«بزوغ إبداعي» معرض تشكيلي يجمع 74 فنانا بتجارب فنية تونسية متنوعة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: احتضن المركز الثقافي «سانت كروا» بالمدينة العتيقة للعاصمة التونسية معرضا للفن التشكيلي خلال شهر ايار/مايو الجاري ضمّ 74 فنانا وفنانة شاركوا بما يقرب من 150 لوحة بتقنيات مختلفة ومواضيع حرة. هو معرض فني جماعي حرصت على تنظيمه الجمعية التونسية لعصاميي الفن التشكيلي وذلك في فضاء ثقافي جميل كان يُستغل ككنيسة فتحول إلى فضاء للإبداع الفني تستغله بلدية الحاضرة في أنشطتها الثقافية.

وللإشارة فإنه لدى القسم الثقافي لبلدية تونس العاصمة فضاءات أخرى عديدة سواء داخل المدينة العتيقة أو خارجها مثل قصر خير الدين، المصلح التونسي الشهير، بالمدينة العتيقة، ورواق يحيى بالبالماريوم بشارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة، وفضاء كنيسة سانت كروا بالمدينة العتيقة أيضا. كما يقوم القسم الثقافي لبلدية تونس العاصمة، وهي البلدية العريقة التي تأسست منذ سنة 1858 أي قبل دخول الاستعمار الفرنسي إلى تونس، بإسناد جوائز سنوية للفنون التشكيلية والأدب إضافة إلى تنظيم عديد التظاهرات.

تجارب متنوعة

وانتظم هذا المعرض خلال الشهر الجاري وذلك بعد أن تم افتتاحه مع نهاية شهر نيسان/ابريل المنقضي، وهو المعرض الثاني هذا العام لبلدية تونس العاصمة بعد معرض جماعي آخر انتظم خلال شهر رمضان بدار الثقافة السليمانية بالمدينة العتيقة أيضا. لكن اللافت في معرض سانت كروا، والذي يميزه عن معرض السليمانية هو العدد الهام من الفنانين المشاركين وأيضا العدد الكبير من اللوحات المعروضة حيث يتم عرض قرابة 150 لوحة تشكيلية قام برسمها 74 فنانا من الرسامين التشكيليين التونسيين.
وأطلق المنظمون على معرضهم عنوان «البزوغ الإبداعي» وقدموا عددا من الأعمال الفنية فيها تجارب وأساليب وتقنيات متنوعة جمعها عشق الفن التشكيلي والرغبة في التواجد الجماعي وتقديم أعمالهم لجمهور من مختلف المشارب والأذواق. كانت فسيفساء لفنانين ينتمون إلى مدارس تشكيلية مختلفة أضفى تنوعها على المعرض مسحة جمالية خاصة ومميزة يفتقدها أحيانا زائر بعض المعارض الخاصة الذي لا ترى عينه فيها سوى نمط واحد يكاد يتكرر من لوحة إلى أخرى.

دعم القضايا العادلة

ومن بين الفنانين التشكيليين المشاركين الرسامة خميسة العبيدي التي كانت مشاركتها بلوحتين شدتا انتباه الحاضرين في هذا المعرض الجماعي الذي أضفى حركية ثقافية على المدينة العتيقة التي اعتادت مبانيها القديمة التي تعبق برائحة التاريخ والأصالة على احتضان مثل هكذا معارض. وحملت اللوحتان اللتان أبدعتهما أنامل الفنانة التشكيلية التونسية عنوان «أعماق» و«خيرات بلادي» وفيهما الكثير من الأصالة والاعتزاز بالهوية والانتماء، بالإضافة إلى دعم القضايا العادلة وفي مقدمتها قضية التونسيين الأولى، القضية الفلسطينية.
تقول خميسة العبيدي الأستاذة والفنانة التشكيلية المشاركة في المعرض لـ«القدس العربي» إنها استلهمت موضوع لوحة «أعماق» من حاجة التونسيين والعرب للتعمق في معرفة تاريخنا. أما لوحة «خيرات بلادي» فقد استلهمتها الفنانة التونسية، حسب ما جاء في حديثها، من قدرة شعبنا في فلسطين على الصمود بوجه المحتل الغاشم ومن قدرته على التمسك بالأرض.
وتضيف العبيدي قائلة: «بالنسبة للوحة خيرات بلادي، لقد رسمت حقل عنب في رمزية لقدم ارتباط الفلسطينيين بالأرض وزرعهم للعنب منذ سكن الكنعانيون العرب فلسطين قبل آلاف السنين وحفروا الصخر لعصره وصنعوا الفخار لخزنه. وهذا دليل ثابت تاريخيا وفي علم الحفريات يقودنا إلى الدافع لصمود الفلسطينيين وهو التجذر في أرضهم التي عمروها منذ العهود القديمة. وقد استعملت التقنية الزيتية لإضفاء مسحة جميلة ولزيادة تحمل اللوحة للعوامل البيئية وكذلك في إشارة إلى أن الهجوم على البيئة الفلسطينية أصبح هدفا للصهاينة.
أما اللوحة الثانية بعنوان «أعماق» فهي إشارة مني إلى حاجتنا لمعرفة تاريخنا العربي، حيث رسمت بحرا وسمكا يتنقل في عرضه، وفي ذلك تذكير بعمق تاريخنا وحضارتنا. وفي ذلك أيضا إشارة للامتداد الجغرافي من المشرق إلى المغرب العربيين، وواجبنا في الدفاع عن هذه المنطقة التي ننتمي إليها، وقد اخترت التقنية المختلطة حتى أعطي عمقا للمشهد».

كتابة التاريخ

ومن بين المشاركين في هذا المعرض الفنان طارق بلحاج يحي الذي جلب الأنظار بكتابته الفنية والمبسطة للتاريخ ولتطور العلم التونسي في لوحة سماها «حكاية علم» تبرز نشأة هذا العلم ومراحل تطور شكله ولونه والشخصيات المساهمة في وجوده. ففي اللوحة علم أول دولة في تاريخ تونس والمنطقة المغاربية وهي جمهورية قرطاج والذي يتضمن رمز التانيت، آلهة الخصب عند القرطاجيين، وهناك أعلام الدولة الأغلبية التي حكمت من القيروان، والفاطميين الذين حكموا من مدينة المهدية والقيروان التونسيتين قبل الرحيل إلى القاهرة، وعلم بني زيري الذين حكموا من القيروان والمهدية أيضا، وعلم الحفصيين الذين اتخذوا من مدينة تونس عاصمة لهم، وأخيرا علم المملكة التونسية لسنة 1830 وهو أقدم الأعلام العربية والأفريقية والذي تعتمده تونس إلى اليوم وهو عنوان تحررها من الاستعمار الفرنسي ورمز دولة استقلالها الحديثة.
هذه اللوحة هي أرشيف بكل ما للكلمة من معنى ورحلة تأخذ جمهور المعرض إلى قرون خلت، إلى الملك التونسي المصلح أحمد باي الذي قام بإلغاء الرق وعتق العبيد منذ 26 كانون الثاني/يناير 1846 وكان سباقا في ذلك على فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. كما تضمنت اللوحة صورة للشيخ ابراهيم الرياحي مفتي المالكية وأحد أهم رجال الدين في عصره ومن أهم أقطاب التصوف ممن تصدوا للفكر المتطرف الوافد من خارج الديار والراغب في تغيير عقيدة البلاد التونسية ومذهبها.

لقاء إبداعي

ترى الإعلامية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي سامية حرار في حديثها لـ«القدس العربي» أن المعرض التشكيلي بزوغ إبداعي المنتظم المركز الثقافي سانت كروا بالمدينة العتيقة للعاصمة هو نجاح تنظيمي جديد يُحسب للفنانين التشكيليين المشاركين وللجمعية التونسية لعصاميي الفن التشكيلي وأيضا للقسم الثقافي لبلدية تونس. فالمعرض، حسب الإعلامية التونسية، كان فرصة للقاء بين عدد من الفنانين التشكيليين التونسيين من مشارب متعددة ما مكن الزائر من الإطلاع على تجارب عديدة وكأنه زار عدة معارض في الآن نفسه واستمتع بما تم عرضه من لوحات فيها الكثير من الإبداع والعمق في تناول المواضيع.
وتضيف محدثتنا قائلة: «لا بد من التكثيف من مثل هكذا مبادرات حتى نطلع على مدارس عديدة في نفس الوقت ونختصر الزمن في الإطلاع على عدد هام من التجارب في مجال إبداعي عرف برقيه وحساسية جمهوره. فالفضاءات متوفرة والفنانون التشكيليون التونسيون يبذلون قصارى جهدهم ولديهم دائما ماهو جاهز للعرض من أعمالهم الفنية التي تنم عن موهبة وسعي دؤوب للتطوير، فقط وجب أن تتواجد الإرادة للنهوض بالفن التشكيلي التونسي ليقارع الأمم الكبرى في هذا المجال».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية