الميتاشعري» بوصفه خطابا (2.2): بياناتٌ في مواجهة النسق وانتهاكه«

بين النصوص التي تكشف مشاغل الذات الكاتبة في حضرة القصيدة، أو الوعد بها على نحو من الأنحاء، ثمة من الشعراء من اتخذ الميتاشعري للكشف عن أسلوبه في الكتابة، وعلاقته بالتجربة الخاصة، أو بالنسق الشعري العام اتباعا أو ابتداعا.

تجاوز وعطش

يُجسد منصف الوهايبي فعل أن كتابة القصيدة لا تأتي من فراغ، وإنما هي تتذكر ماضيها باستمرار، قائلا:
«الكتابة لا تفتح الباب إلا لتغلقه،
ولذا كان لا بُد أن يتبقى لنا في الأصابع،
من عضة الباب، أبيض جُرْحٍ،
وفي الكلمات، دم الكلمات»
فالشاعر لا يكتب من فراغ، بل إن ما يكتبه يسعى إلى تجاوز سابقيه عليه ضمن سلسلة الفجوات والقطائع التي تحدث في تاريخ الكتابة (دم الكلمات)؛ فهو لا يُقلد ويخضع لغيره بقدر ما يُجدده، وما يحدثه من انشقاقٍ جمالي (أبيض جُرْحٍ). يتخيل محمد الغزي هذا التاريخ السحيق بأنه «البئر» قائلا:
«احتفِظي بأصواتنا أيتُها البئرُ
فنحن سنسترجِعُها
حين يعودُ الرعاةُ
ويكتملُ القمر»
الشاعر وهو يكتب لا يحاكي تلك الأصوات، أو يرقش الكلمات على صفحته الشخصية، بل هو يلتقط من خلال الكلمات «هدير السلالة»؛ الكلمات التي لا تومض وحسب، بل يحتك إيقاع بعضها ببعض مثلما الأصداف. ذلك ما يجعل الشاعر في ليل القصيدة، مثل الأكمه يهتدي «بعصا الكلمات» عبر دروب العالم، ومثل الأعمى:
«كُلما أضعْتُ الطريق
اهتدَيْتُ بأعمى المعرة»
هذا التاريخ نفسه هو ما يتصوره محمد علي شمس الدين في مقام «سر الغامض والمكنون» الذي يتواصل من شاعر إلى آخر ممنْ ملأوا الدنيا وحيروا الناس بكلامهم؛ أي «بزعمهم وكذبهم». فالشعراء على أثر المتنبي لا يكتبون إلا بمنطق السحر، الذي ينقض الحقيقي والتاريخي برواية كلماته الخاصة التي تمحو أكثر مما تثبت، وتشك أكثر مما تذعن. إلا أن هذا الأثر هو بحد ذاته مُركب من تواريخ أنا الكتابة، إلى حد يشبه تناسخ أرواح حينا، وتداخل نصوص حينا آخر. يقول الشاعر:
«يعلو صرْحٌ
فوق أصابع أحلامي
فإذا ما هبتْ
ريحٌ تشبهني
لا أتهدم
بل
أمضي
مثل الغيمة في الصحراء
وحدي
(أو أنت معي.. لا فَرْقَ)».
فوظيفة القصيدة ليس خارج ذاتها، إنها تتحرك معها وفيها، فلا تنتهي حتى وإن أتت لمناسبةٍ ما وأملَتْها ظروفٌ خاصة؛ بل دامت «ما دامت في الأرض الكلمات».
هكذا، تظل الكلمات داخل القصيدة تبحث عن جدوى ما، في عالمٍ يبدو لا شعريا، فلا تجدها إلا ما كان من السر الذي يفضي بالشاعر لوحده، أن يبحث عنه في طريق الشعر. وهذا شأن «سر الكلمات» لسركون بولص:
«ما يُمْكنُ للكلمات أن تفعلهُ
يكاد يكونُ لا شيء في هذه الأيام
نغمةٌ ليس فيها ما يكفي من الموسيقى
لكي يرقُص على إيقاعها أحد.
إذن كيف لنا أن نُبجلَ ذكراها
أو أن نكيلَ لها المديح؟
مع أنني رأيتُ
من ترنحَ عند سماعها كأنهُ سكران
واختارَ طريقا أخرى
يسلكها في حياته، وانطلقَ في سبيلهِ
ذاك، دون أن يأبَه بشيء، ليقبض على السر
الذي أطلقتْ سراحَهُ الكلمات.
رأيتُك: كنتَ أنت الماشي في تلك الطريق
وإذا لم تكن، فأنا، وحديَ، من كان».
إن القصيدة التي تقشفتْ في طلب البلاغة وتخففت من قيود الوزن والقافية التي كانت تنشأ منهما موسيقاها الخارجية؛ قصيدة الشعر الحر بتعبيره، أصبحت لا تطرب أحدا ولا تلفت إليها إلا من صار يبحث عن سر كلامها في مكانٍ آخر يأتي من التجربة. فإذن، يتمثل جزء كبير من هذا السر/ السحر ليس في معنى الكلام، وإنما في طريقة بلوغ هذا المعنى، وإلا بقي مبحوثا عنه من مُتلقيه ومُنْشئه معا في سلسلة لا تنتهي. وقد شغف سركون بالقصائد الطويلة الدفاقة، لأنها تتيح له احتمالات مدهشة، يعبر من خلالها عما يحدث له في طريق التجربة، ويتأوله بحدسه وغريزته، كما يصنع من زخم كلماتها ومعانيها «نوعا من التعويذة» وشكل خلاص شخصي، وحتى جماعي.

مغامرة وعي

يتخذ محمد بنطلحة من الميتاشعري مظهرا للكشف عن وعيه الكتابي من طور إلى آخر أكثر اختلافا، أو بالأحرى عن «أزمة هوية» لدى ذات الكتابة. ويتضح هذا النزوع عنده من خلال عنونة قصائده التي يختار لها عبارات ذات منحى نظري وتأملي (تعبير الرؤيا، لذة النص، مدخل نظري، عمود الشعر، عقدة أوديب، كتابةٌ بالمقص) كأنما كان يحتاج في معظم أعماله، ابتداء من عمله الشعري «نشيد البجع» (1989) إلى تنبيه قُرائه بانتقالات طارئة تحدث في صميم تجربته الشعرية. وهو لا يفعل ذلك من باب الإخبار وحسب، بل إنه يتخذه شكل باروديا أو سخرية من نسق القواعد التي تحجر على سبل الإبداع وتقف دونه، لاسيما في ما يتعلق بقواعد العروض والبلاغة واللغة، التي بلغت قُدْسيتها في التصور النقدي القديم حدا لا يُطاق. يقول في»قيلولة الخرتيت»:
«أَوَ كُلما جفلَتْ خيولُ الحدس بين يديْكَ،
واتسخَتْ قَلَنْسوةُ المحاذير العديدةِ
قُلْتَ لي: في حجرة الجَد العتيدةِ
مِجْمَرٌ،
ومِخدتانِ أثيرتانِ،
ونابُ فيلٍ داجنٍ؟
أو قلتَ: ما أَبْهى سِنادَ الردْفِ!
واستشهدْتَ بالخُبيْزِ،
والقَرْقُـوسِ
والوعدِ المقددِ في فِناء المنطقِ الصورِي».
لا يصح الجمع بين مفردات هذا الملفوظ على تناقضها اللساني (الفصيح والدارج) والمفهومي (الحدس، سناد الردف، الخبيز، القرقوس، الوعد المقدد) إلا من طريق تلك السخرية، على نحوٍ ينقض المنطق الذي تقوم عليها كتابة تواجه حدوساتِها «المحاذير العديدة». وهو في كل ذلك يريد أن يبشر على أنقاض القديم والقواعدي بالجديد والغامض، والمفارق والمسكوت عنه من منظور تصوره لـ«فيزياء العبارة» التي عليها مناط قصيدته الحديثة، فيما تكشف نصوص أخرى عن مسعاه لخرق جماليات كتابته والمساهمة في تضويئها من الداخل، لاسيما إذا تعلق الأمر بمسألة اللغة التي أخذت تشتغل وفق آليات جديدة في بناء الخطاب، أو بحضورها الذات في خطابها وهي تنتقل من خيار التفعيلة إلى النثر، ومن الكلام إلى الصمت: «اللغةُ
حينما عَمِيَتْ عن كل شيء
تطوع الصمت
وصار عُكازَها
من كثرة الصمْتِ».
عبر دال الصمت الذي يتوتر بين العمى والنسيان بعكس التيار، ويترسخ أكثر في ديوانيه «قليلا أكثر» و«أخسر السماء وأربح الأرض». صارت الذات تنحو إلى تقويض عمارة البناء واقتصاد ما تقوله داخل خطابها، وهو ما أعطى للدال النصي وضعية خاصة، مُتجاوبا مع خيار قصيدة النثر الذي توجه إليه الشاعر وحقق فيه انشقاقات جمالية على مستوى تشييد نصوص التجربة التي قطعت مع ما سبقها، وباتت تنقض بهويتها المغايرة المنطق السائد والاعتيادي لطبيعة المعنى الشعري تحديدا، عبر مسار- نهر تخييلي يروم انتهاك اللغة وحملها على أن تقول ما لا تريده، وما لا تقصده على عادة النسق السائد:
«منذ أَنْ شققتُ بابا
في لَيْلِ المعنى
ونَهْرٌ ما
يَحْمِلُ الغُيومَ
والبحيراتِ
والحدائقَ
يحملها بأَشْجارِها، والطيورُ فَوْقَها
إلى داخل الغرفة»
نكتشف سيرورات هذا الوعي الاختلافي داخل شرطه الكتابي المفتوح واللانهائي، الذي يدمغه لعب الدال المتوتر عبر متواليات مُشذرة وشديدة التكثيف بين الشعري والسردي، والنابع تحديدا من الأنا الاستيهامي، الذي يسائل هُويته بالنظر إلى انزلاقاته من دال إلى دال، وإلى شرط غيريته:
«ما أقوى حُجتي: اللغةُ مِرْآةٌ.
صَحيحٌ جِدا
لكن،
اِقْرَأ الْحَاشِيةَ:
وراء كُل مِرْآةٌ قِناعٌ.»
ومثل هذا الوعي بقدر ما أعاد بناء الهوية الشعرية، وطّن عبرها مبدأ الغيرية كتمثل لذات الكتابة، من خلال الآخر المتعدد في مرايا الذاكرة والمتخيل، فيجعلها هوية استغوارية دائمة التدفق تنفي نفسها ولا تطمئن إلى نموذج غيرها؛ إنه «الأثر السيري» الذي يخلق ميثاقه الخاص به، دون أن يحيل على شيء خارجه حتى وهو ـ بشكل لعبي- ينغزه:
«لي
ـ فَقَطْ ـ
مِزْمارٌ يقودُني إلى مَكْتبةٍ
في قاعِ الْبَحْرِ.
يقودُني إلى نَفْسي
مع الوَقْتِ،
صِرْتُ أُقَطرُ الشمْعَ على الْمَاءِ
أَسْتَغْفِلُهُ
وَأَتهجى نَفْسي
مَوْجَة
مَوْجَة».

تخييل وفانتازيا

مثل هذا الوعي الاستشفافي هو ما نجده حاضرا كذلك في مشروع صلاح فائق الجمالي منذ ديوانه «رهائن» (1975)؛ لاسيما إذا تعلق الأمر بأسلوبٍ شعري يمزج بين الوهج الغنائي الدفين والسمت الغرائبي الذي تخترقه روح سيريالية متدفقة، ومعه يحمل روائح كركوك من منفى إلى آخر. وإذا مثلنا، هنا، بمجموعته الشعرية (مقاطع يومية) فإن المنزع السيرذاتي يكاد يكون طاغيا في الديوان، كأن الأنا المتلفظ يعي خطورة ما يقدم عليه الشاعر، ليكشف بعض المفاتيح التي من الممكن أن تنبه القارئ وتنمي عنده وعيا جديدا في سيرورة تلقي المكتوب وتأويله، خاصةٍ إذا كانت هذه الكتابة على هذه النحو الذي يتلفظ به:
«أقضي مئة ساعة أحيانا لكتابة قصيدة
أرى في أحد مقاطعها، وأنا أعيد كتابتها،
رجلا موهوبا في الرياضيات يحتسي خمرا ويشتم تجار المدينة:
لا أظنني كتبت هذا
أقرأ القصيدة من جديد، أجدُ حيواناتٍ مجهولة».
إنها كتابة مرئية، متداعية، مقطعية، مفتوحة ومتجددة في آن، مثلما تقوم على النفي والعصيان والانشقاق على القواعد والآداب المرعية، فالقصيدة يمكن أن تبدأ بأي مفردة تلوح في الأفق، أو بالأحرى في رأس الشاعر:
«بدأتُ أرى، من بعيدٍ، مشاهدَ جديدة
ريحٌ تتغنجُ وهي تتقدم نحوي:
سأتخذها مرشدا إلى دهاليز ومقاطع قصيدة».
ثُم تستدعي على إثرها، ووفق مزاج الشاعر، مشاهد وصورا وحالات وذكريات لا تجمع بينها عمارة بلاغية مسكوكة، بقدر ما تتداعى عبر حركة تدفق لينة أو سلسلة انتقال لا نعرف أين تقودنا، فيما المتخيل ينظم تداعيات القصيدة حتى تأتي نهايتها مثل روح صبي، فتحدث فينا أثرا مضاعفا بالدهشة والغرابة والتشظي:
«ثمة شيء آخر في نهاية كل قصيدة أكتبها
صبي يشبهني يُحطم بمطرقةٍ،
صحونَ خزفٍ في المطبخ».
إنها تُقدم نفسها على طريق الفن الصعب، ما يستحيل محاكاته حتى بالنسبة إلى الشخص الذي فرغ من قصيدته للتو؛ لأنه داخلها هو آخر خارجها، فلا يقوى على تنقيحها، بل يتركها كما هي حتى في نقصانها وعدم اكتمالها:
«أريد الوصول إلى قصيدةٍ داخل هذه القصيدة
التي أكتبها الآن
سأنتظر، مثل صياد قديم
لأستدرجها إلى أرضي».
وهو عندما يشرع الأنا في الكتابة، إنما يندمج في حالة خاصة ومتوترة تخلق طقوسها بمرور الوقت، الذي يخضع لتقويمه اللازمني الخاص، ولا يهمه المكان الذي هو فيه أو الضجيج الذي يصدر منه:
«لكني لا أستجيبُ،
لأي سبب، لمن يطرقُ بابي حين أكتبُ».
يكتب في منتصف الليل، حيث الوساوس والكوابيس التي تتدفق عليه، وفي الصباح يكتب ما في رأسه، قبل أن يصفق الباب وراءه ويطارد مغامرة أخرى في الأعالي، أو يسافر إلى بلاد بعيدة حتى يغتني بجماليات المشهد اليومي ويستحق جدارة الإقامة:
«تطيرُ بقوى مِخْيالك
حينئذ يكون سهلا على هذه الأرض
أن تتبناك ابنا لها».
تتصل مصادر هذه القصيدة «الفانتازية» بالكلمات لا بالأشياء، بالتنزه فيها، وباليد التي تُشكل عالم هذه الكلمات التي تتشابك في رأس الشاعر، ثم تظهر كأنها تجتمع على تلك الحالة الكتابية لأول مرة على نحو مجاني وعبثي:
«في يدي التي تكتبُ مجاهلُ عظيمة (…) إنني أجول في حديقة من كلماتٍ
أخرج من نفسي وأدخلها، كأنها غرفة».
ومن الصعب أن تتحصل منها على معنى ما، وحيد ونهائي:
«الذين يسألون عن معنى قصيدة ينبشون
كأنهم ينتظرون ظهور غويا
من إحدى لوحاته في هذا المتحف».
إنها شبكة تتلألأ بالمعاني، مجانية ومفتوحة لتأويل القارئ وفهمه، لهذا، من الطريف أن الشاعر يقرأ ما يكتبه على كلبه، وعلى جداول وأشجار ونمور نائمة أو تريد أن تنام، لأنه في جزيرة تعادل بالنسبة إليه يأسه من الكتابة في تغيير العالم:
«ما فائدة كتابتي كل يوم، لي ولغيري؟
لا أظنني أؤثر على مد وجزر هذه المياه».
فوظيفة الكتابة عنده هو أن يطيل عمره وهو يكتب، ويتعافى مما يكتبه عبر أميال من الكتابة، ويكتب لينتقم من نوارس البحر، وينشد للمهزومين والخاسرين ويلهو غير عابئ بأوهام البشر. وهذا بحد ذاته عمل مهم، لأنه يكتب وحسب، بل يحب أن يكتب كما يتكلم، أو أن يتكلم كما يكتب. مثلما أنه يقرأ قصائد أصدقائه المثبتة على جدران غرفته بمسامير طويلة، ويتحاور معها؛ وهم من سلالة المنفيين والملعونين الذين تعلم «من سخط أعماقهم على اللاعدالة واليأس» في مقابل «من خان الشعرَ بحداثةٍ زائفة، تمجيدِ أصولٍ ماتت بأوهام أخرى». لكن ليس مجانا في شيء أن يختم الشاعر ديوانه بقصيدة (ضد بدر شاكر السياب) التي هي بمثابة بيان/ مانيفستو شعري مضاد ليس لشاعر حديث بارز، بل أكثر منه لتيار شعري كبير قاده وتزعمه بعد رحيله المبكر مُجايلوه وحواريوه؛ فهو يقف في الطرف الآخر منه ويهزأ من أنشودته المطرية ومن لازمتها الإيقاعية: «مطر/ مطر/ مطر،/ ثم ماذا؟». دال الـ(ماذا) هو كناية عن مأزق أسلوبي وحالة قطيعة بين مرحلة ولت ومرحلة دشنها الشاعر مع من دشنها من شعراء «ملاعين» فقدوا أحلاما وتأملات بسبب «مائه الملوث» ووجدوا أنفسهم مقذوفين «في منفى ملطخ بدماء حيتان». ويقلب الشاعر دفة الديوان دون أن يغلق بهذا المقطع الذي يشف سيرة الذات وسيرة القصيدة في آن:
«قضيتُ سنواتٍ أُجاملُ أشجارا وحصى
حانَ وقتُ إغلاقِ بابي،
الجلوسُ مع نفسي وظلي
كي لا أشعرَ بالعزلةِ».

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية