تسليح أستراليا بغواصات نووية يشعل سباق التسلح في الشرق الأقصى

ابراهيم نوار
حجم الخط
0

إن تزويد أستراليا بتكنولوجيا إنتاج غواصات نووية هجومية في إطار اتفاق شراكة دفاعية ثلاثية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا من خلال اتفاق «اوكوس» يخلق واقعا استراتيجيا جديدا في جنوب شرق آسيا والشرق الأقصى، ينطوي على تغيير قواعد لعبة التوازن الاستراتيجي، وإقامة نظام جديد للردع النووي الإقليمي يضع أستراليا في مواجهة مع الصين بالوكالة، ويفتح الباب للانتشار النووي في المنطقة المليئة بعوامل التوتر. الاتفاق يتعارض مع التزامات أستراليا بمقتضى عضويتها في معاهدة منع الانتشار النووي، كما يتعارض مع طبيعة اتفاقية التعاون الاستراتيجي الثلاثي بين أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة لعام 1951 والذي جاء استجابة من الولايات المتحدة لتهدئة مخاوف كل من الشريكين من احتمالات التهديد الياباني في المستقبل. عند توقيع اتفاقية 1951 لم تكن الصين مصدر تهديد، ولا كانت قواتها قد غزت عددا كبيرا من دول المنطقة، ولا دخلت في مواجهة طاحنة في البحر مع الولايات المتحدة في أواخر الحرب العالمية الثانية مثل اليابان، التي أصبحت في نهاية الحرب الدولة الأولى في العالم التي تضربها أمريكا بالقنابل النووية. الحلف الدفاعي الجديد «اوكوس» مع أنه ينقل مركز التهديد الرئيسي في جنوب شرق آسيا من اليابان إلى الصين، إلا أن الدول الأخرى في المنطقة، مثل ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا، سترى في حصول أستراليا على أسرار تكنولوجيا إنتاج وتشغيل المفاعلات النووية، وتشغيل الغواصات بالوقود النووي، مصدر تهديد إقليمي جديد، كما أن ذلك يثير الكثير من القلق بشأن التبعات البيئية لاستخدام الغواصات النووية. ويشترك في القلق من تلك التبعات أيضا سياسيون أستراليون، حيث وصف أحد قادة حزب الخضر الأسترالي الغواصات النووية بأنها «تشرنوبل عائمة».

لماذا الغواصات النووية؟ ولماذا الآن؟

يحتاج فهم أهمية صفقة الغواصات النووية الهجومية، الإجابة على عدد من الأسئلة، تتعلق بطبيعة الصفقة نفسها، ودلالاتها بالنسبة لأستراليا والصين ودول جنوب شرق آسيا، بما فيها اليابان، وتأثيرها على توازن القوى العالمي، ثم محاولة استخلاص استنتاج رئيسي حول ما إذا كانت الصفقة ستجعل العالم أكثر أمنا أم انها ستزيد حدة التوتر.
على صعيد مباشر تمثل الصفقة تحولا في الموقف الأمريكي الاستراتيجي، أدى إلى قطع الطريق على فرنسا في لعب دور رئيسي في الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا. ذلك أن صفقة الغواصات التي وقعتها فرنسا مع أستراليا عام 2016 لم تكن هي الأخرى مجرد صفقة تجارية، وإنما كانت جزءا من خطة لبناء تحالف استراتيجي ثلاثي بين باريس ونيودلهي وكانبييرا، حيث كانت فرنسا في عام 2015 وقعت مع الهند صفقة طائرات الرافال في إطار خطة لتحديث سلاح الطيران. الولايات المتحدة قررت فيما يبدو إزاحة فرنسا من الطريق، لكي تحل محلها، وجاءت ببريطانيا التي انفصلت عن الاتحاد الأوروبي إلى الحلف، وهو ما يعكس عدم ثقة أمريكا في أوروبا. في الوقت نفسه تواصل واشنطن العمل على تطوير تحالف «كواد – Quad» الذي يضم الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان.
وإلى جانب صفقة الغواصات النووية الهجومية يتضمن اتفاق «اوكوس» مجموعة ترتيبات دفاعية بين الدول الثلاث، إلى جانب تعاون في مجالات الحرب السيبرانية، واستخدام أسلحة حديثة في الحرب مثل أجهزة الذكاء الاصطناعي، وتبادل المعلومات المخابراتية. وعلى الرغم من التركيز على الغواصات، فإن الترتيبات الأخرى ذات الطابع الاستراتيجي لا تقل أهمية، وهي ما تزال غامضة وغير محددة، وقد تتطلب في نهاية الأمر إنشاء قيادة مشتركة لإدارتها، فتصبح تلك القيادة عمليا هي نقطة الارتكاز ومركز العمليات الذي تصب داخله كل الإجراءات، وتنطلق منه كل التوجيهات المتعلقة بالتعاون الدفاعي الثلاثي.
ويستلزم تنفيذ صفقة الغواصات النووية إنشاء قدرات تكنولوجية ولوجيستية جديدة في أستراليا من خلال تطوير ترسانة بناء السفن، وإدخال تكنولوجيا تشغيل المفاعلات النووية، وتطوير القدرات الإلكترونية وغيرها، إلى المستويات التي تسمح بتصنيع الغواصات النووية في أستراليا. وفوق كل ذلك ستحتاج أستراليا إلى تدريب فئة جديدة تماما من الخبراء والمهندسين والعسكريين اللازمين لإنتاج وتشغيل وصيانة الغواصات النووية، واحتواء الأخطار التي يمكن عن تنتج عن أخطاء في التصنيع أو التشغيل أو الصيانة. مثل هذه القدرات لن تتوفر لأستراليا، وهي تحتاج لسنوات حتى تصبح قادرة على إنتاج الغواصة النووية الأولى بتعاون مشترك مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
ويبدو حتى الآن أن الولايات المتحدة ستحتفظ وحدها بأسرار لوحة تشغيل الغواصات النووية، حيث سيتم تركيبها في الغواصات كصندوق مغلق، لا تنتجه أستراليا ولا تعرف أسراره. وهذا يعني أن قرارات التشغيل ستكون في يدي الولايات المتحدة وليس أستراليا. لكن معظم عمليات إنتاج الغواصات النووية ستكون في أستراليا، وهو ما يكسبها خبرات تكنولوجية متقدمة في مجالات إنتاج وتشغيل المفاعلات النووية. وتعمل الغواصات النووية بوقود تصل فيه درجة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 20 في المئة، بل ان التخصيب في الغواصات الأمريكية الأحدث يتجاوز 90 في المئة، وهو الوقود اللازم لإنتاج قنبلة نووية. ومن هذه الزاوية فإن تقديرات خبراء الاستراتيجية في العالم تحذر من خطورة الصفقة فيما يتعلق بمنع الانتشار النووي. ومع أن الرد الرسمي من جانب الحكومة الأسترالية يؤكد أنها لن تخل بالتزاماتها بوصفها دولة موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، فإن بعض دول الجوار، خصوصا إندونيسيا وماليزيا قد أبدت انزعاجا شديدا، وقررت إندونيسيا تعليق تعاونها العسكري مع أستراليا، وألغت اجتماعا كان مقررا بين وزيري دفاع البلدين. كما أن الولايات المتحدة تنفي هي الأخرى أن يؤدي حصول أستراليا على الغواصات إلى التقليل من التزاماتها النووية، انطلاقا من أن تسليحها بهذه الغواصات لا يتضمن تسليحها بأسلحة نووية. ومن المعروف أن الغواصات النووية الأمريكية والبريطانية على السواء، مزودة بصواريخ يحمل كل منها عددا من الرؤوس النووية، قادرة على إصابة أهداف مختلفة في وقت واحد.

الرد الصيني المتوقع

وفي هذا السياق، وعلى ضوء احتياج أستراليا لإنشاء بنية أساسية لوجستية وتكنولوجية وبشرية، سوف يستغرق تجهيزها فترة تصل إلى عقد من الزمان، فإن الصين يمكن أن تعيد تنظيم قدراتها الدفاعية في منطقة المحيط الهادئ، للحد من تأثير حصول أستراليا على قوة ردع نووي. كذلك فإن الصين تستطيع أن تسهم هي أيضا في تكثيف التهديد النووي في منطقة المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا بتشجيع كوريا الشمالية على تطوير قوة ردع نووي بحرية، تمثل تهديدا إضافيا لكل من الولايات المتحدة وأستراليا واليابان. وقد استأنفت كوريا الشمالية تجارب إطلاق الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، وطورت منصات جديدة متحركة لإطلاق تلك الصواريخ، كان آخرها إطلاق صواريخ من منصة مجهزة كعربة من عربات قطار لشحن البضائع. ببساطة فإنه ليس من المتوقع أن تقف الصين مكتوفة اليدين خلال السنوات التي ستمضيها أستراليا في تجهيز بنيتها التحتية اللازمة لإنتاج الغواصات النووية، أو تجميعها داخل ترسانة حديثة. ومن هنا فإن الولايات المتحدة قد تدرك فيما بعد خطأ حساباتها الاستراتيجية، لأنها لن تتمكن بصفقة الغواصات من إنهاك الصين وجرها إلى سباق تسلح إقليمي مع أستراليا يشتت تركيزها الاستراتيجي على مستوى العالم.
في هذا السياق فإن إقامة الحلف العسكري الثلاثي اوكوس هو خطوة تخدم احتياج الولايات المتحدة إلى حليف إقليمي قوي عسكريا في جنوب شرق آسيا. وقد رفع الحلف مكانة أستراليا في المنظومة الدفاعية الأمريكية في الخارج، لدرجة أن جوزيف بايدن قال أن «ليس للولايات المتحدة حليف أقرب تعتمد عليه أكثر من أستراليا». وسوف تستفيد أستراليا من كونها عضوا مؤسسا في الحلف في تعزيز قوتها العسكرية، التي زادت كثيرا في السنوات الأخيرة بفضل صفقات السلاح الضخمة مع الولايات المتحدة، التي شملت أسلحة متطورة مثل طائرات إف- 35. وتشير تقارير معهد سيبري لأبحاث السلام إلى أن أستراليا احتلت المركز الرابع بين الدول المستوردة للسلاح في العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة.

التكلفة والعائد
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية احتفظت أستراليا بموقف متوازن في المنافسة بين الصين والولايات المتحدة. لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرا متزايدا يميل إلى معاداة الصين، وصل إلى مستوى الحرب التجارية والتضييق على الطلاب الصينيين، وهي أساليب تستخدمها الولايات المتحدة في حربها الباردة ضد الصين. ومع ذلك فإن مصداقية أستراليا الإقليمية لم تتأثر كثيرا، واستمرت كانبييرا قادرة على لعب دور مهم داخل مجموعة آسيان وترتيبات التعاون الإقليمي المختلفة في منطقة الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا. هذا الدور أصبح الآن مهددا، فقد كشفت أستراليا صراحة انها بكونها عضوا في حلف «اوكوس» قد انحازت إلى صف الولايات المتحدة، وهو ما يواجه معارضة بين دول آسيان، سواء من حيث المبدأ مثل ماليزيا، أو من حيث طريقة تنفيذه بدون تشاور مع دول الجوار مثل الفلبين. وإذا خسرت أستراليا مصداقيتها على الصعيد الإقليمي، فإن ذلك سيترك سحابة قاتمة على الدور العالمي الذي تطمح اليه من خلال الحلف الدفاعي مع الولايات المتحدة وبريطانيا. كذلك فإن استعداء الصين يمكن أن يسبب لها مشاكل اقتصادية عميقة، خصوصا فيما يتعلق بصادراتها من الغاز المسال واللحوم، ناهيك عن التهديد النووي الصيني الذي قد تتعرض له في حال حدوث مواجهة شاملة مع الصين.

في المحصلة النهائية، يعتبر انضمام أستراليا إلى حلف «اوكوس» تغييرا لقواعد لعبة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا، يقيم نظاما جديدا للردع النووي الإقليمي يستهدف إنهاك الصين في سباق التسلح. لكنه يفتح الباب للانتشار النووي الذي تراه دول المنطقة بشكل عام تهديدا لأمنها وسلامتها، وقد يؤدي إلى زيادة العداء لأستراليا من جانب بعض دول المنطقة، ومنها دول نووية مثل كوريا الشمالية. ومن المحتمل كذلك أن يؤدي حصول أستراليا على قدرات نووية، من خلال تصنيع وتشغيل المفاعلات، إلى إثارة الروح العسكرية في اليابان التي تشهد حاليا هي الأخرى موجة عداء واسعة ضد الصين بدعم من الولايات المتحدة. ببساطة فإن صفقة الغواصات النووية في إطار ترتيبات الحلف العسكري الجديد، ستجعل منطقة الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا أقل أمانا، وأكثر توترا، وستضعها في عين العاصفة، وتجعل العالم كله أقل أمنا عما كان من قبل.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية