انفجار غضب لم يأت من فراغ

“عمل غير مبرر ومن حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، عمل إرهابي شرير ومروّع، عمل داعشي، نحن نحارب حيوانات على هيئة بشر، إنه كيوم 11 سبتمبر/ايلول، سنسحقهم، نحن في حالة حرب وسننتصر فيها، سنحاصرهم حتى الاختناق، سنسوي غزة بالارض، لا ماء لا كهرباء ولاوقود ولا غذاء ولا دواء، سنصنع شرق أوسط جديداً، نحذر كل المتربصين ونحن مستعدون لكل الاحتمالات، الكل يعلم معاني وصول حاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية لسواحلنا، سنمحوغزة من الوجود”.
هذه خلاصة لجملة من أقوال ومواقف قادة إسرائيل وغيرهم من قيادات الدول الغربية، التي لا تجد حرجا في تصوير يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول على أنه يوم أسود وكأن الأيام التي سبقته كانت بيضاء ووردية.
سجون إسرائيل تكتظ بآلالاف من الفلسطينيين الناشطين برفض الاحتلال وبينهم مئات من الأطفال والنساء، ودولة إسرائيل “الأبارتايدية” تصفهم بالإرهابيين، كما وصفت ياسرعرفات من قبلهم، وكما وصف نلسن مانديلا من قبل أقرانهم حكام جنوب أفريقيا.
قطعان المستوطنين يعيثون في الأرض فسادا، ودولة الاحتلال تعطيهم الحق بقتل أي فلسطيني لمجرد الشك بنواياه. الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وبيوتهم وحقولهم واستباحتها أمر شبه يومي. مدن الضفة تحولت الى جزر محاطة بالمستوطنات التي تزحف على ما تبقى من أراضي الفلسطينيين بانتظار الدولة التي لم تأت بعد. القدس عاصمة ارض فلسطين التاريخية قبل قيام دولة الكيان صار أهلها أغرابا فيها، وصار الفلسطيني لا يصلي في المسجد الأقصى إلا برخصة من محتل أوروبي متهود، وتحولت غزة الى سجن كبير يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان، إنسان لا يأكل أو يشرب أو يعمل أو يدرس أو يسافر أو يتعالج مثل أي انسان آخر لأن السجان الصهيوني يحاصره برا وبحرا وجوا!
المقاومة لم تنزل من السماء على غزة، بل نبتت وشربت وعاشت في ظل هذا السجن الإسرائيلي الأسود، وهي كغيرها من المرابطين متشبثة بهذه الأرض، بهذا السماء، بهذا البحر، متشبثة بيوم آت لا محالة، يوم الحرية والنصر لكل بني فلسطين.
ما حصل يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري هو انفجار غضب لم يأت من فراغ، ولم يأت بدوافع إيرانية أو روسية أو دينية أو صينية أو هندية، لأن هذا القول هو انتقاص من أصالة روح التمرد الكامنة في عقول المرابطين عبر الزمان والمكان.
وفي السيرة الفلسطينية أصبح الظلم التاريخي جمرة تتقد مع كل زفرة ينفثها قلب يستشعر القهر والظلم، يستشعر الحقيقة، عزالدين القسام، عبد القادر الحسيني، جورج حبش، ادوارد سعيد، ناجي العلي، أحمد ياسين.
تتكاثف الأسماء بنسغ هذه الأرض الملهمة التي تشعل الضمائر، ثورة تنتصر للعدل والخير والحرية، هي لحظة تتلاحق فيها الأنفاس ثم ينفجر الإحساس بركانا يكسر حالة الانحباس.

عربدة الصهاينة

نعم، يحصل تلاقي بالدوافع وقد يحصل تساعد بين الناقمين على عربدة الصهاينة في كل ومن كل مكان، ويبقى للفلسطيني وحده شرف ما يكفيه من الدوافع لمقارعة الصهاينة الذين له عندهم كل الحق المسلوب.
لماذا القفز على الأسباب والتصيد بالنتائج، وكأن الزمن يبتدئ بواحدة منها، وتحميلها ما لا تحتمل؟ لماذا تخشون منطق المقارنة والمقاربة، منطق المقدمات والمخارج، لماذا لا تبحثون عن حلول حقيقية لا حروب إنكارية؟ لماذا تتعمدون تقطيع الحقائق وإعادة ترتيبها حسب أولوياتكم، لماذا لاتعترفون بأخطائكم وتتحملون نتائجها؟
الفجاجة تفصح عن نفسها عندما يتهرب المساءلون، أو عندما يتنكرون للحقائق المعروفة، بالتلاعب بالألفاظ والمعاني والخرائط، كما فعل نتنياهو في خطابه أمام الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما عرض خريطة لإسرائيل لا وجود فيها لشيء اسمه فلسطين، مضافا لها هضبة الجولان السورية التي أعلنت إسرائيل ضمها دون الاكتراث لأي معارضة أممية، أو كما فعل بايدن في كلمته المقتضبة والتي كرر فيها دعمه المطلق لإسرائيل وأطنب في وصف بشاعة حماس وما قامت به في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ورجع ليتذكر العمة غولدا مائير وكيف استوقفته وقالت له: ليس لنا مكان آخر نذهب اليه، هذه أرضنا!
هذا العجوز يعرف أن عمته وكل المستوطنين في إسرائيل هم من مزدوجي الجنسية، أي أن لديهم مكانا آخر يمكن أن يذهبوا اليه، أما الفلسطينيون فليس لديهم إلا مكان واحد، فلسطين، أرضهم، وهم مرابطون فيها!
أشد ما يخيف الغاصبين والعنصريين والقاهرين هو نمو الذاكرة النقدية عند الذين يعانون من سياساتهم وممارساتهم ومعتقداتهم، لأن هذا النوع من النمو يجعلهم أكثرعرضة للمقاومة والتمرد والثورة. إنهم ينهمكون للمحافظة على تسيد الذاكرة التلفيقية عند المقهورين، وفي أحسن الأحوال لابأس من الذاكرة المحايدة لتجنب طريق المثاقفة المؤدي حتما لتسيد الذاكرة النقدية.

الوعي الوطني الفلسطيني

الوعي الوطني الفلسطيني متشرب حتى النخاع بأمصال متوارثة من عصب الذاكرة النقدية، لذلك كان رائدا في مقاومتة الصهيونية قبل قيام إسرائيل 1948 وقبل وعد بلفور 1917 وقبل قيام معظم الدول العربية من المحيط الى الخليج، وبعد حرب 48 وحرب 56 وحرب 67 وحرب 1973، وكل معارك المقاومة من معركة الكرامة الى معارك لبنان وجنوبها. الى معارك الضفة الصامدة الى معارك غزة.
قالها “ستيف بيكو” المناضل الصلد ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، عندما يمتلك المقهورون وعيهم المسلوب سيحققون المعجزات سيحققون العدل، 7 أكتوبر /تشرين الأول مدخل نحو النصر الذي نراه لا يختلف عن نصر نلسون مانديلا.

كاتب عراقي مقيم في السويد

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية