انكشاف مخطط استكمال النكبة

انكشف في الأيام الأخيرة ما يؤكد تماماً ما لم ننفك نحذّر منه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وهو أن اليمين الصهيوني سوف ينتهز فرصة عملية «طوفان الأقصى» كي يحاول تنفيذ حلمه القديم بتهجير معظم السكان الفلسطينيين من الأراضي المحتلة في عام 1967، استكمالاً لنكبة 1948 وتحقيقاً لمشروع «إسرائيل الكبرى». فقد نشر موقع «ميكوميت» (المكالمة المحلية) الإسرائيلي المعارض، يوم السبت الماضي، وثيقة خطيرة صادرة عن وزارة الاستخبارات الصهيونية التي تشرف عليها غيلا غامليل، وهي عضوة بارزة في حزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو. وقد أكّدت حقيقة الوثيقة فيما بعد بعض أجهزة الإعلام الإسرائيلية، منها صحيفة «هآرتس» يوم الإثنين، كما ترجمها إلى الإنكليزية موقع 972+ المناهض للسياسة الإسرائيلية.
إنها وثيقة صادرة بتاريخ 13 أكتوبر/ تشرين الأول ومعنوَنة «خيارات متعلقة بالسياسة إزاء سكان غزة المدنيين». والخيارات المذكورة ثلاثة هي: (أ) يبقى سكان غزة في القطاع وتتولّى حكمهم السلطة الفلسطينية؛ (ب) يبقى سكان غزة في القطاع وتقوم فيه سلطة عربية محلية؛ (ج) إجلاء السكان المدنيين من غزة إلى سيناء. وتعتبر الوثيقة أن الخيارين (أ) و(ب) تشوبهما عيوب هامة، لاسيما من حيث أن أيا منهما لن يستطيع توفير «المفعول الرادع» الكافي في المدى الطويل. أما خيار (ج) فتقول الوثيقة عنه أنه «سوف يأتي بنتائج استراتيجية إيجابية طويلة المدى ويمكن تحقيقه. فهو يقتضي عزماً من قِبَل القيادة السياسية في مواجهة الضغط الدولي، مع التشديد على أهمية كسب الدعم للمشروع من طرف الولايات المتحدة وسواها من البلدان المؤيدة لإسرائيل».
ثم تمضي الوثيقة في تفصيل كلٍ من الخيارات الثلاثة. وسوف نكتفي هنا بالخيار الثالث الذي تحبّذه الوزارة، وهو خيار إجلاء السكان المدنيين عن غزة. فتصف الوثيقة السيناريو على الوجه التالي: «1. بسبب القتال ضد حماس، ثمة حاجة لإجلاء غير المقاتلين عن مناطق المعركة؛ 2. يجب أن تسعى إسرائيل وراء إجلاء السكان المدنيين إلى سيناء؛ 3. في مرحلة أولى، يجري تشييد مدنٍ من الخِيَم في سيناء، وفي مرحلة لاحقة يجري إنشاء منطقة مساعدات إنسانية لعون سكان غزة المدنيين ومن ثم بناء مدنٍ في منطقة خاصة بإعادة التوطين في شمال سيناء؛ 4. ينبغي خلق منطقة عازلة من بضعة كيلومترات داخل الأراضي المصرية ومنع عودة السكان إلى نشاطات أو إلى الإقامة قرب الحدود الإسرائيلية. فضلاً عن ذلك، يجب إقامة حزام أمني داخل أراضينا قرب الحدود مع مصر».

اليمين الصهيوني سوف ينتهز فرصة عملية «طوفان الأقصى» كي يحاول تنفيذ حلمه القديم بتهجير معظم السكان الفلسطينيين من الأراضي المحتلة في عام 1967، استكمالاً لنكبة 1948 وتحقيقاً لمشروع «إسرائيل الكبرى»

ثم تمضي الوثيقة في تفصيل سيناريو التهجير، الذي ترى أنه يبدأ بالدعوة إلى جلاء السكان غير المقاتلين عن منطقة القتال، وتنفيذ عمليات قصف جوّي مركزة على شمال غزة لإتاحة المجال أمام اجتياح برّي. وفي مرحلة ثانية، يبدأ الاجتياح من الشمال وعلى طول الحدود حتى احتلال كامل القطاع والقضاء على أنفاق «حماس». وطوال ذلك الوقت، «من الأهمية بمكان أن تُترك الطرق المؤدية إلى جنوب القطاع مفتوحة للسماح بجلاء السكان المدنيين نحو رفح». وتدّعي الوثيقة أن هذا الخيار من شأنه توفير أرواح المدنيين مقارنة بالخيارين الآخرين، وأنه يندرج في سياق من النزوح واسع النطاق كما جرى في سوريا وأفغانستان وأوكرانيا. وترى أن من واجب مصر بموجب القانون الدولي أن تفسح المجال أمام مرور السكان المدنيين، وأن القاهرة سوف تجني لقاء تعاونها مساعدة مالية في معالجة أزمتها الاقتصادية الراهنة.
ومن الملفت للنظر أن وثيقة وزارة الاستخبارات الصهيونية صدرت بالتزامن مع دعوة إسرائيل سكان شمال غزة إلى الهجرة إلى جنوبي نهر وادي غزة يوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول، بما يؤكد أن تلك الدعوة اندرجت في مخطط الخيار (ج). والحال أن كل ما قامت به إسرائيل حتى الآن ينسجم تماماً مع مخطط النكبة المكرّرة في غزة كما وصفته الوثيقة. هذا وقد نشرت صحيفة «فايننشال تايمس» تقريراً صدر يوم الإثنين عن مراسليها في العواصم الأوروبية يفيد بأن نتنياهو سعى وراء إقناع الحكومات الأوروبية بالضغط على مصر من أجل إقناعها باستقبال اللاجئين القادمين من غزة. بيد أن باريس وبرلين ولندن أبدت جميعاً قناعتها بأن هذا المطلب غير واقعي، لكنها مع ذلك أخذت تضغط على القاهرة كي تفتح أبواب مصر متحججة باعتبارات إنسانية. ويتبين من التقرير أن ثمة اعتقاداً في بعض الأوساط الأوروبية أن كثافة النزوح إلى الحدود المصرية مع تقدّم العمليات العسكرية البرّية من شأنها مفاقمة الحشد البشري على الحدود بما قد يجبر مصر، بالتضافر مع الضغط الغربي، على تغيير موقفها. كما يتمنى مخططو التهجير بكل تأكيد أن يؤدّي حشد النازحين على حدود غزة الجنوبية إلى اقتحامهم للأراضي المصرية هروباً من القصف والزحف العسكري الإسرائيليين، غصباً عن السلطات المصرية التي لن تستطيع إطلاق النار على المدنيين الغزّاويين.
في هذه الأثناء، بدأ المستوطنون في الضفة الغربية ينتهزون من جانبهم فرصة «طوفان الأقصى» ويصعّدون الضغط على الفلسطينيين القاطنين في منطقة «ج» (وهي تشمل القسم الأكبر من أراضي الضفة بنسبة تزيد عن 60 في المئة) من أجل أن ينزحوا، ليس إلى المنطقة التي تشرف عليها «السلطة الفلسطينية» بل إلى الأردن! وهذا يشير بوضوح إلى نية اليمين الصهيوني في استكمال النكبة في عموم الضفة الغربية أيضاً حالما تسنح الفرصة في تقديرهم.

كاتب وأكاديمي من لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    لن تفلح عصابة النتن ياهو في تهجير الفلسطينيين هذه المرة، والأيام بيننا وبين بني صهيون 🇵🇸🤕✌️🌙🌙🌙🌙

  2. يقول رواية من أغمات:

    لا تتعب نفسك سيدي … فمند خطة شارون باني الصور دأبت خطط المحتل بعد أي حادت نضالي بتقتيل اكبر عدد ممكن من الاطفال والابرياء أولا تم بعد دلك يقوم بفرض تنفيد خطته التاريخية الجاهزة حسب القوانين الدولية ابتداء من حق الدفاع عن النفس و كبح العمليات الارهابية في حرب مطاردة “الاشرار “وأخيرا إعادة” تأهيل الحدود الامنية لحماية اسرائيل” ) وبعدها يترك الساحة فارغة للاخرين لمن شاء ان يعيد تقييم الوضع من جديد والاستفاضة في التحاليل السياسية المرتبطة بالصراعات الاقليمية الاستهلاكية التي تبقى تحوم كالمعتاد حول موضوع صراعات امريكا و إيران في المناطق العربية المنكوبة…..ليبقى السؤال “العبتي او الوجودي” دائما هل ممكن أن يأبى التاريخ هده المرة من أجل دموع الابرياء وعجز العرب ان لا يعيد نفسه ولو مرة واحدة في عمرنا القصير !!!!!؟

  3. يقول تيسير خرما:

    لم يستوعب عرب ومسلمين نتائج هدم نظام دولي بغزو روسي همجي لأوكرانيا بدعم صيني ففوجئوا بدعم فوري عارم غير مشروط بكل مجال لإسرائيل من كل أركان العالم الحر فور حدوث غزوة حماس كما حصل مع أوكرانيا حيث يعتبر العالم الحر أوكرانيا وإسرائيل قواعد متقدمة للغرب أمام عقيدة روسية توسعية بشرق أوروبا وعقيدة إيرانية توسعية بالشرق الأوسط مع استعداد شعوب أوكرانيا وإسرائيل لتقديم جهود وتضحيات بل وتحظى إسرائيل بميزة أكبر مع حاجة سياسيي الغرب لأصوات اليهود الإنتخابية وماكناتهم الإعلامية الضخمة ونفوذهم المالي الكبير.

  4. يقول تاريخ حروب الغرب وأتباعهم:

    كُشف منذ الإدعاء: “ارض بلا شعب، لشعب بلا أرض” وتقسيم فلسطين الى ثلاثة أقسام يختفي إسم فلسطين منها!

  5. يقول صلح:

    لا سمح الله. نحن نتفاءل خيرا ان شاء الله هدنه وتبادل اسرى وصالتبقى المشروع حبران على ورق

  6. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكرًا أخي جلبير الأشقر. في الحقيقة الخوف هو أن تتعاون مصر السيسي مع هذا السيناريو المخيف! وحسب بعض وسائل الإعلام فقد بدأ نقل بعض الجرحى إلى مصر بدلًا من إدخال المواد الطبية والعلاجية اللازمة إلى غزة! وإنشاء مستسفيات ميدانبة في جنوب غزة. أعتقد أن الأردن لن يتعاون في هذا الأمر لكن قد لايبقى له مفر من القبول بالأمر الواقع كما فعلت الأنظمة العربية بالقبول بالواقع المأساوي في سوريا وأخذت بالتطببع مع النظام! الشعوب العربية وخاصة في مصر سيكون لها دور مهم لكن هل ستسمح الفرصة مرة ثانية بربيع أخر، هذا أملنا على جميع الأحوال.

  7. يقول عمر علي:

    مقال يعكس حقيقة السياسات العنصرية الاسرائيلية وضعف جامعة الدول العربية والدول العربية.
    لا حل الا بالصمود والتمسك بالارض الفلسطينية المباركة وتوسيع الدعم العالمي للشعب الفلسطيني.

اشترك في قائمتنا البريدية