المعرفة مفتاح المستقبل وعكاز النهوض

العالم يتغير بسرعة فائقة ومذهلة جدا، يتغير معها ميزان القوة الذي تُوجِّهُه دول كبرى تمتلك ناصية العلوم والتقنية الحديثة المتناهية في الصغر، والتي لها أيضا، القدرة على التكيف والتعامل مع المستجدات في مختلف الحقول والميادين، على حسب قول إمبراطور الإعلام”روبرت موردوخ”: “القوي لن يهزم الضعيف مستقبلا، بل سوف يهزم السريع البطيء”، ونحن نرى كل يوم كيف تدار الحروب الحديثة إلكترونيا، وكيف يتم مواجهة التحديات والأزمات الصحية والبيئية والاقتصادية عن طريق الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، بينما تكتفي دول أخرى بالمشاهدة و مواجهة مصائرها، خصوصا بعد أزمة كورونا التي وضعت العالم أجمع أمام حافة المجهول، وأعطت إشارات قوية على إمكانية حدوث تغيرات في بنية النظام الدولي.
مآلات النظام الدولي

لكن رب قائل يقول، ما الجدوى من مناقشة مآلات النظام الدولي الحالي وإمكانية انزياحه لصالح نظام جديد يلغيه بسبب فيروس كورونا، ونحن في كل الحالات، وبكل هذا الوهن والتخلف، سنبقى وقودا للأورغانون الأقوى، ومتغيرا تابعا وغير مستقل في جميع التفاعلات.
الحاصل أن مجتمعاتنا فقدت شهية تحصيل المعرفة ولم تعد تستلذ طعم التفكير، ما قاد إلى ضمور واضح في بنية العقل وعجزه عن الإبداع والمساءلة والمحاججة، مشغولا بالزيف على حساب الحقيقة، مفتونا بالظاهر بدلا عن الباطن، سهل الانقياد والاتباع، غير معني بالحركة الدؤوبة في حقول المعرفة والعلوم والتقنية التي تسري في الضفاف الأخرى من العالم.
بمقابل هذا الخواء، يتضور الناس جوعا إلى الملذات السفلى، والبهارج والمتع والألقاب والمناصب المفرغة من المعنى، حتى صارت هذه الشهوة المميتة، شبيهة بالشهوة الكلبية، أكل نهم بلا شبع.

الأقانيم الثلاثة: اللذة والمادة والسلطة

والحال هذه، فقد تلاشى المعنى و وهنت الروح، لينساق الإنسان عندنا لاهثا وراء أوهام زائلة، حتى صارت هذه الأقانيم الثلاثة: اللذة والمادة والسلطة، أصناما تعبد وتُطلب، و على عتباتها تُذبح الأخلاق وتُخلع المبادئ ويُترك العلم والدين على السواء.
لذلك، فخراب العمران وخواء الإنسان عندنا، مرتبط بهالة التقديس التي يسبغها على هذه الأقانيم وتقديمها على الروح والعقل، وقد قاده ذلك إلى جعلها جوهر الحياة ومقصد المقاصد كلها، وهذا “الفخ” لم يلجمه، بل حرر نوازع الشر فيه، فهو يبغي على غيره ويظلم و يرتكب كل الشرور والآثام ليشبع جوعه ويروي عطشه، دون أن تكون له طاقة عقلية وإبداعية تؤهله للإنتاج والإنجاز، وما دام الحال هكذا، فإننا حتما، سنظل نعاني من الهزال الحضاري ومختلف الأسقام والأمراض الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
كان الأجدر بنا أن نبحث في كيفيات إعادة بناء إنسان جديد، عقلا وقيما وأخلاقا وسلوكا، إنسان ممتلئ روحيا وجدير بالتأسيس لنهضة علمية وحضارية معدة خصيصا للزمن القادم، وله القدرة الكافية على فك أغلال الإرتهان إلى مراكز القوة المتغيرة.

مراجعات نقدية

أجدني هنا، مدفوعا إلى الإشارة أن بعض المقولات التي شغلتنا حينا من الدهر، تحتاج لمراجعات نقدية تُنظِّر للثيمات التي اشتغل عليها أصحابها، بمنظار مختلف وضمن زاوية رؤية محددة بمنظومتنا المعرفية الأصيلة، و لا أحوج، في اعتقادي، من مراجعة بعض أسئلة النهضة وصياغتها من جديد، فبدلا عن الاشتغال على سؤال لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ الذي طرحه أمير البيان “شكيب أرسلان” في كتاب يحمل العنوان ذاته، ولا زال يشغل حيزا كبيرا من الاهتمام؛ علينا أن نحرك آلة السؤال هذه ناحية أخرى، فلماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم أسلافهم؟ فالأمة اليوم ليست هي الأمة بالأمس، و التخلف طارئ وليس قديما ومتجذرا حتى يقارن بتقدم الأمم الأخرى، فعلى مدار قرون طويلة كان المسلمون أسياد العالم بعد أن شيدوا حضارة زاهية تربعت على عرش العلوم والمعارف والفنون والصناعات المختلفة، وصدرت ذلك كله لبقية الأجناس حين كان عصر الظلمات يرخي بسدوله على أوروبا، بينما كان الهنود الحمر في أمريكا يعيشون على الصيد التقليدي ويحيون حياة بدائية، قبل أن تتأسس على جماجمهم دولة الغزاة البيض المعروفة اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية، التي لا يزيد عمرها عن القرنين.
إن البحث في أسباب تسيد أسلافنا للعالم، لا سيما تقديسهم للعلوم وتبجيلهم للعلماء، كفيل بأن يكون منبها قويا للعودة إلى الريادة ومقارعة غيرنا من الأمم الأخرى، خصوصا ونحن لا نعدم العقول والخبرات الكثيرة التي تسري فيها جينات ابن سينا و الجزري و ابن حيان و الزهري و الفرابي و ابنالهيثم وابن باجة وابن البيطار وابن رشد والإدريسي، والعديد، العديد من الأسماء التي كانت نجوما تتلألأ في سماء الحضارة الإسلامية العامرة، حتى فاضت بنورها على بقية شعوب الأرض ولا زالت تشغلها إلى يوم الناس هذا.
إنه سؤال حارق: لماذا لا نحسن الوثب عند المنعطفات التاريخية التي يمر بها العالم؟

كاتب من الجزائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية