«بين أروقة النقد» للأردنية دلال عنبتاوي: دراسات تطبيقية في الرواية والقصة والشعر

حجم الخط
0

في كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» وبدعم من وزارة الثقافة الأردنية، تطوف بنا دلال عنبتاوي في أروقة النقد، وتعرض لنا نماذج لدراسات نقدية تطبيقية في الرواية والقصة والشعر. تحمل مشعلا وتمشي أمامنا في أروقتها، وتسلط الضوء على المكان والزمان والتشكيل، لنصبح أكثر التصاقا بعملية التلقي والتفاعل مع النص، وربما محاكمته سواء كان سرديا أو شعريا.
من خلال تتبع أسماء أصحاب النصوص الواردة في الكتاب، يتضح أمامنا تركيز الناقدة على التجارب المحلية، التي وصل بعضها إلى الإقليمية، وربما إلى أبعد من ذلك بفعل الترجمة ومعارض الكتب والدراما والجوائز والندوات الافتراضية. وقد لا يتسع المقام لذكر جميع التجارب في كل رواق، لكن لا بد من الإشارة إلى بعض الأسماء لتعيننا على الدخول في عوالم الكتاب، وتجسير الهوة بين التوقع والواقع، مثل جمال ناجي وسميحة خريس وقاسم توفيق في الرواية، وهشام عودة وراشد عيسى ونضال القاسم في الشعر، وبدر عبد الحق وجعفر العقيلي وأماني سليمان في القصة القصيرة.

دلال عنبتاوي

ومن الملاحظ أيضا أن هذه الاختيارات جاءت لتغطي طيفا واسعا من الأصوات، من حيث عرض التجربة وعمقها والبيئة الحاضنة لإبداعها والتجاذبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعيشة، التي غذت المخيلة وألحت على صاحبها لتخرج على هذا النحو أو ذاك. دراسات تحفر في نتاج أجيال من المبدعين الأردنيين، تمتد على مدار نصف قرن. وبالتالي، هذا النبش في التجربة المحلية جزء من حركة النقد العربي، الذي ما زال بحاجة للمزيد من الحراك التطبيقي.
في رواق الرواية تشتغل الناقدة على مواضيع مثل، التشكيل المكاني وعلاقة الشخصيات بالمكان والحكاية التراثية، وثيمة الموت وتقنيات بناء الزمن، والوصف وأدب الرسائل وتمثلات الراوي. وهذه الاشتغالات وغيرها من الجزئيات المنبثقة عنها هي في عين تفكير الروائي وبؤرة اهتماماته. ومن هنا يأتي هذا التقاطع بين رؤى المبدع ومبضع الناقد، حتى تنثال هذه المواضع الجمالية أمام القارئ الذي يستشعرها، لكنه قد لا يمتلك الأدوات المناسبة لتوصيفها والتعبير عنها.
اللافت في الدراسة الأولى في الكتاب وهي بعنوان: التشكيل المكاني في رواية «فرودمال» ما قاله قاسم توفيق، مؤلف الرواية، حول ثيمة المكان في الأعمال الصادرة في تلك الفترة: «أنا بمجموعتي القصصية الأولى، التي كانت معنونة (آن لنا أن نفرح) والتي صدرت عام 1978، ذكرتُ عمان بتفاصيلها ـ ربما الدقيقة أحيانا- فذكرت سقف السيل، والوحدات، وجبل عمان، في الوقت الذي كان فيه الروائي الأردني عندما يحكي عن عمان، يتخفى تحت اسم آخر».
وقبل الانتقال إلى رواق الشعر، أحب أن أشير إلى أهمية المكان في النص الروائي كما ظهر في الكتاب من خلال كلمات دلال عندما قالت: «ومن هنا يرى بعض الدارسين أن عبقرية الأدب حقا، تكون في حيزه المكاني».
وفي رواق الشعر كانت أهم الموضوعات المطروقة: ملامح الشعر الصوفي، ورمزية المكان الطبيعي، والسيرة الذاتية، وإنسانية الشعر، والتكرار، وجدلية الزمن والحب، وحضور المدينة، والانزياح. هذه الموضوعات في مجملها تعكس حساسية ما لالتقاط ما تخفى في الظل وجلبه إلى دائرة النور، وقد تبدو وظيفة سهلة، لكنها تحتاج لعين مدربة تلتقط الفكرة وتطور الدلائل والقرائن التي تخدم رؤية الطرح، وقد دأبت الناقدة على منهجية واضحة في عرض الموضوع، ابتداء من بسط المفهوم والاستعانة بالمراجع للإلمام بالطروحات والآراء السابقة، في النقطة قيد البحث، ثم سَوْق الأمثلة من النص المختار لهذه الغاية.
في الدراسة المعنونة: إنسانية الشعر عند راشد عيسى، يقول الشاعر راشد عيسى في أحد اللقاءات، كما هو مثبت في الكتاب: «إن طبيعة الشعر نهضوية، ووظيفته جمالية خالصة. أنا أكتب القصيدة لأعيش الحياة، إن قصائدي تتزين بملامح فلسفية وبالذات البعد الصوفي فالشعر دمعة الفلسفة، شخصيا أخلص للقصيدة لأستمتع بوقتي وأحلامي المؤجلة، دون أي هدف دنيوي». ومن القصائد التي وردت للشاعر في الدراسة المقطع التالي: الشعر روائحُ/ ولذا أكتبُ/ رائحة رغيف الراعي، رائحة حريق في قلبي/ رائحة غزال مذعور من ظل السحب/ رائحة النهد الأرعن، رائحة الأرض المحروثة توا/ رائحة الأمل الكاذب.
وفي الرواق الأخير المخصص للقصة القصيرة، ركزت الناقدة على بنية الحوار، واللامعقول، وجماليات اللغة، والواقعية، والمكان، وبنية العنوان. وفي الدراسة المعنونة: جماليات اللغة في مجموعة «سمهِ المفتاح إن شئت» لأماني سليمان تقول الناقدة: «في الحقيقة كانت القاصة أماني سليمان ملمة بأسرار التركيب اللغوي وإدراك مكنونات الجملة العربية، كانت حريصة على استخدام اللغة المزنرة بالصور والاشتقاقات المبتكرة». ومن قصة «وجه في مرآة» استشهدت الناقدة بالمقطع التالي: «من أي زمن عدتُ، وأي مرآة لفظتني لأكون هنا، أو لأكون.. أم أن لوثة في العقل، أعملت حوافها الحادة بي، فأخذتني حيث اشتهت أحلامي، لستُ أدري، غير أني وجدت نفسي فجأة بجوار باب البيت، يعبث أرنب صغير حول قدمي ويشمشم أطرافي».
وفي الختام أقول إن هذه الدراسات التطبيقية هي الأقرب إلى القارئ من النظريات والمذاهب النقدية، التي يعتريها الكثير من المصطلحات والشرح الأكاديمي المحض. لعبة الشد والجذب بين الكاتب والناقد قديمة منذ كان الأدب والنقد، فالمبدع يحاول أن يغلف مراميه بطبقات من الكلمات والأشكال والتقنيات والجمل، التي تقول ولا تقول، وهنا يأتي دور الناقد الذي ينظر في النص فيقف عليه ويزيح عنه الغلالة الداكنة بصبر وروية حتى تتضح معالمه وتتبين معانيه.

كاتب أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية