انقلاب البيئة الجمالية على موروثها التقليدي

الشيء البارز الذي يمكننا استخلاصه والوقوف عليه، من قراءتنا في نصوص الشاعر المغربي لبكم الكنتاوي Elkantaoui Lebkem من مدينة العيون – الصحراء الغربية- كما سيأتي في نص (الحائط) وما يليه، من نصوص (الليل، زج اج، النبيذ أكثر رحمة)؛ الشيء البارز هو البناء المتبع في أكثر من نصّ للشاعر، وهو ما يُجَوْهِرُ فاعليات ‘شخصيات شعرية’ تتمتع بمركزياتها وسلطاتها كالـ( حائط، الليل ،ا ل زج اج ، نبيذ ) مُوفّرة لذاتها بيئةً جماليةً خطابيةً فيها تنقلب على موروثها الواحدي، هذه الشخصيات لديها قوى طردِ مركزية تطرد مركزها، وتهشّم مبناها.
إذ ان كلّ نصّ من النصوص المشار إليها، يحمل عنواناً واحدا، وتتكرر شخصية العنوان الشعرية الواحدة باستمرار؛ بلغة شعرية لافتة ومرنه وذات فردية وممايزة فنية ورؤى ونقاء تأملي فريد.
الحديث عن مفهوم الكتلة في نص الحائط كمثال، هو حديثٌ في المرونةَ والانفصال، يتلفظ به لسان الحائط الشعري. إنها شعرية تتصرف بحرية، فهي تزحزح الكتلة بمدلولية المجادلة بين الحائط كجامدٍ، والحائط كشاعرٍ ينزاح عن تكتّله بجماليات الإسناد الرمزي والتكرار والجمهرة ضد كتل التاريخ الجامدة.
فمن الجماليات هنا عملُ الشاعر في الموضوع، وتعطيله لصوتِ الأنا الصريح بتقمّصه الحائط، وباتخاذهِ الجامدِ لساناً في الحرّية، والتهكم. حيث نقرأ في النصّ سريالية و سيرة الشاعر.
كذلك، فإنّ في بنيان الحائط المُشذّر توزيعاً لجمالياتٍ ولإشارات مُهمّة؛ مبدأها في تحريك الساكن [الحائط]. فمنذ البداية يتحرّى الشاعر السؤالَ [1/ على من سيتكئ الحائطُ ؟].

إنّ فاعل الإتكاء هنا كتلةٌ تتلفّظُ بحركةِ العبء. والسؤالُ الأوّل الواحد مطروح، في الحاضر، على مستقبلٍ يتحدّثُ بالحوادث للحاضر. وفي الوقت ذاته، يشير السؤالُ إلى بطولة الحائط في نطاق القدرة والمزاجية المقروءتين من فعل الاتكاء ‘سيتكئ’.
واحد من وجوه الإجابة على السؤال يتحقق بالانتباه إلى الصورة العبثية العامة التي يرسمها الشاعر بسؤاله. وفي الشذرة [2/ حائط وحيدٌ/ يحلم بجرافة/ تضمه إلى التراب] نصغي لحائطٍ يدعو إلى التغيير،
إن الحائط الحالم، هنا، لا يمارس سلطةً وحماقة و سادية بقدر ما هو يَحْلُمُ بالتغيير والتسوية والإزالة. وقد أصيب الحائط بظواهر مَرَضِيّة متعددة نعدّدها من الملاحظة في سياق الحائط السلبي؛ وقد أصيب بظاهرةٍ مَرَضَيّة تكشفت عن اقتصار وجوده، فاعليته وتابعيته، على حراسة سلطة سياسية استبدادية، كما هو الحال في [5/ عاش الحائط/ تخليداً لصورة زعيم]، فتلك إشارة إلى مواضعات الحائط (الحزب = النظام) الذي عاش من أجل صورة زعيم.
بالهتافِ هذا يقدّمُ الشاعرُ صورةً ساخرة للحائط الذي رَهَنَ عيشه وبقاءه بصورة زعيم، لا بالزعيم. إنّ في مرآةِ ذلك سُخريةٌ جادّة من الحائط والصورة، كما يقدّم الشاعر صورة نكرة تهكمية توبيخية نلاحظها في مفردة ‘ صورة ‘، فهنا يتسع الفصل بين ‘صورة’ الزعيم و’الزعيم’، بالإضافة إلى الإنكار الذي تضيئه مفردة ‘ زعيم’.
ثمة متابعة، أيضا، في تمثيلية العلاقة الحائطية بين الحائط والصورة، لحركة طقسية مباغتة تنذر بالإطاحة بالصورة والحائط معاً. ـ وقد شاهدنا هذا المآل قريباً- وإن كنا لا نتفق مع أبطال آلية الإطاحة.
