الناشط والعامل: هل سينتهي عصر «أنصار الحق»؟

أثار تعبير «الناشطية»Activism كثيراً من اللغط، خاصة في السياق الثقافي والسياسي الغربي، إذ لا يُعرف على وجه التحديد ما المقصود به؛ وفي الوقت نفسه بات اليوم هدفاً لكثير من النقد، بل يقترب أن يصبح نوعاً من الوصمة الاجتماعية والسياسية. ومع هذا ما يزال كثير من المتداخلين في الشأن العام يقدّمون أنفسهم بوصفهم «ناشطين» ويفخرون بذلك.
الانطباع العام حول «الناشطية» هو أنها نمط الفعل والأيديولوجيا المرتبط باليسار الأمريكي، والمجموعات المتأثّرة به حول العالم، خاصة أعضاء «المنظمات غير الحكومية» الفاعلة في مجالات مثل البيئة والنسوية ومناهضة العنصرية؛ فيما نقّادها الأساسيون من اليمين الشعبوي والمتطرّف، إلا أن هذا الانطباع غير دقيق، إذ أن كثيراً من أنصار اليمين قد يصفون أنفسهم أيضاً بـ«الناشطين»؛ ومن جهة أخرى فإن نقد الناشطية الأبرز، والأكثر قسوة، يأتي من صفوف تيارات مختلفة في اليسار.
قد يكون عام 1999 الانطلاقة الفعلية لنقد الناشطية اليساري، بالتزامن مع ما عُرف وقتها بـ«الكرنفال ضد الرأسمالية» وهو حدث نظّمه مناهضو العولمة في عدة مدن كبرى، احتجاجاً على قمة «مجموعة الدول الصناعية الثماني» في مدينة كولونيا الألمانية، أدى ذلك «الكرنفال» لاضطرابات عنيفة في لندن، بدت شديدة العبثية، وبعدها صدر كرّاس، فيه عدة نصوص، أهمها، وأكثرها إثارة للجدل، كان بعنوان «تخلَّ عن الناشطية» يلقي كاتبه المجهول اللوم على «عقلية الناشط» في فشل واضطراب الاحتجاجات اللندنية، وتلك العقلية، كما عرَّفها الكاتب، هي «نمط تفكير الناس، الذين يفهمون أنفسهم بوصفهم ناشطين في المقام الأول، ويعتبرون ذلك أساس صورتهم الذاتية» باختلاف عن أي إنسان «عادي» مثل العامل أو الطبيب أو المهندس، الذي يفهم ويعرّف ذاته على أساس محددات ومصالح وضعه الاجتماعي والمهني والطبقي.
تحركات الناشطين «كرنفالات» غالباً، أي إظهار احتفالي للذات، ضد عدو «موجود هناك» أي بعيداً عن ذواتهم، أو بتطهيرها منه. فهم لا يستطيعون أن يفهموا علاقات الاستغلال أو الظلم بوصفها جانباً من علاقة اجتماعية، بل شراً خارجياً، يجب مواجهته عبر إشهار الحق الكامل، بعيداً عن تفاصيل وتعقيدات الاجتماع والإنتاج الإنساني. إنه نوع من «التقسيم الهرمي العمل» حسب الكاتب، إذ يرى الناشط نفسه متخصصاً في «النشاط» لأنه الأفضل والأكثر أخلاقية، وبغض النظر عمّا يمتهنه في حياته الواقعية؛ فيما بقية البشر من العاملين، مجرّد موضوع لـ«التوعية» ومتورطون في «النظام» ولذلك يجب أن يسلّموا أمرهم لنشاط الناشطين. لكن ما الضرر الفعلي من أناس مفرطي الأخلاقية، يتعاطفون مع قضايا يرونها عادلة؟ وهل يمكن تفسير حضورهم السياسي والأيديولوجي الواسع بـ«عقلية الناشط» فقط؟ ثم لماذا تصبح الناشطية مشكلة في عصرنا؟

ماذا يريد الناشط؟

تصاعد الجدل حول الناشطية دفع كثيرين للبحث عن أصل المفردة، ورغم تضارب النتائج، فهناك شبه اتفاق على أن المصطلح من ابتكار الفيلسوف الألماني رودلف أويكن (1846-1926) الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1908، والذي رأى أن الفلسفة نوع من «الناشطية» أي جهدٌ مضنٍ يبذله البشر لتحقيق جوهرهم الروحي، وسط تعقيدات الطبيعة المادية. فيما بعد أُطلقت تسمية «الناشطين» على الأنصار المؤدلجين لدول المحور في الحرب العالمية الأولى (ألمانيا القيصرية، الإمبراطورية النمساوية المجرية، الدولة العثمانية، بلغاريا) ثم اختفى المصطلح من الاستخدام المكثّف لفترة طويلة من الزمن، بعد هزيمة تلك الدول في الحرب. عندما وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» في بداية الستينيات من القرن الماضي، كلاً من الفيلسوف برتراند راسل وعالم الاجتماع الأمريكي تشارلز رايت ميلز بـ«الناشطين» نظراً لمواقفها السياسية، احتجّ الأخير بقوة على ذلك الوصف، ورفض اعتبار نفسه «ناشطاً». فيما رأى كثير من اليساريين الأمريكيين، في تلك الفترة، أن وصفهم بـ«الناشطين» محاولة لتشويه سمعتهم من قبل اليمين. كان المسيّس والمهتم بالشأن العام آنذاك يفضّل وصف «المثقف» أو «النقابي» أو «المنظَّم».
كل هذا تغيّر في السبعينيات والثمانينيات، مع صعود الحركات الطلابية والنسوية والبيئية والمناهضة للعنصرية، التي رأت نفسها «فئات جديدة» لا تلتزم بأساليب التنظيم التقليدي والهرمي، المُميّز للحركات الحزبية والنقابية، فصار نموذج «الناشط» الفرد، المناهض لكل الهرميات، بما فيها هرمية التنظيمات الثورية، أساس التمرّد الاجتماعي الجديد. وربما أعاد «ناشطو» تلك الفترة، بوعي أو غير وعي، مفهوم «الناشط» إلى أصوله التي نجدها لدى أويكن: الفرد الأخلاقي، الذي يرى أن عوالم من الفساد، وترتيبات من السلطة، تمنع إحقاق الحق، وعلى الناشط أن يبذل كثيراً من الجهد الروحي في قلب العالم.

قد تكون إجابة عدد من الناشطين أن الهوية تنشأ نتيجة «التهميش» نفسه، بما يجعلها أقرب لردة فعل أو تمرّد على ترتيبات سلطوية عنيفة، إلا أن الموضوع لا يبدو «طاهراً» لهذه الدرجة.

بالطبع، لم يكن أويكن فيلسوفاً نجماً في النصف الثاني من القرن العشرين، وكثير من الناشطين لم يسمعوا عنه أصلاً، ولذلك فإن «الناشطية» المعاصرة لا تبدو منهجاً فلسفياً واعياً، بقدر ما هي تطور مناسب للظرف الاجتماعي، في حقبة التغيّرات الكبيرة، التي عرفتها الدول الغربية مع ما يُسمى «نزع التصنيع» والتمرّد العام على أبوية «دولة الرفاه». بدا وقتها أن القيادات النقابية البيروقراطية؛ والمناهج التقليدية للأحزاب السياسية؛ والقيادات الكارزمية لحركات الحقوق المدنية، لا يمكن أن تستوعب المرونة والتعددية الكبيرة لأوضاع الفئات الاجتماعية المتنوّعة، كما أنها تُقصي كثيراً من الهويات عن المشاركة في الحيز العام، وعلى رأسها النساء والمهاجرون والمثليون، فسعى الناشطون لما اعتبروه شبكات أفقية من التضامن والفعل السياسي، إلا أن تلك «الشبكات» كانت خارجية عن «المتن الاجتماعي» لحد كبير، فالناشط لا يرتبط عضوياً بمعمل أو حزب أو منطقة، بل متمرّد على كل تلك الأطر، وساعٍ لتحطيم «الأسوار» ولذلك هو فوق المجتمع الهرمي والظالم، أو ربما تحته، و«الحق» الذي يطالب به غير متعيّن، بل يبدو أقرب لمنظور متعالٍ حول التاريخ والمجتمع والهويات والأعراق، ولا توجد مرجعية جديّة له، سوى ذات الناشط نفسها، والمظلمة التي يقدمها عن تلك الذات.
صار تحديد «العدو» عندها شديد السهولة والأحادية، ما دام منفصلاً جذرياً وجوهرياً عن الناشطين، إنه الرجل الأبيض، الكولونيالي، الذكر المغاير، رأسماليو «الأمولة» الذين لا يشكّلون سوى نسبة 1% من المجتمع، إلخ. كل هؤلاء أشبه بذوات شريرة مخترقة للتاريخ، وجانب من عالم مادي تحديثي ظالم، لم يقم ويستقر إلا بظلم وتهميش الناشط، وهويته، التي يصعب معرفة كيف نشأت إذن. عبر حَبَل دون دَنَس مثلاً؟

ناشطية المنحة

قد تكون إجابة عدد من الناشطين أن الهوية تنشأ نتيجة «التهميش» نفسه، بما يجعلها أقرب لردة فعل أو تمرّد على ترتيبات سلطوية عنيفة، إلا أن الموضوع لا يبدو «طاهراً» لهذه الدرجة. أثار تارون خيتان رئيس قسم القانون العام في كلية الحقوق في جامعة لندن للاقتصاد (LSE) كثيراً من الجدل بين أوساط فقهاء القانون الدستوري، عندما ابتكر مصطلح scholactivism، وربما كانت الترجمة الأفضل له «ناشطية المنحة» وعنى به خيتان ميل بعض فقهاء القانون المستجدّين لصياغة دراسات ومرافعات، بناء على مواقف «ناشطية» مسبقة، وغالباً بدافع من منحة دراسية تلقوها، ذات اهتمام أو غاية معيّنة، وهذا، برأيه، يخلّ بشدة في العلاقة المعقّدة بين «الحقيقة» و«العدالة» فمهما كانت غاية الباحث/الناشط سامية، فإنها لا يجب أن تصرفه عن الأسس المنهجية الفعلية لعمله البحثي، فما بالك لو كان ذلك مدفوعاً بمنحة.
يمكن القول إن خيتان قد عَبّر في مجال شديد الحساسية، وهو القانون، عن مشكلة عامة في الناشطية المعاصرة، فالناشطون، الذين بدأوا بوصفهم مجموعات متمرّدة على المتن الاجتماعي، ومؤسساته الانضباطية، باتوا اليوم جانباً من «مؤسسة» فائقة التمويل، تُغدق المِنَح لغايات كثيرة يصعب حصرها. كيف يمكن لناشط متطهّر من فساد هرميات المجتمع أن يقبل بذلك؟

عودة لعالم الفساد

ربما تساعدنا إعادة قراءة نص «تخلَّ عن الناشطية» على الإجابة عن السؤال السابق، إذ يمكن للناشط، بسهولة و«أخلاقية» أن يتحلّل من كل ضرورة، تفرضها تعددية المواقع والمصالح الاجتماعية، ما دام، تعريفاً، غير عامل، أي غير ملتزم بموقع واضح في سياق عملية اجتماعية/إنتاجية معينة، ولا يحدد وجوده إلا ما يصرّح به عن هويته وتجربته الذاتية، وبالتالي يمكنه تبنّي أي منحة، تدعم الحق الواضح والكامل، المُحدد سلفاً؛ والتماهي معها تماماً في بناء ذاتيته، وبغض النظر عن أي تفصيلات أو تعقيدات، من التي يواجهها العاملون في دنياهم، والتي تضطرهم غالباً لكثير من المساومات، والتنازلات، والتوجّهات الاستهلاكية، بل السلوك والخيارات السياسية، التي لا تبدو أخلاقيتها ساطعة الوضوح.
حالياً، لم تعد الأغلبية الساحقة من البشر تملك ترف «الناشطية» أو الوصول إلى المِنَح، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية الكبرى، بل تعود إلى عالم التشوّش الأخلاقي والحياتي (وهو ما وجد فقه القانون لبحثه) في سياق أعمالها المُستجدّة. ينعكس هذا على هيئة نمو في الحراك النقابي حول العالم، الذي ينظّمه عمّال أقل طهارة من الناشطين.
كان جوهر العمل السياسي الحديث تحويل كتلة اجتماعية ما إلى قوة، «شعب» أو «طبقة» عبر البناء الصبور لمؤسسات اجتماعية قاعدية، ذات صفة تمثيلية، وهذا ما تسعى إليه النقابية الجديدة، ويصطدم بالذاتية الناشطية، وميلها الكرنفالي لـ«الحق» وربما لذلك سيحدد التوتر بين العامل والناشط جانباً مهماً من المستقبل.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية