الوحش الجريح

حجم الخط
5

ابتداءً من صبيحة السّبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحوّل نتنياهو من رئيس وزراء عنصري يحيط به عدد من الوزراء الفاشيين الأغبياء إلى وحش جريح، فقد أهين وضُرب على قفاه ونُكّل به وبمن حوله. إنهم أولئك الذين يتباهون بجبروتهم وقدراتهم غير المحدودة في السَّيطرة وإخضاع الفلسطينيين والتفنُّن في إذلالهم، وهم الذين ظنّوا أن بقدرتهم تجاهل القضية الفلسطينية إلى الأبد، بلا دفع الثمن.
فجأة وخلال ساعات قليلة تلقي بهم حركة المقاومة إلى خانة الذُّل والصراخ، وطلب النجدة من الأخ الكبير، أصبح ملك إسرائيل بلا تاج، ولعبة للتسلية، أصبح خلال ساعة أكبر مهزلة أمنية وسياسية في تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها، ولهذا فهو يريد أن يقتل آلافاً من المدنيين بمن فيهم مئات الأطفال والنساء، ولكنه لن ينقذ ارتباط اسمه بأسوأ هزيمة تلقتها إسرائيل منذ تأسيسها، والآن سوف يرتبط كذلك بأكثر مجازر إسرائيل همجية إلى جانب مجرمي مجازر صبرا وشاتيلا ودير ياسين وكفر قاسم وبحر البقر وأبو زعبل والحرم الإبراهيمي. أما وزير دفاعه غالانت، فلم يتردّد عن إعلانه ونيّته ارتكاب جرائم حرب على مسمع ومرأى العالم، ويعلن قطع المياه والوقود والتموين عن مليوني مواطن وصفهم بالحيوانات.
يتكرّمون بالسَّماح لبضعة آلاف من مليونيّ محاصر بالخروج إلى العمل في مدن وتعاونيات ومزارع البلد الذي يحاصرهم. إنّهم يمنعون أو يمنحون هذا أو ذاك من الغزيين حق العلاج في مستشفيات إسرائيل المتقدّمة، وهذا العلاج بدوره تحوّل إلى تجارة في آلام الغزيين، وكم انتشر المرض في جسد هذا وذاك حتى قضى نحبه قبل أن تصله تأشيرة الخروج للعلاج، وكم وقف نساء ورجال ساعات على معبر إيرز حاضنين أطفالهم المرضى للعبور، وفي كل زيارة علاجية يحتاجون إلى تصريح من جديد، حتى يصبح الموت رحمة.

وهم العيش بسلام مع استمرار الاحتلال والحصار، والتنكُّر لحقوق الفلسطينيين التي أقرتها الشرعية الدولية مراراً منذ عقود، لن يجلب سوى الكوارث

هنالك جيلٌ صار في العشرين من عمره لم يخرج منها ولو مرّة واحدة، وهناك من بلغ الثلاثين ولم يعرف من الدُّنيا سوى هذه المنطقة، وفيها شرائح واسعة لا تجد قوت يومها، خريجو جامعات مستعدون للعمل بأي عمل كان، مقابل بضعة شواقل فقط لتوفير الخبز والخضار. حصار قطاع غزة بات حالة روتينية طبيعية، أصبح الغزّيون معزولين عن العالم الخارجي إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لا أحد يألم لآلامهم ومعاناتهم، وعندما يستطيع بعضهم الخروج من المعابر يهان، ولا يعامل كإنسان. انظروا إلى الصُّور والتسجيلات من معبر إيرز كيف يعامَلون، كما لو كانوا أقلَّ من البشر! ولهذا شكّل اقتحام إيرز انتقاماً لمئات آلاف ممن أهينوا على قضبان بوابته الضيقة وفي غرفه. محظوظ من يحصل على تصريح عمل في داخل إسرائيل، وهذا المحظوظ يضطر للخروج من بيته قبل فتح المعبر بثلاث أو أربع ساعات، لأنّه سوف يقضي ساعات على الحاجز، وسوف يساومونه ويحاولون تجنيده كعميل لهم، وسوف يسألونه عن جيرانه ومن يعيش معه في البيت، وحتى عن الصُّور المعلقة في غرفته، وإذا ما كان جيرانه وأخوته مع فصيل ما! وسيعرضون عليه صور هذا أو ذاك إذا ما كان يعرفهم، وسيكون سعيداً عندما يجد من يشتري قوَّة عمله بثمن معقول، وعلى هذا أيضاً يوجد سماسرة. سيدفع مقابل الاعتراف به كواحد من العمّال الذين نجحوا في العبور، وسوف يعيش هؤلاء في ظروف سكن صعبة، في بعض الأماكن يعيش أكثر من عشرة في غرفة واحدة، ويتعرّض كثيرون منهم لابتزاز أصحاب العمل، أو لاعتداءات، ويبقون بعيدين عن أسرهم فترات بعيدة، ويبقى كثيرون منهم في موقع العمل لأسابيع خشية الخروج منها، والتعرُّض لاعتداءات خاصة في المناطق اليهودية. لقد حوَّل الاحتلال وظلم ذوي القربى قطاع غزة إلى خزان أمونيا ملغوم، حتى تساوى الموت مع الحياة لدى مئات الآلاف منهم، لم يعد لديهم ما يخشون فقدانه. سوف يتجاوز نتنياهو ووزير دفاعه وقادته كل ما سبق من جرائم حرب في حق غزّة، ولكنهم لن يستعيدوا ما ضاع منهم، وسيرافقهم طعم الهزيمة والعار حتى لو محوا غزة كلها عن بكرة أبيها. كانت المقاومة تهدّد بخطف جندي واحد للمساومة على إطلاق سراح أسرى، الآن سيجري التفاوض على أعداد لم يحلموا بها حتى هم أنفسهم. لن يهدأ أهالي الأسرى والمختطفين، ولن يسمحوا بأن يقتل أبناءهم كي يبقى نتنياهو على عنجهيته وانقطاعه عن الواقع! حتى الماء في قطاع غزة بات غير صالح للشُّرب فملوحته مرتفعة، ويسبب أمراضاً في الكلى بنسبة عالية. لقد عُزلت غزَّة عن المجتمع الإنساني كما لو كانت موبوءة، وعلى مدار عقود قُتل أطفال غزة ورجالها ونساءؤها، وأبيدت أسر كاملة، خلال عمليات حربية واسعة أو صغيرة واغتيالات وغيرها.
لقد أهينت هذه السُّلطة التي تعربد على الفلاحين في الضفة الغربية، وتقتلهم وتسلبهم، لقد أهين هؤلاء الذين جعلوا من تدنيس المقدسات طقساً روتينياً، الذين يبصقون على المسيحيين كطقس ديني، ويشتمون النبي محمد في باحة المسجد الأقصى، وجعلوا من زعرانهم المسلحين رموزاً لبطولاتهم. نتنياهو طلب الدعم الأمريكي، كما فعلت غولدا مائير مساء أكتوبر عام 1973، غولدا بكت أمام العالم ليشفق عليها، وقالت «كم نحن صغار أمام الكبار وقليلون أمام الكثيرين»! ونتنياهو راح يكذب. نتنياهو عاش حياته السياسية على الكذب، وسوف يواصل الكذب، وجو بايدن ينقل كذبه، ويدّعي أن المقاتلين اغتصبوا نساءً وقطعوا رؤوس أطفال، هذا الكذب، دحضته أكثر من سيّدة يهودية، إحداهن قالت في مقابلة مع القناة 12 كيف دخل عليها وهي مع طفليها ثلاثة مقاتلين، هدّأوا من روعهم، وأحد المقاتلين استأذنها بتناول موزة كانت في سلّة في المطبخ، جلسوا في بيتها ساعات إلى أن غادروا دون أذى لها أو لطفليها، وأخرى شهدت الشهادة نفسها، ولكن حكت كيف اقتحم رجال الأمن الإسرائيليين بيتها وقتلوا المقاتلين. بعد كشف الحقائق ولجان التحقيق سوف يتبيّن أن مئات من الضحايا قُتلوا بأيدي قوات الأمن الإسرائيلية، التي رفضت التفاوض أو السّماح للمقاتلين بأن يخرجوا بهم كأسرى، وسوف يظهر أنهم تعاملوا مع مئات الرهائن بحسب بروتوكول هانبيال، أي قتل الأسرى مع آسريهم. صحيح أن هناك أسرى من كبار السِّن والأطفال، وهذا شوّه المشهد، كان يمكن الاكتفاء بأسر جنود فقط، مشهد بعض مسنين وأطفال ضمن المخطوفين والأسرى منح نتنياهو فرصة أكبر للكذب، على الأقل أمام الغرب الذي يرى هذه المشاهد، وحتى لدى الشعب العربي الذي يعرف جيّدا أخلاقيات المسلمين في الحروب، وما أوصى به الرسول والصحابة. لقد قالت عملية السّابع من أكتوبر 2023 إن الإهانات المتواصلة للفلسطينيين وحرمانهم من حريتهم مثل بقية شعوب الأرض، ستبقي المنطقة كلها على قشرة زلزالية، ومن الجائز جداً أن تتسع رقعة هذه المواجهة إلى لبنان، خلال هذه المواجهة، وبانتظار مظاهرات الجمعة في المدن العربية وحتى الإسلامية، لنرى الغضب المشروع على المجزرة.
كل ما سيفعله نتنياهو وحليفه الأمريكي الآن لن يغيّر شيئاً، حتى لو قتلوا عشرات الآلاف، فإن خسارتهم استراتيجية وليست آنية، وهي أنّ وهم العيش بسلام مع استمرار الاحتلال والحصار، والتنكُّر لحقوق الفلسطينيين التي أقرتها الشرعية الدولية مراراً منذ عقود، لن يجلب سوى الكوارث، وحتى على نطاق أوسع من هذه التي نعيشها الآن.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد ابو حسين:

    دولة منذ نشأتها قادها مجرمون مغتصبون سارقون.. انتفت عنهم صفة الإنسانية.. هم وحوش تحت قناع بشري .. حالفهم و وقف في صفهم من هم اشباههم من الامريكان و الاوربيون و الماسونيه العالمية و أشباه الرجال من أبناء أمتنا العربية .. لكن نحن على يقين بنصر الله و دحر هؤلاء الغزاة بإذن الله ولو بعد حين.

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    ” وفيها شرائح واسعة لا تجد قوت يومها، خريجو جامعات مستعدون للعمل بأي عمل كان، مقابل بضعة شواقل فقط لتوفير الخبز والخضار. ” إهـ
    و دول الخليج العربي لا تستجلبهم للعمل ببلادهم بدلاً من تشغيل ملايين الهندوس !
    الجميع يعلم بإضطهاد الهندوس للمسلمينن بالهند !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول سامح //الأردن:

    *كيان عنصري مجرم همجي ( قاتله الله).
    كان الله في عون الشعب الفلسطيني البطل.
    حسبنا الله ونعم الوكيل والله المستعان.

  4. يقول نجمة:

    نتقطع حسرة و الما منذ سنين اما لهذا الليل ان ينجلي طفح الكيل و نفذ الصبر ولكن ما المعمول ؟ سمعتم امس جا معة الدول الكربية

  5. يقول صليبا:

    ما يجري من قصف للآمنين في غزة جريمة بشعة وحرب إبادة وحشية ، لكنها لم تصل بعد لوحشية بشار وجرائمه ضد الشعب السوري.
    ورغم كل ما حصل ويحصل فان الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في غزة مازالت افضل مما هي عليه ادلب وريف دمشق وحماه وحمص وجسر الشغور والمعرة ووو.
    ما الفرق بين نتنياهو وبشار مع العلم ان الاول يقتل اعداء له والثاني يقتل مواطنيه

اشترك في قائمتنا البريدية