انفتاح السعودية على سوريا لن يُغيِّر «الستاتيكو» وطموح الأسد دعمٌ ماليّ بـ«قنوات ناعمة»

رلى موفّق
حجم الخط
1

طُويت مسألة عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية مع انعقاد القمة العربية المرتقبة في الرياض في 19 أيار/مايو. هكذا تؤكد أوساط على إطلاع وثيق بمجريات الأمور في دمشق. أعاق اعتراض دول خليجية (قطر والكويت) وعربية (المغرب، ومصر، والأردن) تلك العودة التي رغبت السعودية، ومعها دول خليجية وعربية، أن تكون بغطاء عربي موحَّد وألاَّ تنحصر في «تطبيع ثُنائي» بين دمشق وكل من العواصم التي تنفتح على النظام السوري. كانت الرياض، التي تترأس القمة العربية، وتمضي في سياسة «تصفير المشاكل» تأمل في دعوة الأسد إلى قمة الرياض، بما يُنهي القطيعة التي أقرَّها مجلس وزراء الخارجية العرب في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بعد مماطلة النظام السوري في تنفيذ الخطة العربية لحل الأزمة التي اندلعت في آذار/مارس 2011. كانت الحكومة السورية قد وافقت في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر على الخطة العربية التي تقضي بوقف العنف ضد المتظاهرين والذهاب إلى حوار سياسي مع المعارضة. حينها كانت أعداد الشهداء، وفق أرقام الأمم المتحدة، 3500 شخص. سحبت غالبية الدول العربية سفراءها، وبعدها خرج الدبلوماسيون الغربيون ولم يرفّ جفنٌ للنظام الذي اختار قمع الاحتجاجات وإخمادها بالسلاح، ما أدخل سوريا في مسار حرب أوقعت ما يزيد على نصف مليون قتيل، ومحو مدن بأكملها، ودمار بالمليارات، وتهجير ملايين السوريين، وعمليات تطهير مذهبيّ.
التفَّ النظام على اتفاق «جنيف 1» (2012) واتفاق «جنيف 2» (2013) وقرار مجلس الأمن 2254 (كانون الأول/ديسمبر 2015) حول السلام والانتقال السياسي وبناء سوريا الجديدة. دخلت روسيا في أيلول/سبتمبر 2015 الحرب بعدما كان النظام ومعه الحرس الثوري والميليشيات الإيرانية التابعة، ومن بينها حزب الله، على وشك الهزيمة على يد المعارضة المسلحة. استخدمتْ موسكو سلاح الجو لتغيير المعادلات على الأرض ونجحت تباعاً في إعادة بسط نفوذ النظام على رقعٍ واسعة من الأراضي السورية. أدى دخول عوامل عدّة على خط «الثورة السورية» إلى خطفها، ودفَعَ أبناؤها ثمناً باهظاً وتلاشتْ قيادتها وتفكّكتْ. أضحت سوريا، في نهاية المطاف، مُقسَّمة مناطق نفوذ دولية: روسية وإيرانية تدعم النظام، وأمريكية وتركية تدعم المعارضات المختلفة، فيما إسرائيل، الداعمة المستترة والمُعلَنة لبقاء نظام الأسد، حاضرة بغاراتها الجوية. خرج العربُ من المشهد السوري وخَفَتَ تأثيرهم عسكرياً وسياسياً، على الرغم من إقرار الداخل والخارج أنه حين تنتهي الحرب في سوريا، ويصدر القرار بإعادة الإعمار، فإن الدور الرئيسي والفاعل سيكون للخليج، ولا سيما للمملكة العربية السعودية.
وقرار انتهاء الحرب لن يكون سوى قرار أمريكي. الغرب يفرض عقوبات، وأمريكا تخنق سوريا بـ«قانون قيصر» وعلى الطريق يأتي «قانون الكبتاغون» الذي أقرَّه الكونغرس الأمريكي قبل أشهر. لا أحد من الدول المرتبطة بالنظام المالي الدولي يمكنه أن يتجرَّأ علانية على كسر العقوبات الأمريكية، إنْ لم يحصل «غض طرف» من واشنطن. لجأ النظام وحلفاؤه إلى الالتفاف على تلك العقوبات. استخدموا لبنان، فدفع الثمن في اقتصاده، وماليته، ونظامه المصرفيّ، وعيش أبنائه. واستخدموا العراق، فطارت الملايين من خزينته على حساب مواطنيه. حاولت الصين، وروسيا، وإيران، التحايل بما لديها من طرق. كل ذلك ساهم في مدِّ النظام بالأوكسجين، لكن ركيزته الأساسية قامت على صناعة ذلك المُخدّر الرائج والقليل الكلفة الذي غزا به أسواق الخليج عبر شحنات التهريب براً مستخدماً الأردن والعراق، وبحراً عبر مرفأ بيروت. أخذ «محور إيران» السعودية هدفاً للمخدرات. نَظَر إلى تدمير المجتمع السعودي وإغراق شبابه في تلك الآفة كجزء من المعركة المفتوحة على المملكة، وأدرج «حرب الكبتاغون» في إطار قواعد الاشتباك.
سعت روسيا بقوة، منذ أن أنقذت الأسد، إلى إعادة تأمين مظلّة عربية له. كان همُّها الأكبر أن يستعيدَ رجُلها في سوريا العلاقات مع السعودية بوصفها الدولة المحورية عربياً والأكثر تأثيراً وثقلاً، ويمكنها تالياً أن تُشكِّل قاطرة لدول أخرى إنْ خَطَتْ الرياض صوب دمشق. بقيتِ الخطوطُ الأمنية مفتوحة وتعزَّزت بفعل موسكو، لكن باب الانفتاح السياسي بات أكثر ملاءمة بعد التحوّلات الدولية الناجمة عن حرب روسيا على أوكرانيا. كانت موسكو تُعزِّز موقعها في الشرق الأوسط قبل أن تغزو هذا البلد، وتستفيد وبكين من الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة في تمتين ارتباطهما مع المملكة التي شاب علاقاتها مع واشنطن الفتور مع وصول الحزب الديموقراطي إلى البيت الأبيض. ذهبت الرياض، رغم أنها حليف استراتيجي للولايات المتحدة، إلى توسيع تعاونها خارج إطار ذلك الحلف. لم تصطفّ مع الغرب في النزاع الروسي – الأوكراني، ولم تُساير جو بايدن في قرارات «أوبك بلس» خدمة له في الانتخابات النصفية أو تضييقاً على روسيا. وفتحت الباب واسعاً أمام الصين، الحليف التجاري الأول للمملكة، لتعلب دوراً سياسياً كدولة ضامنة لفكِّ الاشتباك مع إيران.
من الصعب فصل مدّ الجسور السعودية مع سوريا كحدث منفصل تماماً عن نتائج عودة العلاقات مع إيران. حتى ولو كان الأمر غير معلن، أو كان الأسد يُفضِّل أن يكون له هامشه في التحرُّك، فإن عودة العلاقات السعودية – السورية ما كان يمكن أن تحصل بهذا اليسر لو كان التأزم سيّد الموقف بين طهران والرياض. سبق للإمارات أن أعادت العلاقات الدبلوماسية عام 2018، وعزا مراقبون موقفها إلى رغبتها في مواجهة مبطّنة لتركيا بدعم الأسد. ستذهب البحرين بذات منحى السعودية الإيجابي في اتجاه دمشق، وإنْ كانت تعتبر أن سفارتها في سوريا ما زالت تعمل.
يقول مقرَّبون من النظام أن الرئيس السوري لم يبدِ حماساً لطروحات العودة إلى الجامعة العربية. وهو ليس على استعداد للاستجابة لمتطلبات الحل السياسي أو ما يمكن أن يُفهم منه أنه تنازلات في تركيبة النظام السياسي لبلاده. ويُبدي تالياً ارتياحاً لصوغ علاقات ثنائية، والذهاب إلى تطويرها بالحد الذي يخدمه. هذا يدفع هؤلاء إلى الاستنتاج أنه لن يألو جهداً في توظيف الانفتاح العربي عليه لصالح مزيد من ترسيخ سلطته.
في موضوع العلاقات مع المملكة، ثمة استكمال لترتيب الأمور بين البلدين، فالزيارات مستمرة على المستويات السياسية، والدبلوماسية، والأمنية، بشكل غير مُعلن، منها زيارة لمعاون وزير الخارجية السوري محمد أيمن سوسان إلى السعودية. وأجواء دمشق لا تزال تضع في أجندة الأسد زيارة مرتقبة إلى الرياض، وربما قبل أيار/مايو، تُوصف سورياً بـ«زيارة تعويض» عن عدم دعوته لحضوره القمة العربية. يُدرك الرئيس السوري أن هناك أوراقاً لا بدَّ من أن يُقدّمها مقابل الانفتاح السعودي عليه، وأولها في ملف الكبتاغون. ويسرُّ المقرَّبون من النظام أنه سيتجاوب في هذا الأمر، كما سيتعزَّز التعاون في المسائل الأمنية. ما يُعوِّل عليه الأسد هو تخفيف الطوق الاقتصادي والمالي عنه. يتوق إلى دفق مالي كبير يدخل في خانة إعادة الإعمار الشاملة والاستثمارات الكبرى، لكن المأمول الحصول عليه هو «تمرير ناعم» للأموال تحت عناوين مختلفة لا بأس إذا اتّخذت الشكل الإنساني، أو تهيئة الظروف لإعادة اللاجئين عبر تأهيل مناطق معيّنة بالبنى التحتية وإعادة بناء المساكن لتأمين عودة أصحابها، حتى إن هؤلاء يتحدّثون عن انفتاح الأسد إذا تطوّرت العلاقات نحو إشراك بعض الأسماء المقبولة سعودياً في الحكومة، بما يعطي الجوّ السُّني العام في سوريا قدراً من الاطمئنان.
سبق لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان أن تحدَّث في منتدى ميونيخ للأمن في شباط/فبراير الماضي عن غياب السبيل لتحقيق الأهداف القصوى من أجل حل سياسي، وأن معالجة مسألة اللاجئين السوريين في دول الجوار تتطلب حواراً مع حكومة دمشق. لا شك أن تحقيق عودة – ولو تدريجية – للاجئين السوريين إلى قراهم ومدنهم سيكون إنجازاً، لكنه من الصعب توقّع أن يكون الأسد منفتحاً على عودة يمكن أن تُشكِّل تغييراً كبيراً في الخريطة الديموغرافية التي عمل على رسمها في مناطق سيطرته واستدعت تهجيراً جماعياً، فكيف إذا كانت هناك مناطق تغلغلت فيها إيران وميليشياتها وأضحت صاحبة النفوذ فيها، من حمص إلى جوار السيدة زينب في دمشق، إلى جزء كبير من درعا والسويداء، وإلى حلب ودير الزور وغيرها من الجغرافيا السورية؟
لا رهانات لدى الرياض حول إنجاز الحل السياسي المنشود، ولا رهانات لدى دمشق حول إمكان تطبيع كامل. فكل ما يمكن أن يتحقق يندرجُ في إطار «تَرييح الوضع». الزمن ليس زمن انتهاء الحرب في سوريا. فكل الدول الحاضرة بقواتها العسكرية على الساحة السورية لا تزال أياديها على الزناد. الكلام المُسرَّب هو أن أمريكا أوصلت رسالتها، إلى مَن يعنيه الأمر، أنها لن تسمح بتغيير «الستاتيكو» في سوريا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    يحارب الدول الدول العربية بالمخدرات ويريدون عودته إلى الجامعة العربية! إذا حضر بشارون أسدوف القمة العربية القادمة فهذا كارثة. وإذا قامت الدول العربية أو في غالبيتها! بالتطبيع مع النظام السوري فهذا كارثة أيضًا! الشعب السوري لن يقبل بهذه الكوارث، حتى لو رضيت أمريكا بذلك!.

اشترك في قائمتنا البريدية