النقد الثقافي والمقاربات النسوية

تتلبس صورة المرأة أو الأنثى عامة، في تراثنا، وفي تراث شعوب أخرى كثيرة، بلبُوس لغة الاستعارة فهي تحط من شأن المرأة على قدر ما تُعلي منها؛ وتنتقم للجسد الغائب أو المستلب في البنى والعلائق الاجتماعية ـ الثقافية السائدة، فتضخمه وترفعه إلى مستوى الألوهية. وقد يحمل ذلك على أنه صقل للذات النسوية وإعادة اعتبار للشخصية الفردية المطموسة، حيث لا سلطة إلا سلطة الذكر، أو على أن في فك العلائق الاجتماعية؛ إقرارا بالحرية الفردية وبسلطة المثل الأعلى.
وفي هذا السياق تُطرح مسألة «البطريركية» التي تستأثر بمقاربات النقد الثقافي وطروحاته عند الكتاب والمفكرين العرب. وهي تعني في أصولها اليونانية «حكم الأب» أو «سلطان الأب». وكان هشام شرابي قد استخدم «البطركية» بدل «البطريركية» كما في كتابه «البنية البطركية» المنشور في أواخر الثمانينيات. وأقدر أنه فعل ذلك عن دراية بلطائف العربية، إذ تخير صيغة صرفية عربية مناسبة، وفضله على «الأبوية» و»النظام الأبوي» الذي سعى إلى تفكيكه بمهارة العالم المتمكن من أدواته وموضوعاته، من غير أن يغفل مؤثرات النقد النسوي التي ألمت به؛ أكانت عربية أم غربية، ومؤثرات الطفولة في مجتمع عربي لا سلطان فيه عادة إلا للأب الذي كان يمثل له في كل مراحل حياته، كما يقول، خاصة في الطفولة التي ارتبطت لديه بالفردوس المفقود.
وهي دراسات قد تتلاقى عند أكثر هؤلاء العرب أكثر مما تتفارق، إذ تعود بنا إلى عالم العشيرة أو القوم الرحل؛ حيث سلطان الذكر الذي يزيح كل من ينافسه على ملكية الإناث. وهذا الأب «الأولي» إنما هو يتجلى في كامل قوته أو قدرته، ولا قانون يحتكم إليه سوى متعته اللامحدودة الملغزة، أو الطريقة الرادعة التي يبسط بها سلطانه المطلق. والحق هو ليس أبا إلا في عالم الاستعارات، خاصة أنه يقع خارج أي نسب أو نسل. فهو مصدر نفسه أو أصل نفسه أو هو قانونه الخاص.
على أن هناك أنظمة أخرى عرفتها المجتمعات مثل «النظام الأمومي» أو ما يمكن تسميته «البطريركية الأمومية». ونحن العرب نظلم أنفسنا كثيرا على نحو ما يفعل الغذامي، عندما نجزم بأننا جميعا ندين بـ«البطريركية الأبوية» وكأن المجتمعات الأخرى أو جلها أمومي أو هي تقر بالمساواة التامة بين المرأة والرجل. فقد أدانت سيمون دو بوفوار «الأيديولوجيا» المسيحية، وقالت إن مرد القهر الاجتماعي الذي تعانيه المرأة الغربية، إلى هذه الأيديولوجيا. وفي أواخر القرن الماضي، رفعت حركة نساء اليوم الفرنسية شعارا مثيرا، لكنه سائغ أو مقبول في مجتمع لائكي: «هل يخشى الله المرأة؟». وكثير من السؤال جواب، فهذا الشعار، إدانة لا تخفى، لرؤية مسيحية للمرأة. وبينت ماري دالي في كلامها على اللغة الواصفة أو «الكلام على الكلام»؛ في الكتب الدينية المقدسة، كيف أن الخطاب الديني هو مسند أبدا إلى ذكر أو مذكر، وموجه إلى مخاطب ذكر. وخلصت إلى القول: «إذا كان الله ذكرا، فعندئذ سوف يكون كل ذكر إلها». ولا يتسع المجال هنا للخوض في قضايا التأنيث والتذكير، والمؤنث اللفظي الذي تسمه علامات التأنيث أي التاء المربوطة والألف المقصورة والألف الممدودة، والمؤنث المعنوي الذي يخلو منها؛ وما هو حقيقي وما هو مجازي، أو أن التذكير هو الأصل في الأسماء، والتأنيث هو الفرع؛ فهذا مبحث قائم بذاته؛ كنا نتوقع أن تتعمق الباحثة في تحليله أكثر، وتدفع به قُدُما. وأثبّت هنا ما ذكرته التونسية إقبال الغربي من أن العلاقة بين المرأة اتسمت في الديانات التوحيدية، بنوع من التوتر، وأن جل المقاربات النسوية تذهب إلى أن الفكر الديني ـ وهو ليس الدين ـ معادٍ في جوهره للمرأة.
وفي هذا السياق الحضاري الملتبس، قد يجد المصطلح المذكور أعلاه، مسوغا له، على الرغم من أن «البطريركية النسوية» نوع من «الأوكسيمور» أو «الضديد» كما نترجمه في تونس، وإن كنت أجد له مقابلا أوْفَى دلالة، عند حازم القرطاجني؛ هو «الاختلاق الامتناعي» أي ما يجمع بين ضديديْن، يمكن تصورهما، لكن دون أن ينهض لهما سند في الأعيان أو في الواقع. والحق أن المصطلح الذائع في العقود الأخيرة هو «الإسلام النسوي» أو «النسوية الإسلامية» وهو مصطلح تركي النشأة على ما يرجح الدارسون، وحجتهم كتاب نوليفر غول «الحداثة المحظورة» (1999) إذ هي أول من استخدمه. وكان من الطبيعي أن يعترض عليه كثيرون لا يجدون أي مسوغ للربط بين الإسلام والحركات النسوية؛ فلكل منهما سياقه المخصوص ومرجعياته. بل هي «نسويات إسلامية» تطرح من القضايا والإشكالات أكثر مما تقدم من الحلول؛ وتختلف كما تقول إقبال الغربي باختلاف السياق السياسي والاجتماعي.

إن الثقافة تفعل بنا بروية أو قصد؛ أو دونهما، وتتسلط علينا وتتصرف بعقولنا، فتغيرها من حال إلى حال؛ وكأن الجدلية الناظمة لها ولنا، ليست أكثر من جدلية الزوج القائم في زوجه المضاد له.

لكن لا خلاف في أن أكثر المضطلِعات بهذه «النسوية الإسلامية» أكاديميات «علمانيات» يطرحن هذا الخطاب «للإحالة على البدائل الإسلامية للحركات النسوية الغربية» وبعضهن يرى أن الإسلام طريق سالك لبلوغ المساواة بين الجنسين. ويمكن أن نذكر منهن فاطمة المرنيسي في «الحريم السياسي» و «ما وراء الحجاب» وهي تستخدم المصطلح «بطريركية» بمعنى «أبوة»؛ وتسلم به في صيغة تنم عن «تعميم» ما، لا يأخذ بالحسبان حجب الزمان والمكان، أو هي تأخذ بقوانين كلية، أو هي تعنى بالقيمة في ذاتها ولذاتها، وتراعي المعادلة الصعبة بين الخاص والعام. ولعله ثمرة إحساسها وتفكيرها، وليس من حقنا أن نطالبها بعرض الأنساق في تراتبها الزمني؛ وهي التي تكتب تاريخ الحريم، بوعي تاريخي حاد أعني وعي المستقبل؛ أو الاتجاه الذي يتجهه التاريخ. وربما يتجلى هذا في قراءتها الذكية لبعض الأحاديث النبوية التي تمنع في الظاهر تولي المرأة الولايات العامة، أو مشاركة المرأة في العمل السياسي أو الشأن العام، بعبارتنا اليوم. والمقصود هنا الحديث الذي رواه الصحابي أبو بكرة الثقفي (ت.51 هـ) عن النبي لما بلغه أن أهل فارس ولوا أمرهم بنت كسرى. وهو عند البخاري «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» وفي مسند أحمد «لن يفلح قوم تملكهم امرأة». ولم يروِه سواه. والمرنيسي لا تقبل بهذه الرواية، وتسوق حجة منع الخليفة عمر شهادة أبي بكرة في شبهة زنى أو قضية زنى أبي المغيرة، وحرصه على بناء الأسرة الإسلامية من منظور بطريركي؛ وتعتبر ذلك ضربا من التحديث.

وإذا كان ثمة اعتراض وجيه على هذه الصورة، فمرده إلى مظاهر التضخيم التي كثيرا ما تتخذ طابعا سحريا، وفي القول بانقلاب الأعيان بدل نمائها وتطورها. لكن هذا الاعتراض ينبغي أن لا يحجب تلك المظاهر الايجابية في الصوفية مثلا؛ فهي التي احتفت بالأنثى الكونية الخالقة، وأحلت المرأة محلا كبيرا في مدارج الترقي، فساوتها بالرجل، بل جعلتها متفوقة عليه. يقول ابن عربي في فتوحاته المكية: «إن الإنسان ابن أمه حقيقة والروح ابن طبيعة بدنه، وهي أمه التي أرضعته ونشأ في بطنها وتغذى بدمها، وإن من وفقه الله ولزم عبوديته؛ رجح جانب أمه، لأنها أحق به لظهور نشأته ووجود عينه؛ فهو لأبيه ابن فراش، وهو ابن لأمه حقيقة».

إن الثقافة تفعل بنا بروية أو قصد؛ أو دونهما، وتتسلط علينا وتتصرف بعقولنا، فتغيرها من حال إلى حال؛ وكأن الجدلية الناظمة لها ولنا، ليست أكثر من جدلية الزوج القائم في زوجه المضاد له. ثمة إذن المعرفة التاريخية والأساطير والآداب وممارسات السلطة السياسية والتمثلات الجماعية [المخيال]. ونعرف أن السوسيولوجيا اهتمت في النصف الأول من القرن الماضي، بالعمل الإدماجي الذي يمكن أن تنهض به الثقافة والقراءة. وربما كان ذلك، من منظور تاريخي، في أمريكا؛ من أجل توحيد القيم والمراجع الأيديولوجية والدينية والتاريخية، وجسر الهوة بين الإثنيات والعناصر القومية المختلفة، أو ما يُسمى «الخليط البشري» كما هو الشأن في بلدان عربية غير قليلة، لكن لا يجوز أن نجعل أيا منها تحل محل الخطاب التاريخي العقلاني أو التفكير العقلاني؛ فالحاضر إنما يضطلع بمسؤولية مساءلة الماضي ونفسه معا، وليس العكس وإلا فإن الأمر يكون عبثا منطقيا وإتلافا للزمن؛ فلا يمكن للفكر العربي الحديث أن يكون، اليوم، حديثا بحق إلا إذا تعاطى مع السلف بوصفه أسبقية في الزمن لا بوصفه سلف الوصاية، ومع الحاضر من منظور القيم الكونية، وما استجد من مناهج ومباحث ومقاربات. وهذا ما يحمد للغذامي وأمثاله مثل هشام شرابي وأدونيس وعبد المجيد الشرفي والجابري وفاطمة المرنيسي… لكن دون أن نغفل السؤال المطروح: كيف نتعامل مع هذا التراث في كليته تعاملا نقديا يعيد إليه تاريخيته ويضمن له انسجامه ونسبيته؟
ومنه يتفرع سؤال سوسيولوجية الثقافة في علاقتها بسوسيولوجية القراءة: ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ بل ما جدوى القراءة؟

كاتب وشاعر تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية