن يكون قد شعر ببعض الانهيار مع نهاية كل بث مباشر وخاصة في الأيام الأولى لاستشهاد عائلته. وهو بشكل غير مباشر يمارس عمله وكأنه يقول لعائلته التي استشهدت، بأنه لن يفشل في مهنته بعد رحيلهم. إنه التزام مزدوج نحو المهنة والعائلة معاً. التزام نحو من استشهد ومن بقي على قيد الحياة من العائلة، وكذلك أبناء شعبه في فلسطين.
○ ما الذي يدعم صمود الناس في غزّة. كثر يطرحون السؤال بعد دخول العدوان شهره الثاني؟
• يدعم صمودهم انعدام الخيار الآخر. وفي تعريف للصمود فهو يتمثل بقدرة الشخص على استرجاع كامل مخزونه للتأقلم بمواجهة الكروب والشدائد، وذلك بهدف التماسك للمواجهة بصلابة. وهذا الصمود نلمسه حاضراً في اللاوعي الجمعي. إنه الإرث المتجذر المنقول من جيل إلى جيل والإيمان بالأرض وعشقها، والإيمان بالقضية وشرعيتها، والتمسك بالهوية. فالأطفال يولدون ومعهم القهر الناتج من حصار وطنهم، وعدم قدرتهم على الحركة بحرية. هم يشربون مع الماء والطعام أن أرضهم سليبة ويجب استرجاعها. لهذا نلاحظ خطاب الأطفال المتميز بالعنفوان والإيمان بالقضية التي تعلّموها من آبائهم وأجدادهم. وإن عرّجنا على حياة الناس في غزة فهي لم تكن يوماً سهلة. هم في نضال دائم لإحضار الطعام والماء، إلى معاناة الأطفال في طريقهم إلى المدرسة حيث يتعرضون أحياناً للقصف، أو قد تُهدم منازلهم ويعودون لبنائها من جديد. الإنسان الذي يعيش مصاعب مماثلة تكون درجة وعيه عالية، وكذلك قدرته على الصمود. وهو لا يعرف الهشاشة النفسية، والاستسلام ليس خياره، بل خياره الصمود. والملاحظ أن الإيمان بالشهادة عالٍ جداً لدى الفلسطينيين ما يشكل عاملاً مساعداً للصمود.
○ وكم ترتفع درجات الصمود في حالة التواجد ضمن مجموعة؟
• ترتفع بنسبة عالية. وهو ما يُعرف بسيكولوجية الجماهير والتي تتحول لنوع من العدوى. نقرأ في التاريخ عن الثورات الكبرى والتكاتف بين الناس المؤمنين بقضية، مع وجود قائد يبثّ فيهم روح المقاومة والعنفوان تجاه قضية يتكتلون حول الإيمان بها، إلى العدوى المنتشرة في مجموعة بشرية تؤمن بالفكرة نفسها. وهكذا تشتد العزيمة من خلال التواجد الجماعي، بخلاف الحال عندما يكون أحدهم وحيداً ومنعزلاً. وهذا ما حكى عنه العالم الفرنسي لوبون في كتابه المعنون «سيكولوجية الجماهير». وكذلك تناوله الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور». إذاً هي دينامية الجماعة والعصبة فيما بينها، تؤدي لقوة التكاتف والصمود فيما بينها.
○ وصف الصحافيون حال غزّة بالجحيم الحقيقي. من له قدرة العيش في الجحيم؟
• إنهم المتميزون بالصلابة، والمؤمنون بقضيتهم بقوة، والممسكون بقدرات الصبر والاحتمال. وكذلك المؤمنون بالله وبالشهادة والقضية المحقة، لهذا هم باقون وصامدون.
○ وكيف يستوعب أو يحتمل طفل أن يُكتب اسمه وتاريخ ميلاده على زنده استعداداً للشهادة؟
• لا أعتقد أن الأطفال يدركون بوعي هذا الأمر، فهم ما يزالون تحت تأثير الصدمة. ومنهم من يعتبره نوعاً من اللهو، وبالتالي يصبح عدوى بحيث يرغب الطفل بالتماثل مع أترابه. إنما الأطفال الذين ستُكتب لهم الحياة بعد هذا العدوان الضروس سيعيشون اضطراب ما بعد الصدمة. وهم سيستوعبون بالتدريج قساوة المشهد الذي عاشوه، بدءاً من كتابة الإسم وربطه بالشهادة المتربصة بهم. نحن نجهل تقدير حال الأطفال في ظل استمرار العدوان، إنما في هذه اللحظة لا يزال الأطفال تحت تأثير الصدمة، ولا يمتلكون الإدراك الحقيقي للأمور. كما أنهم يتصرفون حسب ما تفرضه عليهم الظروف، وما أن يتوقف العدوان سيستوعبون التجارب القاسية التي مروا بها.
○ عندما يدرك المرء ويرى بأم العين أن أكبر دول العالم وأشرسها تحاربه ألا يداهمه الإحباط؟
• وفق طبيعة أهل غزة الذين جرى الحديث عنهم مسبقاً فهذا ليس بمحبط لهم. هم متميزون بالإيمان وبأن الله هو الأكبر، وكذلك القضية. وأن إيمانهم بحقهم هو أكبر من أية قوة في العالم. وبقراءة التاريخ نعلم أن أكثر الشعوب التي ناضلت من أجل نيل الحرية، كانت تخوض معاركها مع أقوى الأنظمة في العالم، وفي أحيان لم تكن بحاجة لأسلحة. استمرار النضال والكفاح مهم لتحقيق تغيير في السياسات الظالمة.
○ كمعالجة نفسية هل لديك رغبة بلقاء أحد الغزيين بعد انتهاء العدوان؟
• أكيد. مع كل صباح أسأل نفسي كيف لي مساعدة هذا الشعب الصامد؟ فيما الوصول إليهم مستحيل. نحن في نقابة نفسانيون نبحث عن دور فعّال. وقد عممت النقابة على أعضائها استمارة تسأل فيها من يرغب المشاركة بتقديم الدعم النفسي للمعالجين النفسانيين في غزة، وكذلك لجميع المقيمين فيها. إنها تجربة صعبة بالتأكيد ولن أتردد بالموافقة عليها. اُعدّ نفسي لهذه اللحظة، وحينها سأرضى عن ذاتي كإنسان أولاً، وكمعالجة نفسية ثانياً.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الله العقبة:

    مقابلة وحوار ممتاز وفيه معلومات مفيدة.

اشترك في قائمتنا البريدية