ويجري التَحَوُّل في نفسية الحائط، ليظهر في أحد ظهوراته مُصاباً بمرض سيكولوجي في الشذرة [3/ لكثرة ما أحاطها/تحول الحب/إلى حائط نفسي]. فهنا سلطة الحائط. وهنا نجد إسقاطاً واضحاً لحالةِ الحائط على الحبّ. إنّ لسان التأويلِ في حادثةِ التحول هذه يتلفّظ بحركة حائط يزاول تضيق وحصار قيم الحياة الحرّة الفاضلة. ومرة يُسمّي الشاعرُ، في إطار صراعات الأجيال، الماضويين بـ (حائطيون) كما جاء في [4/ حائطيون/ بأفكار من الإسمنت المسلح] فَيَدُ الإشارة هنا إلى (ماضويين) – بالأفكار من الإسمنت المسلح-. إذ يعمل الحائط في الناسِ بوصفه دالاً عاما على ظاهرة سيسيولوجية مَرَضِيّة ومُصابٌ بها، كما في [15/ الحائط لسان الشارع]. بامكاننا، إذن، تلخيص قراءة في الحائط من وجوه متعددة، وهي:
– قراءة في إطار الحالة المَرَضِيَة السياسية التي عرضنا لها سابقاً، إذ نقرأ النظام السياسي في الحائط، هذا (النظام) هو لسان حال (الشارع). ومثلما نقرأ الحائط من منظور سلطوي، نقرأه أيضاً بنظرة قاعدية تجعلنا رَهْنَ قراءة ما في لسان الشارع – الشعب من كبت ورغبة في هدم الحائط.
– النظر في هيئة الحائط المادي المريض بتصدع وثقوب ينمّان عن إصابة المكان البالغة، بالعوز والعراء، معبّراً عن ذلك الـ’لسان’، وقد جاء خبراً للـ’حائط’، ليفصح عن تفاصيل المشهد الخرائبي، وهذه القراءة تضعنا أمام سؤال الإقامة (المركز / الطرف).
– وتمكن، أيضاً، قراءة الحائط انطلاقاً من اعتباره مطيةً لوسائل الدعاية والإعلان السلعية الاستهلاكية، وما إلى ذلك من معطيات في لسان الحائط المجازي، أو ما في لسان الشارع المتكلم واصفاً و مراقباً و مُتغنياً و لعّاناً لسرعة جديد المدّ السلعي الاستهلاكي.
وبقراءة في المتحرك والساكن للمفردات التي تكوِّنُ الشذرة:
6/
الساعة على الحائط
الساعة في معصمي
والوقت؟
الوقت كالحائط.

برهان الإجابة: الوقت كالحائط، أن: الساعة متحرك، والحائط ساكن؛ أنّ المعصمَ متحرك، والوقت متحرك. ثلاثُ مُتَحَرّكِاتٍ (الساعة، المعصم، الوقت) ‘مضروباً’ بـ ساكنٍ واحد (الحائط)، إذن: الوقت حائط! هذا التأويل الرياضي ينتهي في حقيقة، في ، مدلولية أن الوقت والحائط في انهيارٍ الواحد. أيضا فإنّ رقم الشذرة 6/ هو حاصل جمع الثنائي المتكرّر في الشذرة (الساعة، الوقت، الحائط) وهذه، أيضاً، قراءةُ في النحوِ والجوار، في الشذرة:

7/
الموت
حائط الحياة
الحياة عصفور الحائط
فـ’الموت’: مبتدأ. ‘حائط’: خبر، وهو مضاف، ‘الحياة’: مضاف إليه.
‘الحياة’: مبتدأ. ‘عصفور’: خبر، وهو مضاف، ‘الحائط’: مضاف إليه.
إذن: الموت حائط الحياة! الحياة عصفور الحائط!
في الشذرتان 12/ و 13/ الفاعلُ ضمير مستتر تقديره ‘هو’، منفصلٌ في الوقت ذاته عن الشاعر. فهنا تعميِمُ الحائط، ليشمل الحاضر والغائب، وهما يعيشان حالة الحائط وتداعياته المختلفة. في الشذرة [9/ ذات حائط قفزت نحوي] يظهر الشاعر مستخدماً تاءَ المتكلم/ الفاعل، ومرةَ يظهرُ الفاعل ضميراً مستتراً طرفاً غائباً والحائطُ طرفاً آخرَ حالاً قائماً؛ كما في الشذرة [12/ يقلبُ الغيابَ حائطاً حائطاُ]، والشذرة [13/ يخلع حيطانه الداخلية]. ومرة تكون الغرفة طرفاً، وعراءُ الروح طرفاً. وتتجلى حالة الحائط العامة في الحوار الشعري الذي يجريه الشاعرُ بين الغرفة وعراء الروح، وفي سياق متصل، نلمسُ كلية الإسقاط في الشذرة (11/ أكبرك بأربع حيطان/قالت الغرفة /لعراء الروح).
ويحمل ضمير الغائب ملمحاً جمالياً متماهياً في دلالة الحائط الدنيوي، ذلك أن الشاعر الذي يعاني من ظهورات الحائط الخاصة والعامة يدرك التماسّ الشامل مع جوهرية الحائط المتعدد في المستويين الخاص والعام، لذلك نجد الشاعر من منطقة ذاته يشير إلى عمومية الحالة التي يمثلها الفاعل. كما أنه في ضمير الغائبِ دلالة تطبيقية متمثلة في أنّ إجرائية الحائط تجعل إمكانية فصلٍ يترتّبُ عنه وجود عنصر الغياب. أما بالنسبة لهوية الحائط في الشذرة [14/ عمتِ حائطاً / يا جدّتنا الحروب] فيمكننا تقديم عدد من ممكنات التأويل له:
– أن يكون حجاباً بين الحياة والموت كما ورد في 7/.
– أن يكون فاصلاً بين الإنسان والمتأنسن، بين الحقيقة واللا..، أو أن يكون متصدعاً من خشية الصورة كما في 5/.
– أن ينهار، أو أن يخلق العراء كما في11/.
وثمة تواطؤٌ وإيماءٌ بالعلاقة بين مفردة ‘جدتنا’ في 14/، وبين ‘تعمر الحيطان’ في الشذرة [16/ تعمر الحيطان/ ولسبب ما /تسير وراء الأحياء]. كذلك الشأن بين مفردة ‘الحروب’ في الشذرة 14/، وبين ‘تسير وراء الأحياء’، ففي الشاهدين دالة متسلطة تحدث الضرر والإيذاء.
ونلاحظ في عدم تحديد أو الإفصاح عن سبب معين حين يقول ‘لسبب ما’ إشارةً؛ وقد انتبهنا إليها من زاويتين: الأولى: من أداة ‘ما’ حيث تحتمل الـ’ما’ أن يكون السبب خفياً في أسبابٍ. الثانية: في قوله ‘لسبب ما’ إشارة إلى كثرة مرجعيات مسببات الحروب (من طرف واحد) المحلية المشتعلة بين الحائط- النظام، اللسان الشعب؛ والحروب من (أطراف كثيرة) العالمية المعلنة باسم مختلف الأقنعة الملموسة والمدسوسة.
في نص ‘ال زج اج’ – نرى أن الشخصية الشعرية، الزجاج، ملامسة ومعاينة لظهورات وسرعات المآل، إنّ الزجاج هنا شخصية شعرية لا تتمتع بمركزية مطلقة في النصّ. جوهر ذلك نلاحظه في مظهر التفكيك ‘الواعي’ للمفردة، ومن ثم جعلها عنواناً للنص الكلّ. ولعل ذلك هو التبليغ الشعري و’المعادل الموضوعي’ للمادية والمعنوية المتشظية؛ وقد تَسَنَّتْ لنا رؤيةٌ مثيلةٌ لذلك في نص ‘الحائط’. وفي قراءتنا لنصّ ‘النبيذ أكثر رحمة’ نلاحظ، أولاً، أن النبيذ- شخصية تتكرر في داخل النص في عناوين داخلية هكذا (نبيذ للطبيعة، نبيذ للحروب، نبيذ للأطفال، نبيذ للحظ، نبيذ للوطن، نبيذ للحياة، نبيذ للعالم، نبيذ للكتب، نبيذ للانترنت، نبيذ للمدن، نبيذ لي لكم، نبيذ للنسيان). وهكذا هي تتكرر، وتختلف في الوقت ذاته كلما تجاورت عن ‘وعي’ مع وجوديات وخصوصيات وعموميات وظرفيات مختلفة كـ (الطبيعة، الحروب، الأطفال، الحظ، الوطن، الحياة، العالم، الكتب، الانترنت، المدن، لي لكم، النسيان).
وهنا نكشف عن حدوث تدخّل وقصد واضحين من ‘وعي’ الشاعر لجعل الشخصية الشعرية واحدية – مركزية في النص، وتظهر قوة التكوين حين نقف على خواصّ النبيذ الفعلية في الإنسان، ولعل الخاصية المركزية للنبيذ هي العمل على إفساد أو تغييب ‘الوعي’ لاستحضار ‘اللاوعي’ الذي يشي بالغياب وبتشتت التركيز، وهو ما نجده واقعاً ملموساً في (الطبيعة والحياة والعالم، والوطن، والأطفال، والمدن). أما شخصية النبيذ المجاورة للحروب، فإنها تشي بذهاب العقل، وممارسة الحروب للجنون والإفساد والتخريب الذي يطال قيم معالم وجود البشر، كذلك شخصية النبيذ الشعرية نراها مرتبطة بالكتب مرة، وبالانترنت مرة ثأثيرها الفعال، على الفرد القاريء للعالم. ثم هو يقول ‘ نبيذ لي لكم’ جاعلاً النبيذ مشتركاً بينه وبين آخرين، مختتماً النص بالعنوان الفرعي ‘ نبيذ للنسيان’، إنه بذلك يجعل من نبيذ النسيان أكثر رحمةً في آخر النص، وملاذاً لإبقاء الذاكرة معطلة أمام ما يجري، الآن!
للوهلة الأولى سيقول قائلٌ: إنّ هذا التناول ينهض على أو يصبّ أو يتقاطع في المادة النقدية التي كان قد طرحها الناقد كمال أبو ديب، في بحثه ‘الواحد/ المتعدد’ وقد لا تسعفنا البراءة في التحرّر من ظاهر التأثّر، غير أنّ تنبيهاً لدينا ويساهم في صرف وإخراج القاريء من دائرة الطرح الذي يقدمه كمال أبو ديب؛ فالتنبيه يشير إلى أنه ليس من تحقّقٍ أو تقاطع، مع أبي ديب، في آلية التصرف النقدي، ذلك أننا، هنا، نتحدّثُ عن الـ ‘الشخصية الشعرية’، وكيف تتعدد وتتكاثر وتتقلّب وتتزاحم بعد تحوّلها من كينونتها الفيزيقية إلى كينونات إشارية ترميزية تضطلع بقراءة حالة التزاحم والتداعي والتشظي والانهدام والملحقات التي تفاقم الفوضى في داخل نصّ المعاصرة. أما أبو ديب فإنه كان يقدّم رؤيته على أساس الفاعليات الزمنية المتصارعة بين ثوابت الماضي ومطالب التغيّر في الحاضر وهنا وجب التقاطع في المضمون. ‘إن ثنائية ‘الواحد/المتعدد’ تمثل، بمفهوم أبي ديب، إحدى الثنائيات الجوهرية التي يتيح تحليلها، كما يقترح في دراسة سابقة، فهمَ البنى العميقة في الثقافة إلى درجة تفوق ما تنتجه معظم السبل التحليلية الأخرى. وكما يبدو، لأبو ديب، هنا أن العلاقة بين طرفي هذه الثنائية في الثقافة العربية، عبر تاريخها الطويل، تميل إلى أن تكون علاقة نفي سلبي، علاقة قطبين لا يمكن أن يقوم بينهما من توسط، بل يميل أحدهما (وهو الأول في الغالب) إلى نفي الآخر نفيا قاطعا. كما يبدو له أيضا، أن في الثقافة هوساً طاغياً بالوحدانية يتمثل في المنابع الدينية للثقافة بالدرجة الأولى، ثم يتجلى في الفاعليات الإبداعية والإنتاجية العادية فيها’. (مجلّة فصول، صيف 1996، ص42).
نعرض في سياق فردية الذات وفوضوية وتزاحمية الراهن، مقاطع من نصّ يحمل عنوان ‘حياتك تسير بعين واحدة’ للشاعر الكنتاوي. هذا العنوانُ كفيل بإلقاء الضوء على ما نساق لإضاءته في نصّ المعاصرة’، في بداية النص:
حياتك
تسير بعين واحدة اتجاه يديك
هل تعبت من رائحة الآخرين؟
البداية في النص تضعنا أمام طرفين:الأول، ‘حياتك تسير بعين واحدة تجاه يدك’ {فردية الذات}، الآخر: ‘رائحة الآخرين’ { فوضوية وتزاحمية الراهن}، والشاهد بطرفيه يقدّم حالة تجاور تنافري داخل الحلقة. إنّ سؤلاً يحدث فيما بين الطرفين: هل تعبت ؟ تظهر إجابتةَ في الشاهد التالي من النص ذاته:
أنت أيضا، تتهاوى
نص أحزانك
يسود نص أفراحك
في الإجابة، إذن، ظهورات لآثار التعبِ من الآخرين ورائحتهم. كذلك فإننا نجدُ في وجه الشاهد انفصالا لواحدية الأنا في مبناها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية