المعماري العراقي أسعد الأسدي في «العمارة وما حولها»: المكان يشكل هوية الإنسان

24 - يوليو - 2021

جاسم عاصي

0
حجم الخط

الباحث والمهندس المعماري العراقي الدكتور أسعد الأسدي اجتهد كما اعتاد في ما ألف من الكتب المجاورة لمحور المكان المتمثل بالعمارة، حيث عالجنا ذلك في كتابنا «بيت الحمام» الدارس للمكان في كتابات مجموعة من الكتاب ابتداء من جاستون باشلار وياسين النصير ومحمد الأسدي.
إن الدكتور الأسدي بذلك يحاور باستمرار ما هو متعلق بحراكه الذهني، الذي يعتمد أساسيات مبدئية، فهو يبحث عن كل ما يشكل بنية مضافة للمكان. وبهذا يخلق نوعاً من الاجتهاد البحثي من خلال مؤلفاته ابتداء من كتاب «شعرية العمارة» وصولاً إلى «العمارة وما حولها» قيد القراءة.
الكتاب يختلف في صياغة مساره البحثي، معتمداً تواصل الإنثيال الذهني والتنوع، جامعاً كل متعلقات العلاقات المفروضة التي تكشف عن صوّر المكان ومتعلقاته عبر الحفر في الصغير أو الجزء منها ليكون كبيراً ومؤثراً. فالمكان وفق هذا التصور يرتبط بمجموع القيّم الخالقة له ولمكملاته، فهو لا يُجرد نفسه ونقصد المكان، مما يرتبط فيه بنيوياً. فصورته من مجموع الصور الأُخرى، وهي مكملة لوجوده، لأنها أساساً أمكنة مهما صغُر وجودها. فالمكان يتحاور مع ما حوله، وهذا ما يدور في فلكه هذا الكتاب، الذي قد تجد بعض القراءات؛ إنه مجموعة خواطر واستنتاجات يبتعد فيها عن محور المكان. ونرى أن هذا التصور غير صحيح، بل أن كل محتوى الكتاب المقسم إلى فقرات أنتجها رؤيته للمكان، فلا وجود له دون غيره. فإذا ما شيّدت عمارة وسط الصحراء، سوف تكون بالتأكيد لا معنى لها، لأنها وجدت في التيه، أي في ما انعدام ما يجاورها أو حولها. صحيح أن للصحراء بنية خاصة، لكن هذه الأبنية ترتبط ببنى مجاورة من حيوات صحراوية يكون فيها المكان أو النزل (الخيمة) متنقلة لا ثبات لها، حاملة هويتها من طبيعة البيئة التي تستقر فيها. هكذا تكون جدلية العلاقة بين المكان وما حوله، أي وجود حواري مكمل لبعضه. فللمكان هويته، وبالتالي فهو يشكل هوية الإنسان، بما يمنحه من خصائص وصفات هي في الأساس أخلاقية، تنبثق منها قيّم وأفكار وإيديولوجيات. فالمكان يظل مانحاً ومعطاء باستمرار طالما ثمة كائن مجاور له. فهوية المكان مهما انحرفت صورتها عبر إرادة خارجة عنها، إلا أنها تعود لتستعيد هويتها ضمن علاقتها مع ما يُجاورها، أو تعميق ذاتها من خلال الابتكار المعماري. وأقرب مثال على هذا تحويل المدارس إلى معتقلات في زمن ما، وبذلك فقدت هويتها التربوية، حيث الحقت بالسلطة، لكنها عادت بعد زوال السبب لتكون دور علم وتربية بعد أن زيلت مقومات الانحراف الوجودي آنذاك. إننا نتعامل مع المكان وفق ما يكسبنا من خصائص الهوية الذاتية. وبهذا نعمل على تعميق هويته بالتطوير وليس بانحراف أُسسه. من هذا نجد المؤلف يمزج بين الأشكال والمضامين وإعادتها إلى متنها الفكري، برؤى معمارية، وإن أخفت المعالجات صورة البحث بين الحفر والتعرض للأُسس التي تشكل المكان وما حوله. أي أن عنوان الكتاب دليل واضح وراسخ المسار بما تم طرحه في متن الكتاب.

