النص الصوفي… بين فعل الإبداع ولذة التلقي

دأب المتصوفة على التوسل باللغة الرمزية، وخرق قاعدة اللغة العادية وانتهاك سياقها الاجتماعي والاصطلاحي لكي يفجروا مفهومها كلية، وأداة ذلك التفجير هي بناء الصورة الرمزية. وبذلك تمثل الكائنات صورا رمزية متعددة الدلالات، ويتطلب إدراكها وحدة كل القوى الإدراكية الإنسانية؛ إذ الأشكال الوجودية لا توجد إلا في علاقتها الفينومينولوجية بالوعي الصوفي، الذي يترصد العالم عبر الحواس. ومن هذا المنطلق فإن إدراك العالم الخارجي كمجال وأشكال وجودية متعددة الدلالة يقتضي من المَلكات الإنسانية أن تستوعب تلك الصور في تحولها المتجدد.
وعلى هذا الأساس فإننا لا نجد أوضح من النص التالي للاقتراب من مفهوم التلقي عند المتصوفة. يقول ابن عربي في الفتوحات المكية: فإن قلت: وما التلقي؟ قلنا: التلقي هو أخذك ما يرد من الحق عليك عند الترقي. فإن قلت: وما الترقي؟ قلنا: الترقي هو التنقل في الأحوال والمقامات والمعارف، نفسا وقلبا وحقا طلبا للتداني. فإن قلت: وما التداني؟ قلنا: التداني هو معراج المقربين إلى التدلي. فإن قلت: وما التدلي؟ قلنا: التدلي هو نزول الحق إليهم (المتصوفة) ونزولهم لمن هو دونهم سكينة. فإن قلت: وما السكينة؟ قلنا: السكينة ما تجده القلوب من الطمأنينة عند تنزل الغيب بالحرف. فإن قلت: وما الحرف؟ قلنا: الحرف هو ما يخاطبك به الحق من العبارات.
يتضح أن التلقي عند المتصوفة، هو رغبة المتلقي في الأخذ عن الباث، الذي هو الحق سبحانه، بواسطة الرقي بالنفس ومجاهدتها للتخلص من شهواتها وأهوائها، وهي أمور علقت بنفوس العامة لانشغالهم بغير ما خلقوا له. فهو معاناة شديدة تتوج بالقرب من الحق، فتعقب ذلك الطمأنينة التي يولدها في النفس تحقق خطاب الحق للمتلقي بالعبارات. والسلوك الصوفي ليس سلوكا أخلاقيا مجردا، لكنه سلوك مدفوع بهاجس إبداعي عميق، يخترق التجربة الصوفية برمتها، باعتبارها تجربة تجمع بين فعل الحياة، وفعل الإبداع الذي خلق التباعد مع اللغة الاجتماعية (لغة التواصل) والبحث عن لغة جديدة تنفلت من قيود المعيار الاجتماعي. ومن ثمة، فإن الخطاب الصوفي يتميز بازدواجية الظاهر والباطن؛ فالأول مستوى مباشر يسهل على القارئ إدراك معرفته، بينما الثاني مستوى غير مباشر يختفي وراء بواطن الصور التعبيرية.
يتبين أن اللغة الصوفية تستدعي من المتلقي كَد العقل وإِعْمَالَ الفكر، بهدف فهم الخطاب الصوفي، وكشف مفاهيمه وإبراز معانيه ودلالاته، لأن النص الصوفي لا يكتسب صبغته الصوفية من معرفتنا المسبقة بصوفية الباث، بل من قدرته على الانفتاح على جهاز قراءة تبلورت مفاهيمه ضمن تصور وجودي صوفي. ومن هذه الناحية أصبحت النصوص الصوفية تتضمن طاقة جمالية كامنة تقبل الانفتاح على دلالات موازية صوفية؛ إذ كلما كان النص الفني متضمنا لطاقة جمالية كثيفة، انفتح على القراءة التأويلية المبدعة والخلاقة. لأن الغاية من الدراسة الأدبية ليست هي الأدب كله، وإنما هي أدبيته؛ أي ما يجعل منه إبداعا أدبيا. ولهذا فإن النص الصوفي يتطلب قارئا قادرا على تفجير الطاقة الجمالية الكامنة، من خلال تفاعله مع النص تفاعلا مبنيا على مراعاة خصوصية نظامه.

اللغة الصوفية تستدعي من المتلقي كَد العقل وإِعْمَالَ الفكر، بهدف فهم الخطاب الصوفي، وكشف مفاهيمه وإبراز معانيه ودلالاته، لأن النص الصوفي لا يكتسب صبغته الصوفية من معرفتنا المسبقة بصوفية الباث، بل من قدرته على الانفتاح على جهاز قراءة تبلورت مفاهيمه ضمن تصور وجودي صوفي.

وتجدر الإشارة إلى أن المتلقي يعد طرفا مشاركا في الخطاب الصوفي، فهو يختلف عن المتلقي التقليدي، الذي يتوقف عند حدود التواصل الأفقي اللفظي، فيطرب لذلك وتنتهي علاقته بالقصيدة، لأن الفرق الأساس بين الخطاب والرمز لا يكمن في الطابع اللغوي، وإنما يبرز من كون المعنى الحقيقي والمعنى المجازي يوجدان معا في الخطاب، بينما لا يوجد سوى أحدهما في الاستثارة الرمزية، ومن ثمة فالمتلقي يفهم الخطاب غير أنه يقوم بتأويل الرموز. وهذه الصلة بين الرمزية والتأويل هي التي تحتم على كل قارئ للنص الصوفي أن يتوسل بمنهج التأويل، ومن هنا، يغدو الرمز مدخلا مركزيا للضرورة التأويلية عبر فعل التلقي نفسه، غير أن هذه الضرورة التأويلية، لا يحددها الإنتاج النصي وحده، وإنما تنبع أيضا من رغبة المتلقي وإرادته، لأن التأويل الرمزي استراتيجية تأويلية منطلقها المتلقي وموقعها النص.
يتضح أن التأويل يفرض نفسه أداة فعالة لقراءة النص الصوفي الرمزي، ويصبح بديلا للتفسير، لأن القراءة الصوفية تتجسد من خلال صرف الظاهر واعتماد الباطن لفهم النصوص وفق دلالتها الأصلية. كما أن التأويل يتخذ مشروعيته، في النص الصوفي، انطلاقا من ثنائية الظاهر والباطن، ما يفرض على المتلقي الكشف عن المعنى الباطني. وهذا كله، يستدعي منه أن يستضيف النص، ويعقد معه وشائج حميمة ليتعاونا معا على إنجاز مهمة الفهم والتأويل. ويعني هذا أن العلاقة بين القارئ والنص لا تسير في اتجاه واحد فقط، وإنما هي علاقة تسير في اتجاهين متبادلين: من القارئ إلى النص، ومن النص إلى القارئ، إذ يعد المتلقي عنصرا فعالا، يقوم بينه وبين النص الجمالي تواصل وتفاعل فني ينتج عنهما تأثر نفسي ودهشة انفعالية، فتفسير وتأويل، ثم حكم جمالي، استنادا إلى موضوع جمالي ذي علاقة بالوعي الجمعي. وهذا يعني أن القيمة الجمالية ليست حكرا على العمل الفني منعزلا عن السياق الثقافي للمبدع، كما أن رسالة النص ليست الحدث الوحيد الذي يجسد هذه القيمة، فهناك تفاعل المتلقي وردود أفعاله، إزاء الرسالة، حين يتأملها ويشرحها، ثم يحقق قيمتها الجمالية في شكل موضوع جمالي، يكون متجذرا في الوعي الجمالي أكثر من الوعي الذاتي. ومن ثمة، فالعلاقة بين التلقي والقراءة تتمثل في كونها فعلا إبداعيا «يُكَوّن أو يُوَلّدُ الدلالة النصية التي لا تُقَدم إلا على أنها نتيجة للحدث المتبادل بين الإشارات النصية وكفاءة القارئ.
إن الإنسان أثناء عملية الإبداع يعبر بالضرورة عن غرائزه ومكبوتاته، لذا فالنص الصوفي يرتبط بالأسلوب الرمزي، الذي يهدف من ورائه الكاتب إلى تحقيق المتعة، وتحصيل اللذة لدى المتلقي، ذلك أن قيمة عمل ما ومرتبته لا تستنبطان من الظروف البيوغرافية أو التاريخية لنشأته، ولا من موقعه فحسب ضمن تطور الجنس الذي ينتمي إليه، بل من معايير أدق من ذلك، هي وقع هذا العمل وتلقيه وتأثيره وقيمته التي تعترف له بها الأجيال القادمة.
وإذا كنا نقر مع ياوس بأن أي قراءة هي قراءة نسبية، وبأنه لا يحق للقارئ الأبستمولوجي، وهو يعيد كتابة تاريخ نص ما، أن ينفي أو يرفض المعنى أو المعاني التي يتوصل إليها القراء المتعاقبون، فإننا مع ذلك نقر بأن النص الصوفي قد استطاع أن يخرج من دائرة التقليد إلى فضاء الإبداع، لأن الباث الصوفي يسعى إلى تجاوز نسخ الواقع في صورة بسيطة وساذجة.
نستخلص مما سبق، أن الرمز قوة إيحائية تتيح التفكير في شيء آخر لا يقوله النص، لهذا انفتحت التجربة الصوفية على روافد ثقافية مختلفة، وعملت على استلهام رموزها، ما مكن النصوص من تخصيب دلالاتها العميقة وتوسيع مداها. وتبعا لذلك، ندعو قارئ الخطاب الصوفي إلى الارتكان إلى المخيلة وطاقتها الإبداعية، التي تتجاوز استنساخ الواقع إلى استشراف المجهول والعمق في الوجود الإنساني والطبيعي، بهدف قراءة الخطاب الصوفي، قراءة تعتمد المعطيات اللغوية المرتبطة بالحياة الواقعية والتجربة اليومية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية