المُغامرة «المستحيلة» للفن التشكيلي في الجزائر

16 - أكتوبر - 2020

2
حجم الخط

تاريخ ثقيل عرفه الفن التشكيلي في الجزائر، مرّ بمراحل نور قبل أن يغرق، في العقود الأخيرة، في عتمة لا يعلم أحد متى يحق له أن يخرج منها. تاريخ من الفن يزن أكثر من قرنين، فأول مدرسة للفنون الجميلة ارتفعت حيطانها، في عاصمة البلد، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، تعددت مُسمياتها وتغيرت إداراتها، قبل أن تصير «المدرسة العليا للفنون الجميلة»، مرّت فيها أجيال من فنانين فرنسيين وأوروبيين، وتخرج من ورشاتها أعلام الفن في البلد، عبد الحليم حمش، بشير يلس، شكري مسلي، امحمد إسياخم، دوني مارتيناز، بعزيز حماش، مختار جعفر، وصولاً إلى أرزقي العربي، مصطفى بوطاجين وغيرهم.
أجيال تلاحقت، ولا تزال تلك المدرسة على هيئتها الأولى، مصنع فنانين، لم يخفت حراكها، ولا تزال واحدة من النقاط الناصعة، يُضاف إليها التاريخ العتيق لمتحف الفنون الجميلة، الذي يكاد يمرّ قرن على فتح أبوابه، وقد ضمت تشكيلاته، في وقت سابق، كما ورد في أرشيفه، ليس فقط أعمال محليين، بل أيضاً أسماء عالمية تحسده عليها متاحف أجنبية، دولاكروا، ماتيس، رينوار، بدون أن نغفل أن معاهد تكوين الفنانين تناثرت شرقاً وغرباً، لم تعد حكراً على منطقة دون أخرى، ولم يعد يستعصي على شاب مبدع، أن يجد فرصة في الالتحاق بمؤسسة تكوينية في الفنون، بالمقابل لم يعد يثير فضول الناس تخرج طلبة فنون كل عام، بل صار حدثاً عابراً، بالكاد يشغل الاهتمام، لأن مصيرهم اتفق عليه الجميع، أو تقريباً، سوف يلتحقون بجحافل العاطلين عن العمل، إلا قلة منهم من المحظوظين، فالفن «لا يضمن لقمة لصاحبه»، الحياة في الجزائر لم تتخذ حيزاً، ولو صغيراً، يركن فيه من يحمل شهادة «فنان»، مع الوقت بات الأمر مقلقاً، كيف يعيش هؤلاء الفنانون؟ من أين يكسبون قوتهم؟ هل استسلموا إلى مغامرة الفن «المستحيلة» في بلدهم؟ بإمكان أي شخص أن يكسب عيشاً كريماً، بغض النظر عن تخصصه أو هوياته، بإمكانه أن يحلم أيضاً، عدا الفنان التشكيلي في الجزائر، فقد حُسم أمره وهو على علم بذلك، لكنه يصر على سلك طريقه. إلى متى يطول صبره؟

نشاط الفن التشكيلي يترافق طردياً مع القدرة الشرائية للفرد في البلد الذي يحيا فيه، قد يقول قائل إن هذه الفكرة ليست ـ بالضرورة ـ صائبة، فهناك بلدان تعرف أوضاعاً اقتصادية واجتماعية، ليست أفضل من الجزائر، مع ذلك فقد أفرزت سوقاً فنية، وتنتعش فيها تجارة الفن.

كي يواصل فنان تشكيلي شغله، فلا بد له من سوق، من قوانين وتنظيمات، من زبائن، من وسطاء وسماسرة أحياناً، وهي كلها عناصر غائبة في الجزائر، ولن تتوفر على الأقل في الأمد القريب. ففي بلد متوسط الدخل فيه لا يزال متدنياً، يُضاف إليه تراجع الدينار كل سنة، هل يعقل أن يفكر مواطن في شراء لوحة فنية تساوي راتبه السنوي أو يزيد؟ طبعاً الإجابة ستكون بالنفي.
نشاط الفن التشكيلي يترافق طردياً مع القدرة الشرائية للفرد في البلد الذي يحيا فيه، قد يقول قائل إن هذه الفكرة ليست ـ بالضرورة ـ صائبة، فهناك بلدان تعرف أوضاعاً اقتصادية واجتماعية، ليست أفضل من الجزائر، مع ذلك فقد أفرزت سوقاً فنية، وتنتعش فيها تجارة الفن، في الغالب فإن تلك البلدان تشهد حركة سياحية معقولة، فالفن التشكيلي يستلهم جزءاً لا بأس به من مبيعاته من حركة السياح والأجانب، بينما في الجزائر تكاد السياحة أن تكون قطاعاً نائماً، أرقامها مخجلة مقارنة بدول الجوار، فالبلد على الرغم مما كان عليه كوجهة محببة، في عقود مضت، بات خارج اهتمامات وكالات السفر وزبائنهم، ما أسس واقعاً تحولت فيه العملات الصعبة إلى عملات نادرة، وألزم الفن التشكيلي بأن يواصل قيلولته التي طالت، ماذا ستخسر الجزائر لو أنها استعادت حقها في تنشيط السياحة؟ إنها تبدو من الخارج كبلد غريب، منغلق على نفسه، غير مستقطب للأجانب، وهذا الوضع لن يضر الفنادق والمنتجعات وحدها، فالثقافة والفن أيضاً يتضرران، بحكم أن المواطن الجزائري يتعسر عليه اقتناء لوحة فنية، ولو مرة واحدة في عمره، كما أن الأجنبي غير متاح له أن يصل ويتجول في ساحل البلد أو صحرائه واقتناء ما تيسر له من لوحات، كتذكار أو من باب الإعجاب. لقد انتبه بعض الفنانين لهذا التفصيل المهم، لذلك لم يعد مستغرباً أن نشاهد لوحاتهم «مهربة» (بالمعنى المجازي) وتُعرض في دول الجوار، ليس لزبائن من تلك الدول، بل لسياح يقصدونها، أما من صادفه الحظ فيوصل أعماله إلى فرنسا، حيث القطاع يشهد حركية أفضل. ففي الجزائر، لن نعثر على مزاد فني، لن نقابل تلك المشاهد التي نحسد عليها غيرنا، حين يتجمع هواة الفن في صالات، قصد اقتناء عمل قديم أو حديث، كما إن الغاليريهات تضاءل عددها، من يُغامر اليوم بافتتاح غاليري في بلد يُعادي الفن التشكيلي؟ فلا جمهور لها سوى من فضوليين قليلي العدد، إنها تجربة محفوفة بالخسارات، لذلك فإن (غاليري( يُعد نشازاً في معمار المدينة الجزائرية، كما أن الحكومة تبدو أيضاً متحفظة في هذا الموضوع، قد تُبادر إلى إنشاء مكتبات صغيرة أو ترميم دار سينما، لكنها قليلاً ما تورط نفسها في مشروع غاليري.
لقد عرف الفن التشكيلي أزمات في العالم، أسوأها الأزمات الاقتصادية، التي تلقي بظلالها عليه لا محالة، لكنه سرعان ما يستفيق من غفوته، ويعود إلى وجاهته، كما أن مركزيات الفن قد تعددت، لم تعد فقط في باريس أو لندن، بل أهمها في أمريكا، وكذلك الصين باتت مركزاً فنياً أساسياً، بينما الجزائر ترتسم كاستثناء، على الرغم من زخمها التاريخي فإنها تشهد تصحراً في الحاضر، أزمتها مع الفن التشكيلي بدأت قبل عقود، ولا تريد أن تنتهي، هذا الحال يؤثر أيضاً في نتاجات الفنانين، ففي ظل انغلاق آفاقهم لا يشعرون بأنهم معنيين بالتجديد، بل يخضعون لاشتراطات وإملاءات ما تبقى لهم من زبائن، فقط ليبيعوا ما أمكنهم من لوحات، تكفيهم لمواصلة العيش، من بينهم فنانون انصرفوا إلى حرف ومهن أخرى، وتنازلوا عن شهاداتهم التي قضوا من أجلها سنوات في معاهد ومراكز التكوين الفنية.

٭ كاتب جزائري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • مصطفى- الجزائر الحبيبة

    شوف يا اخي نحن نرفض السياحة الخارجية جملة وتفصيلا لا نريد من هؤلاء الاجانب ان يدنسوا بلاد الشهداء المسقية بدمائهم ويجعلوها مكان لافراغ شهواتهم وحيوانيتهم عندنا نحن نملك الثروات الباطنية والمتجددة ما يغنينا عن دولارات السياحة التافهة فالفلاحة الصحراوية و الطاقة الشمسية لوحدهما كفيلة لجعلنا في مصاف الدول العظمى هذا وفقط عند التحرر من ربقة هذا النظام البائس الجاثم على صدورنا والذي من ورائه خرنسا


  • م .س

    مصر ورواج المعارض واقتناء اللوحات رغم الظروف المادية الصعبة مثالاً .


إشترك في قائمتنا البريدية