الشروع بالمغايرة الشكلية

ونقصد بهذا محتوى وأُسلوب الكتاب «العمارة وما حولها». فهو عنوان يعود إلى المكان عبر نص العمارة، لكنه يميل إلى جانب آخر يعتبره مكملاً للنص. بمعنى يكون الماحول؛ هو السدى واللحمة الذي يمكن اعتبارهما النصين المركزيين. غير أن المركز هذا سرعان ما تتلاشى صفته ليضع نفسه ضمن التشكل العام بين النصوص الأُخرى. لكن استقلالية كل نص – عمارة – تبقى قائمة. فكل الماحول يمتلك هويته، وهذا ما يمنح الأشياء هويات متعددة، تصب في هوية مركزية هي هوية المكان. لذا نجد في العنوان إشارة إلى الجزء الذي هو مركز يستقطب كل ما حوله بمجاورة تخص الجنس الذي تُحدد هويته من هوية ساكنيه، سواء كان منزلاً أو دائرة أو غير ذلك. فالهوية تتحقق بالشاغل، كذلك تجتمع مع هويات أُخرى عبر ما يُطلق عليه الماحول، فاختيار عنوان كهذا يلخص رؤى واسعة، تضع المفردات ضمن دائرة البلاغة في التعبير. العتبة الثانية القائلة «بفضل الخيال، يحصل الواقع على قيّمه» والعبارة لجاستون باشلار، وهو ضليع وسبّاق في دراساته للمكان. والعبارة تعمل على تأكيد خاصية المكان. فمفردة الواقع التي يقع عليها الخيال تعني المكان. وبذلك تتم المصاهرة بين المكان والخيال. بمعنى لا مكان دون خيال. ويقصد العمارة مثلاً، فإنها تُشيّد عبر تصورات ورؤى ومفاهيم تنطلق من فيض الحرية الجمالية. وهذا ما دفع المعماريون إلى زيادة فعالية خيالهم وهم يصممون هندسة العمارة، خاصة خلال العودة إلى الموروث لتنصيص العمارة وربطها بالجذور الأُولى، أو ابتكار أشكال جديدة تتعشق مع أشكال استدعاها المخيال البشري لتُعينه على الابتكار كما فعلت المعمارية الجريئة زَها حديد. كما وأن العبارة باعتبارها عتبة، يكون وجودها كامنا في العلاقة التي تخلقها نصوص الكتاب، في كونها لصيقة بالخيال الذي يمنح الكاتب حرية التجوال في أقاليم متعددة، لكنها مرتبطة بالمركز. فالانثيالات في الكتاب مهما تشعبت ونأت، تكون عودها الأبدي إلى صيرورة المكان الذي اختص به الأسدي. وبهذا استطاع أن يُضيف دائرة جديد للكتابة، قد تُسفر مستقبلاً عن دوائر أُخرى ملفتة للنظر.

2021-07-24_00-30-43_898197

حقول متشعبة

يحاول الباحث التنقل وفق حيوية ذهنية بين تأملات ورؤى تتعلق بالمكان كمؤثر مركزي. أي أن كل ما ورد مرشحات مكانية. وأرى أن مثل هذا الدأب يعمل على فعالية البنية الفكرية بأسلوب هو أقرب إلى كتابة النص سواء كان سرداً أو شعراً. فالنص هنا يُقاس وفق درجة الصلة بالكتابة النصية ــ البحثية. المقياس الأصل هنا هو جمالية الكتابة، وشفافية الجملة والرؤية وطبيعة السياحة الجمالية في تشعب اللغة وشفافيتها. الكتاب تعددت فيه المقاطع مما يلزمنا التداخل مع أفكارها ومفاهيمها بما تتيح لنا قدرتنا الذاتية من الإضافة والحوار.

في مقطع 2

يعالج الكاتب العلاقة بين الجماعات، ليصل إلى استنتاج مفاده «الواحد لا يُفنى، إنه يثمر في المتعدد» وهي عبارة مركزة كما تبدو من خلال عقد الصلة بين الأطراف، واشتقاق النتائج في الآصرة البشرية. ليس عبر فرض العلاقة، بقدر ما تقويم الجزء بصورة الكل، دون فقدان الهوية، سواء للأفراد أو الجماعات. فالرقم الواحد لا يعني شيئاً إلا لذاته، حيث تبدو صورته جلية باتصاله بالآخر. إذاً نرى أن الكاتب يدعو إلى إقامة الصلة والحفاظ على الخصائص الذاتية. بمعنى عدم الذوبان في الآخر، فالتشكيل ذات عليا وكبيرة، والحيوات تتحرك وتتفاعل وفق القدرات الذاتية. وفي هذا إعلان عن تقدير الذات والذوات الأُخرى. وهي علاقة مرشحة عن علاقة كل مكان واحد بما يجاوره من أمكنة. فالعمارة الواحدة أو المبنى كالمنزل لا يشكل تجمعاً – حيّاً- إلا إذا حضر التجاور. إنه تجاور إنساني كبير ومنتج لحقيقة انثروبولوجية.

في مقطع12

يُحدد العلاقة بين المكان والشاغل. وهي علاقة تكافؤ بطبيعة الحال، أو مما يبدو في الوجود. لكن المسألة الأكثر قدرة على طرح المعنى لهذه العلاقة يُحدده التشوف التاريخي الذي يُشيده الإنسان وهو يشغل المكان. صحيح أنهما يكملان بعضهما، وصحيح أن لا معنى للمكان دون الإنسان، والعكس يصح، غير ان المعنى خارج هذا التصور المرئي والمُعاش، أي أن الصلة والتكامل مُحددان بوعي الاثنين الإنسان والمكان، ونقصد بمسؤولية العلاقة، ما يفعله كل طرف للطرف الآخر. إنهما طرفان حيويان، بما يتركاه من أثر. وهذا المبدأ ينطلق من حقيقة مسؤولية كبيرة. فما زال المعنى لا يتحقق إلا من ثنائية الصلة، فالناتج يكون لصالح الاثنين، بتحقيق هويتيهما معاً. مسؤولية المكان حراسة الإنسان بإيوائه، ومسؤولية الإنسان إزاء المكان المحافظة عليه وحسن إدارة مشغوليته. وبالتالي يحرس كل طرف الطرف الآخر كما ذكر أُسامة غالي، وأكده الأسدي، فالمؤانسة مسؤولية الطرفين والتطور كذلك. فلا المكان ساكن ولا الإنسان غير مؤثر. العلاقة تُحدد بالنتائج.

في مقطع 17

يومي لنا بأهمية استقرار المكان واكتسائه زماناً. فالوجود في المكان، يولد ذكريات متسلسلة في الزمان، بينما التحولات في الأمكنة تفتت الاستقرار، لأنه يمحو الخصائص المتولدة بين الإنسان ومكانه. كذلك ما يحدث في تغيّر الأزمنة، مما يًحدث نوعاً من التبعثر في الخصائص المركزية للزمان والمكان. وكما ذكر بقاء الذكريات التي تخضع بطبيعة الحال إلى التحول وعدم التمركز. فالذكريات الأليفة هي من تنشأ في المكان والزمان. أما عكس هذا فيترك تشوشاً حتى في صوّر الذكريات. إن محنة الإنسان كونه يخضع إلى جدلية الوجود خارج إرادة الذات، وفرض الصورة التي عليها حياته دون رغبة. فالسلطة تبدأ من الأُسرة وتحديداً من سلطة الذكورة – الأُبوة- على العكس من سلطة الأُنوثة – الأُم- المكملة للأُولى والتي تتماهى معها حد فقدان الهوية الأُنثوية. فالأُولى تخلق أنظمة ربما قاسية، بينما الثانية تنتج سلطة الثبات. وهذا الجدل بدأ مواكباً منذ أُسطورة حواء وآدم وصولاً إلى إنشاء المجمعات الاستيطانية، خاصة الزراعية التي تبنتها الأُنثى في التاريخ، حيث خلقت أمكنة ثابتة ومستقرة واستيطانية. إن التأكيد على الاستقرار في المكان وسيولة الزمان، يخلق أنظمة وكيانات اجتماعية حامية للوجود، وعكس ذلك يؤدي إلى التبعثر.

في مقطع 25

في قول الشافعي دلالة على تعميق الود وعلاقة المحبة بين الأفراد. وفي هذا نوع من طقس الترابط بين الأفراد، ولكنه لا يعني قانوناً ثابتاً، قد يخرج عن القانون القار، فالعلاقة تتعمق أيضاً في أزمنة القُرب. غير أن ما عناه الكاتب عبر قول الشافعي، كسر رتابة الوجود الثنائي أو الجمعي. فالبعد والاقتراب يكون تأثيرهما نسبياً، بينما الوجود في المكان وحركة الزمان داخله وداخل الشاغل يولد تاريخاً وذكريات أثيرة وراسخة. إن البعد والقرب يولد فسحة ذاتية تنطوي على سيكولوجية تخص الأفراد. فربما الملل واحد من تركات الثبات في المكان ضمن العلاقات الإنسانية، لكن الإنسان من يكسر رتابة الزمن بالتجدد. غير أننا معنيين بالمكان وما ينتجه، كونه محرك تاريخي ونفسي.
نجد في كتاب المعماري أسعد الأسدي؛ إضافة نوعية من لدنه لإثراء أفكار العمارة، شأنه شأن من أرخ للعمارة، وما ابتكروه وهم يشيدون عمارة بقت محافظة على سر وجودها القارّ.
أسعد الأسدي: «العمارة وما حولها»
دار شهريار، بغداد 2021
97 صفحة.

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية