النكبة الفلسطينية… ما أشبه اليوم بالبارحة

في ذكرى النكبة 76 وعندما نرى ما يحدث اليوم في قطاع غزة من إبادة جماعية نقول ما أشبه اليوم بالبارحة وكأن التاريخ يعيد نفسه حيث أن ما يحدث هو نكبة جديدة ضد شعبنا الفلسطيني لذلك نعيد التذكير بالنكبة للأجيال الجديدة ولمن نسوا أو تناسوا فلسطين وقضيتها.
إنها النكبة، ذلك المصطلح الذي أطلقه الفلسطينيون على مأساتهم في 15 أيار/مايو 1948، بعد استكمال الحركة الصهيونية بتهجيرهم من أرضهم، وإقامة ما تدعى اليوم “دولة إسرائيل” وقد مر أكثر من 75 عاما.
كانت البداية في عام 1799، عندما دعا نابليون بونابرت خلال الحملة الفرنسية على مصر، إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين، إلا أن خطته لم تلق النجاح في حينه، لكنها شكلت شارة الانطلاق، فكرر البريطانيون الدعوة ذاتها في القرن التاسع عشر، خلال المؤتمر الصهيوني.

سقوط الإمبراطورية العثمانية

كان لسقوط الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، الأثر البارز في اتجاه تنفيذ المخططات تلك، إذ عمل الانتداب البريطاني في فلسطين على تهيئة الظروف كافة للمخطط الأكبر الذي يذوق الشعب الفلسطيني ويلاته حتى يومنا هذا. ففي عام 1917 صدر وعد بلفور، الذي منح بموجبه من لا يملك (وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور) أرض فلسطين لمن لا يستحق (اليهود) لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وشكل ذلك الوعد المشؤوم، بداية لنقل اليهود من شتى أقطار الأرض إلى فلسطين، بمساعدة الانتداب البريطاني، الذي بدأ فعليا في مواجهة التحرك الشعبي الفلسطيني ضد مخطط احتلال أرضهم.
في عام 1936، اندلعت ثورة شعبية على أرض فلسطين، سرعان ما سحقتها القوة البريطانية، بعد سنتين من انطلاقها، استمر بعد ذلك تنفيذ المخطط الأكبر، وفي الـ29 من نوفمبر/تشرين الثاني 1947 أقرت الأمم المتحدة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية. شكل اليهود حينها ثلث السكان في فلسطين، أغلبيتهم قدموا من أوروبا خلال السنوات القليلة التي سبقت قرار التقسيم، وعلى الأرض، كان اليهود يسيطرون على مساحة لا تتعدى 6 في المئة فقط من دولة فلسطين التاريخية، إلا أن الخطة المقترحة من قبل الأمم المتحدة خصصت لهم ما نسبته 55 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية، رفض الشعب الفلسطيني والعربي الخطة المقترحة، بينما وافقت عليها الحركة الصهيونية، كمبدأ، إلا أن أطماعها بالاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية استمرت.
ومع بداية عام 1948، نشطت العصابات الصهيونية في الأرض المحتلة، وبدأت بتنفيذ مجازر بحق السكان الأصليين من الفلسطينيين، بتواطؤ بريطاني، مما أدى إلى حدوث الهجرة الكبرى، عشرات المدن والقرى الفلسطينية تم طرد سكانها منها بقوة السلاح، وإحلال اليهود مكانهم في مستوطنات تحول سكانها إلى يهود فقط ومدن أخرى تحولت إلى مدن مختلطة وذلك بعد المجازر التي راح ضحيتها الآلاف من الفلسطينيين المدنيين العزل من أطفال ونساء ورجال. سيطرت العصابات الصهيونية على 774 قرية ومدينة فلسطينية، ودمرت 531 منها بالكامل، وطمست معالمها الحضارية والتاريخية، وما تبقى تم إخضاعه إلى كيان الاحتلال وقوانينه وشهد عام النكبة أكثر من 70 مجزرة نفذتها العصابات الصهيونية، التي أمدتها بريطانيا بالسلاح والدعم، كمجازر دير ياسين والطنطورة وحيفا وغيرها، إضافة إلى شهداء المعارك بين المقاومين الفلسطينيين والجيوش العربية من جهة والاحتلال الإسرائيلي من الجهة أخرى. وفي الـ14 من مايو/أيار 1948 قرر البريطانيون إنهاء انتدابهم لفلسطين، وفي اليوم نفسه أعلن رئيس الوكالة الصهيونية ديفيد بن غوريون “إقامة دولة إسرائيل”. وفي اليوم التالي 15 أيار/مايو، أعلن الفلسطينيون يوم نكبتهم. لم يكتف الاحتلال بذلك، بل احتل كامل أرض فلسطين عام 1967، ولا يزال – على مدار 70 عاما – يحاول طمس الهوية الفلسطينية وتصفية قضيتها، عبر العديد من المؤامرات والاتفاقيات متمثلة بصفقة القرن وغيرها التي لا تعترف بحق العودة وتنتزع القدس من يد أصحابها، وتقر بالمستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية وفي القدس وكل فلسطين.

الاستيطان الروتشيلدي

انتهج الاستيطان اليهودي فلسفة أساسها الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، بعد طرد سكانها الأصليين بحجج ودعاوى دينية وتاريخية مزعومة، والترويج لمقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. وقد سعت “الحركة الصهيونية” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للسيطرة على أكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية وشهدت فترة الدولة العثمانية أولى مراحل الاستيطان، ولا سيما بعد انعقاد مؤتمر لندن عام 1840. واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1882، وأطلق البعض عليها اسم “الاستيطان الروتشيلدي” نسبة إلى المليونير اليهودي البريطاني ليونيل دي روتشيلد، الذي تولى إنشاء المستوطنات في هذه الفترة، حتى وصل عددها إلى 39 مستوطنة يسكنها 12 ألف يهودي. ورغم عدم ترحيب الدولة العثمانية بالاستيطان اليهودي في فلسطين، إلا أن نظام حيازة الأراضي في فلسطين في العهد العثماني ساعد على توسيعه، حيث استغلت المنظمات اليهودية العالمية كل الظروف لتكثيف الاستيطان وترحيل يهود العالم إلى فلسطين.
وتعتبر مرحلة الانتداب البريطاني المرحلة الذهبية للاستيطان حيث دخلت بريطانيا فلسطين وهي ملتزمة بوعد بلفور، وبذلك أصبح الاستيطان اليهودي يتم تحت رقابة دولة عظمى عملت على مساندته وتدعيمه. في هذه المرحلة خضع الاستيطان لاعتبارات سياسية واستراتيجية، فأقيمت مستوطنات في مناطق استراتيجية، وكانت على شكل مجتمعات مغلقة “غيتو”.
ومع صدور الكتاب الأبيض سنة 1930، الذي أقر تقسيم الدولتين، وحدد أعداد اليهود المسموح لهم بالهجرة خلال السنوات الأربع اللاحقة، قررت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان في المناطق التي لم يسكنها اليهود، لتشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة في حالة حصول تقسيم لفلسطين.
وتميزت السياسة الاستيطانية خلال فترة الانتداب بتوزيع المستوطنات الزراعية توزيعا استراتيجيا على حدود الدول العربية المتاخمة لفلسطين، حيث أقيمت 12 مستوطنة على حدود الأردن، ومثلها على حدود لبنان، وأقيمت ثماني مستوطنات على حدود مصر، وسبع على حدود سوريا.
وكثفت المنظمة الصهيونية في السنوات السابقة لقيام إسرائيل الاستيطان في السهل الساحلي بين حيفا (شمال غرب القدس) ويافا (غربا)، كما تملكت مساحات كبيرة في القسم الشمالي من فلسطين وخاصة في سهل الحولة، وإلى الجنوب من بحيرة طبريا على طول نهر الأردن وعند مصبه.
وتوسعت أملاك اليهود في منطقة القدس، وفى ضواحي بئر السبع، والنقب الشمالي ومنطقة غزة، ففي الفترة ما بين 1939-1948 أقيمت 79 مستوطنة على مساحة تجاوزت مليوني دونم.
أدرك الفلسطينيون والعرب مخاطر الاستيطان وهجرة اليهود، فسعوا لمواجهة هذا المخطط في وقت مبكر، وأسسوا عددا من الأحزاب والجماعات، لمقاومة الهجرة اليهودية، وتأسست في بيروت جمعية تحت مسمى “الشبيبة النابلسية” والتي شكلت بدورها جمعية “الفاروق” التي اتخذت من القدس مقرا لها، وهدفت إلى الكشف عن الخطر الصهيوني في المنطقة ومجابهته.
لكن اليقظة الفلسطينية والعربية لم تمنع تزايد الهجرة، لأن موقف الحركة الوطنية في حينه، كان يراهن على إمكانية تغير موقف الحكومة البريطانية الداعم للمشروع الصهيوني من جهة، كما أن الأحزاب السياسية الفلسطينية كانت تعيش صراعا على القيادة أضعف دورها في مواجهة مخطط التهويد.
لقد كانت نكبة 1948 حدثا أسس لكارثة الشعب الفلسطيني، المتمثلة بسلسلة من الأحداث المأساوية التي تظهر أكبر تجلياتها في لجوء الفلسطينيين وتشردهم المتواصل: من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عدوان الخامس من حزيران/ يونيو 1967، ومن لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي صيف سنة 1982، وحروب المخيمات وغيرها من أحداث الانتفاضة الأولى والثانية.
وإذا كان الفلسطينيون في مخيمات لجوئهم في الأرض المحتلة وبلدان الشتات وفي دول الاغتراب البعيدة، يحيون يوم النكبة بتنظيم مسيرات العودة والاعتصامات والمظاهرات ، فإن الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم داخل الخط الأخضر يقفون أيضا في هذا اليوم على أطلال قراهم المدمرة، إذ تقوم لجان الدفاع عن حقوق المهجرين بتنظيم مسيرة العودة إلى القرى الفلسطينية المهدمة والمهجرة أمثال اقرت وكفربرعم واجزم وصبارين وصفورية والبروة والدامون واللجون… وغيرها الكثير الكثير، هذه المسيرة التي غدت تقليدا سنويا يعبّرون من خلاله عن رفضهم لمشاريع الاقتلاع والتشريد، وعن تمسكهم بحق العودة الى هذه القرى. وباشتراك فلسطينيي الداخل والشتات في إحياء الذكرى، إنما يؤكدون وحدتهم كشعب، ويجددون تمسكهم الثابت بحقوقهم التاريخية، وخصوصا حق العودة.
*
كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول زياد:

    شكرا لك علي هذه المعلومات القيمة التي اشرت لها
    لكن القضيه تبقى حق والحق لا يضيع مهما طال الزمان فنحن الذين لم نراها لكننا سمعنا بها من الأهل وحدثونا عن اراضينا التي تركوها وألم يملأ قلوبهم وحدثني والدي عن ان والده كان يبكي ويقول له لمن سنترك هذه الأراضي رغم ذلك فنحن على يقين بالعوده اليها برغم المنا نحن الذين لم نراها

  2. يقول فصل الخطاب:

    طوفان الأقصى المبارك يا مبارك حرر العقول البائسة التي تحلم بتقاسم أرض فلسطين مع الصهاينة الملاعين منذ 1948 وهم يكذبون على الفلسطينيين ويعدونهم بدولة لن تر النور إلا بكلمة الله أكبر و الرشاش ✌️🇵🇸☹️☝️🐒🚀🐒🚀🐒🚀🐒🚀

  3. يقول عامر عريم:

    التشابه والفرق بين اليوم والبارحة. ما عدا قليل من الدول العربية فان غالبيتها تهتم بمصالحها وتسعى إلى ارضاء الدول الكبرى ودعمها لكفاح الشعب الفلسطيني لا يتجاوز التصريحات. ولكن اليوم اخذ الشعب الفلسطيني زمام الامور بيده وهو يواجه المحاولات الإسرائيلية لطرده من ارضه بكفاح ابناءه ولو ان الثمن غالياً ولكنه سينتصر باذن الله.

اشترك في قائمتنا البريدية