امتحان من الله…

10 - أكتوبر - 2018

11
حجم الخط

عندما توفيت والدته كان عمره شهرين فقط، أما والده فقد تركه وهاجر إلى كندا، كان ما زال يحبو، فلا يذكره أبدا، احتضنته أسرة خاله، واعتبرته واحدا من أبنائها.
في التاسعة عشرة من عمره، انتبه إلى حمرة شديدة في إحدى عينيه، وصار يستيقظ من نومه وقد بلل ملابسه بشكل لا إرادي، أرسله طبيب العائلة إلى المستشفى، وبعد الفحوصات اللازمة أخبروه بمرضه.
كان على الأطباء أن يجدوا له نخاعا شوكيا ملائما لزراعته في جسده، اتصل والده البيولوجي من كندا وعرض استعداده للتبرع بنخاع شوكي، وذلك عندما علم من مكتب الشؤون الاجتماعية بمرض ابنه، إلا أن محمد رفض تبرّع والده الذي تركه رضيعا، ورفض حتى اللقاء به.
«لم أعرف أمّا سوى زوجة خالي، فهي الأم الحنون، وفي سنوات متأخرة فقط عرفت أنها ليست أمي البيولوجية، ربّتني مثل أولادها، لم أشعر بأي فرق، وقفَتْ إلى جانبي في كل مراحل حياتي وأقساها وفي مرحلة مرضي، سافرتْ معي أيّاما وأسابيع وأشهرا خلال مكوثي في المستشفى، ما أن أفتح عيني من النوم حتى أراها فوق رأسي.
بعد فحوصات كثيرة في المستشفى، جلست معي طبيبة وأخرى مختصة نفسية، أخبرتني الطبيبة بأن كريات الدم البيضاء في دمي أكثر بكثير من الكريات الحمراء، ثم قالت لي المختصة النفسية، أنت مريض بالسرطان، ولكن العلم تطور كثيرا، وكثيرون عاشوا وما زالوا يعيشون بيننا بعد المرض، وشفوا منه تماما، سوف تشفى وتعود أفضل مما عليه أنت الآن.

حتى الآن لم أعرفه، ولكنه من البلاد كما أخبروني، وأنا أحب أن أتعرف عليه، عادة يخبرون المريض بعد فترة معيّنة.

-كيف كان رد فعلك؟
-الصمت، لم أردّ بشيء، ظننت أنه انتقل إليّ بالوراثة من أمي لأنها ماتت بالسرطان، صرتُ أفكر بأن حياتي انتهت، سوف أموت، هذا هو حدّ عمري، ولكن فيما بعد أخبروني أنه ليس وراثيا.
-ماذا يعني لك الموت؟
-لا شيء، أموت وكفى، هذا هو حد عمري، هناك من يموت طفلا أو عجوزا أو شابا، الله أعلم، في النهاية الجميع يموتون.
-هل أنت مؤمن بالله؟
-نعم أنا مؤمن، الحمد لله.
-ألم تسأل نفسك لماذا أنا الذي مرضت، لماذا ينتهي عمري في التاسعة عشرة أو العشرين؟ لماذا كل هذه المعاناة؟
-أنا أؤمن بأن الله يمتحنني، هذه أمور لا يعلمها سوى رب العالمين.
أقسى ألم عندما كانوا يغرسون الحقنة في العمود الفقري لأخذ عيّنات من النخاع الشوكي، كنت تحت تأثير البنج، ولكن في إحدى المرات صحوت وصرخت من شدة الألم، كان الألم فظيعا.
قبل زرع النخاع الشوكي عالجوني بالكيماوي لقتل الخلايا المريضة، ثم زرعوه، وضعوني في غرفة معقّمة لمدة أربعين يوما، منعوا عنها الدخول إلا للأطباء، كانت والدتي تدخل مرتدية لباسا خاصّا معقّما، وممنوع أن آكل أي شيء.
-صف لي شعورك وأنت منعزل تماما عن العالم لمدة أربعين يوما.
-بعد زراعة النخاع شعرت أن جسمي يرتفع في الهواء كأنه ينتفش، كنت مرهقا تعبا، لا أريد سوى النوم،
كل صوت مزعج، وكل ضوء يضايق، لا أريد أن أسمع أو أن أرى أحدا، فكّرت بالموت، قلت لنفسي سأموت خلال العلاج، صرت مكتئبا وسوداويا.
مرّت أشهر حتى عدت لتناول الطعام بشكل عادي،
كان يجب غلي المياه قبل شربها، حتى المياه المعدنية، وممنوع تناول الألبان، ويجب تقشير الخضار والفواكه وحتى حبة البندورة، لأن مناعتي كانت ضعيفة جدا، أكثر شيء كنت أحبه هو الليمون والحمضيات.
ويضيف محمد ضاحكا «أكثر شيء كان يخطر في بالي هو رغيف الشاورما، ولكن ممنوع أن آكله، البندورة تضايقني حتى الآن، فيها مادة لا تلائم جسمي».

اليوم عندما أرى إنسانا مريضا أشعر معه، صرت أعرف ماذا يعني العلاج بالكيماوي، أعرف ما يعانيه المرضى، وأعرف أن الناس لاهون في حياتهم، ولا يعرفون نعمة الصحّة التي هم فيها، لا يوجد أهم من صحة الإنسان، أستغرب من الناس الذين يتذمرون كثيرا وهم أصحاء.
في المستشفى، عرفت أطباء وممرضات رحماء ولطيفين جدا، من عرب ومن يهود، عرفت مرضى بالسرطان، فوجئت بصورة أحدهم على «فيسبوك»، حزنت كثيرا، كتبوا أنه توفي، كان عمره أربعة عشر عاما، كان معي في القسم، كان الجميع يحبه.
-وكيف صرت ترى الحياة بعد هذه التجربة؟
-اختلف كل شيء، يجب على الإنسان أن يحافظ على صحته، كل لحظة أعيشها مهمة بالنسبة إلي، أستمتع بعملي في تشغيل الأسطوانات (DJ) في الأفراح، هذا كان حلمي منذ الطفولة، بعد شفائي تعلمت دورة في الإخراج الموسيقي وصرت أعمل في الأعراس، عرفت كم يحبني أهل قريتي، حتى من لم أظنهم كذلك، وقفوا بالمئات لتقديم وجبات الدم التي احتجتها، تبرّعوا بأكثر من ثلاثمئة وجبة من الدم، كذلك أجرى المئات منهم فحوصات بحثا عن نخاع شوكي ملائم لجسدي.
-في النهاية من الذي تبرع لك بالنخاع الشوكي؟
-حتى الآن لم أعرفه، ولكنه من البلاد كما أخبروني، وأنا أحب أن أتعرف عليه، عادة يخبرون المريض بعد فترة معيّنة.
-هل أخذوا منك سائلا منويا لحفظه، ربما احتجته لتنجب أطفالا؟
-نعم أخذوا، ولكن نوعيّتها الآن أفضل، وأريد أن أحفظ منها مرة أخرى.
أعيش الآن في شقة لي في القرية، اشتريتها من ميراث والدتي، سافرتُ إلى أمريكا والمكسيك وتركيا في رحلات ترفيهية وعلاجية، في إطـــار جمعيات تدعم مرضى السرطان، وإلى جانب العمل في الأفــــراح أعمــــل في مقصف مع صديــــق لي منذ أيــــام الطفولة، وقف معي وقفة رجل في مرضي، ساعدني بكل شيء.
الابتسامة لا تفـــــارق وجه محمد، الشاب الأسمر الممتلئ الجسم، وهو إلى جانب عمـــــله في الأفراح كمشغل أسطوانات وفي المطعم، يُدعى إلى المدارس ليحكي للطــــلاب عن تجربته المريرة مع المرض، ومع الحياة التي أحبها رغم كل ما فيها من آلام، وما زال يراها جميلة، وبإيمان قوي أنه في امتحان من الله، ولا بد أن ينجح فيه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • رؤوف بدران-فلسطين

    لقد آلمني مقالك اخي سهيل !! لكثرة ما فيه من تشابك وجداني , هذه الوجدانيات مصاغة بشكل حواري راقٍ, استطعت يا كاتبنا الفذ ان تلقي الضوء من خلال طرحك هذا , على بعض المضامين الموجعة التي تصادفنا ,
    فرحت جدًا لشفاء محمد !! واصابتني حالة من الانفعال , وتهامست النفس مع الضمير في حوار مجنون بالرأفة مهووس بالطيبة , حيث توافقا بأن الدنيا ما زالت بالف خير !!! ليس المهم من هو هذا المتبرع الشهم , ولا بأي عقيدةٍ يدين؟!! الاهم انه ينتمي الى فصيلة الانسان …الانسان الحضاري ,
    بقدر فرحتي بشفاءك حبيبي محمد , لازمتني التنهيدة ورافقتني الدمعة لعشرات آلاف الاطفال اللذين لم يستطيع احد انقاذهم من تحت الانقاض , تحت حجة الانسان …عفوًا الشيطان بمصداقية ما يفعل تبًا لافعال الشيطان وكل متبعيه من بني الانسان .
    مقالة مؤثرة جدًا , حركت فينا ركود مياهنا الآسنة واثارت عدم مبالاتنا وايقظت الضمائر عند اصحاب الضمائر!!!
    احيي من بين قارئاتك اخي سهيل الثلاثي المشهور ,سماهر , ختام قيس, ورسلية …دمت لنا اخي سهيل كما انتَ اديبًا روائيًا وناقلًا صاحب احساس بآلام الغير والسلام


إشترك في قائمتنا البريدية