ترنح الدولة

حجم الخط
0

ترنح الدولة

د. مصطفي عبد العالترنح الدولة من المعروف ان السلطة هي مجرد جزء من مفهوم الدولة الأكثر اتساعا من مفهوم السلطة، وعليه فمن الممكن ان تترنح السلطة او تنهار دون ان يؤدي ذلك بالضرورة الي انهيار الدولة لذا فان ما نعنيه بترنح الدولة هنا فيما يخص الواقع المصري هو حادث أبعد كثيرا من مجرد ضعف السلطة او غبائها او تفككها واذا ما اعتبرنا ان للدولة مؤسسات عديدة بعضها جزء من السلطة الحاكمة وبعضها يقع خارج هذه السلطة فان الترنح الذي نعنيه يتبدي في كل هذه المؤسسات حتي وان كان اكثر ظهورا في المؤسسات التابعة للسلطة.اردنا من هذا التعريف ان يشكل مدخلا للنظر الي ما يحدث في مصر المحروسة والذي نتصور بكل المقاييس انه شديد الخطورة اذ انه لا يتعلق فقط بمن يحكم ومن يعد نفسه كبديل لمن يحكم فما يحدث في مصر يصيب كل عناصر الدولة بالترنح سواء كان الحاكم او الشعب او النخب او حتي الوطن ومن اجل التعرض بالتحليل لهذا الوضع الخطير سوف نحاول النظر الي محاور ثلاثة الاول اداء السلطة وتابعيها والثاني الشعب ونخبه الظاهـــــــرة والأخير الوطن وعلاقته بما هو غير وطني او اجنبي او خارج عن هذا الوطن وقد تتداخل المحاور لانها متداخلة فعلا بحكم المنطق فنحن لا نستطيع النظــر للسلطة بمعزل عن الشعب كما لانستطيع تصور سلطة او شعب لا يتأثران بما يأتي اليهم او بما يذهبون اليه خارج الوطن.واذا ما بدأنا بالنظر الي ترنحات السلطة لوجدنا ان اكثرها ظهورا هو ذلك المناخ الذي يؤكد ان فترة حكم الرئيس مبارك والتي دامت لربع قرن علي وشك الافول سواء كان هذا بحكم العمر او السن او القدرات، علي مواجهة العواصف الداخلية والخارجية، هذا اليقين الذي لا ينكره الا مخبول او مخبول، يستلزم الاستعداد لملء الفراغ الذي سوف ينتج عن انتهاء حكم مبارك وبالرغم من ان كل التوقعات تقريبا تشير الي ان ابن الرئيس هو الرئيس القادم الا ان السلطة ما زالت مستمرة في القسم باغلظ الايمانات انها سلطة ديمقرطية لا مجال فيها للتوريث الذي هو من شيم الملكيات خصوصا ان النظام القائم هو امتداد لشرعية يوليو العظيمة التي الغت الملكية كما ان جمهوريتنا حماها الله محكومة بحزب وطني وديمقراطي كمان، هذا الحديث الفارغ ليس هو الترنح في ذاته وان بدا كذلك اذ ان الترنح الفعلي هو فيما يتبعه من افعال وسياسات تحاول ان تدعم هذا الحديث الفارغ، مثل ما حدث اثناء الانتخابات الاخيرة حيث كان التليفزيون المصري يدعو الناس لممارسة حقهم الانتخابي ثم يتم منعهم بالقوة من دخول لجان الانتخاب والادلاء بأصواتهم، نفس هذا التلفزيون يقدم برامج للحوار والمعني الاولي والبديهي للحوار هو ان يكون بين اطراف متعددة الرؤي الا انه وبمنطق الترنح يصبح حالة من الخطاب التعبوي التافه الذي يدفع بالناس للتعاطف مع من تتم التعبئة ضدهم وهم في هذه الحالة جماعة الاخوان المسلمين، هذا التردي في الاداء السلطوي يصل الي ذروته عبر صراعات مكتومة داخل اروقة السلطة فلا يعرف احد من يفعل ماذا وكيف؟ فالتغيير الوزاري الاخير يترنح بين اختيارات الاب ورجاله والابن وحوارييه وعليه يتم الاعلان عن تعيين وزير ثم يعلن عن تعيين شخص غيره، ويلقي باللوم علي الجرائد التي اخطأت في نشر الخبر، تماما كما حدث في واقعة نجاح مرشح الاخوان في مواجهة مثقف السلطة مصطفي الفقي ثم الاعلان عن نجاح المثقف فيما بعد معلنين ان القضية كلها خطأ من الجرائد التي جعلت اعلان النتائج (الزائفة) ولم تنتظر الاعلان الرسمي النزيه الحقيقي.هذا الضباب المحيط برؤية السلطة لما تريد وما تستطيع عمله يلف ايضا رؤية الناس ونخبهم فالاعلان عن رحيل زيد او عمر من المكروهين شعبيا لا يمثل انهاء لوجودهم الحزبي او السلطوي بل هو نوع من الشعوذة التي يمارسها الدجالون عندما ينشرون بخورهم ليري المغفل ان البقرة قد تحولت الي عصفور فالسلطة لديها من الحظائر والاعشاش ما يمكنها من نقل زيد من حظيرة الي عش او نقل عمر من عش الي حظيرة والناس في ترنحها تتصور ان هذا تغيير واصلاح والنخب بكل ما لديها من القاب ومظاهر تقبل بادوار بائسة يقودها سقط المتاع من رجالات السلطة وعندما يحاول البعض الرفض كما حدث من القضاه يتحرك سيف السلطة الامني المترنح هو ايضا لنبش اعراض الناس وتهديدهم بالويل والثبور اذا ما فكروا ان من حقهم اخراج الوطن من ترنحه الذي قد يؤدي بوجود الوطن نفسه، فلا يجد القضاة امامهم الا التلويح باللجوء لحكم خارجي يفصل فيما بينهم وبين سلطة هوجاء يدفعها ترنحها لاغراق الدولة كلها في طوفان التدخل الخارجي، ان بوادر اليأس من عقلنة السلطة او تثوير الناس لم تؤد فقط الي الدفع بالشرفاء الي السعي لحماية دولية للوطن بل جعلت من الخارج عقلا في مواجهة تخلف وتوحش وطني فحتي شيخ الازهر يجد مفيدا ومنطقيا ان يرحب بدعوة السيدة دينا باول مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية له ولبطريرك الاقباط من اجل زيارة الولايات المتحدة وعقد لقاءات مع المسلمين والمسيحيين من اجل دعم التواصل ووقف الفتنة، والمرعب ان السيدة باول المصرية الاصل ما كان لها ان تسمع او ان يكون لها رأي لو كانت فقط مصرية فمصر العامرة بما يقرب من ثمانين مليون مصري ومصرية يمكنهم ان يصرخوا مطالبين بوقف الفتنة او منع التعذيب او الحد من الفساد فكل صراخهم لن يحرك ساكنا طالما لم يكتسبوا بعد الجنسية الامريكية.فهل هناك ترد اكثر من هذا وهل بعد ان اجبرت الدولة المصرية بكل عناصرها علي الترنح ان نأمل في غد افضل؟الاجابة تكمن في قدرة شرفاء المصريين علي النظر لحجم التردي والاسراع بانتشال الدولة من حالة الترنح قبل ان نجدها غارقة في بحور الفتنة او محرقة الاحتلال.ہ كاتب من مصر يقيم في لندن8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية