تشبيه بالفاشية واتهامات بالطائفية واعتذارات للشعب… في ذكرى الانقلاب السوري: كيف هجا مثقفو «البعث» الكبار حزبهم؟

حجم الخط
0

يستحضر السوريون في مثل هذا الشهر قبل ستين عاماً ذكرى انقلاب الثامن من آذار/مارس عام 1963 الذي أوصل حزب البعث إلى حكم سوريا.
يستطيع الكثير من السوريين اليوم أن يكتبوا أقسى مقالات الهجاء في الحزب الذي صار في نظر الكثيرين منهم، عنوان الخراب الذي حاق بسوريا على مدى ستين عاماً، ويستطيع المرء أن يستحضر كذلك كتابات انتقادية قاسية من خصوم البعث ومناوئيه الأوائل، كالمحامي والكاتب الدمشقي البارز زهير شلق (1918- 1994) الذي كتب في مقال له عام 1966 يقول: «لقد تهلهلت واجهة الحزب حتى أصبح ينكر نفسه، بحيث لم يعد أكثر من واجهة من العسكريين وضع كل واحد منهم يده على لواء مدرع أو فرقة مغاوير أو مجموعة طائرات دون طيارين مدربين، وأصبح الحزب اسما يصلح للإذاعات فقط» كذلك الكاتب الصحافي غسان الإمام (1938- 2018) الذي كتب على مدار العقود الثلاثة الأخيرة من حياته عشرات المقالات التي حللت ظاهرة حزب البعث، معتبراً في إحدى مقالاته التي نشرها عام 2013 أن ميشيل عفلق «استخدم ضباط الأقلية العلوية، للاستيلاء على الحكم (1964) فقلبه هؤلاء منفردين بحكم سوريا منذ ذلك الحين، متسترين بخرقة «البعث» البالية. ومسقطين الحرية. والديمقراطية، بسيف الديكتاتورية» إلا أن الظاهرة اللافتة في مسار حزب البعث، هي الانتقادات الهجائية القاسية التي صدرت عن مؤسسي الحزب أنفسهم وقادته الكبار، والتي لم تقتصر على تصريحات عابرة، أو مقالات انفعالية طارئة في هذه المناسبة أو تلك، بل تعدتها إلى تأليف كتب سجلت أسوأ الشهادات في انحرافات الحزب وجرائمه.

«التجربة المرة» لمنيف الرزاز: أساليب النازية والستالينية

فاتحة تلك الكتب كانت «التجربة المرة» لأمين عام الحزب مؤنس الرزاز، الذي صدر عام 1967، بعيد عام على انقلاب اللواء صلاح جديد الذي سمي (حركة 23 شباط) الذي كان أول انقلاب يقوده أحد أجنحة البعث ضد جناح بعثي آخر، والذي تم بموجبه سجن رئيس الجمهورية الفريق أمين الحافظ بعد الهجوم بالأسلحة الثقيلة على منزله في معركة استمرت أكثر من ثلاث ساعات وقاوم فيها الحرس الرئاسي حتى نفاد الذخيرة. وقد أقصي الرزاز بموجب هذا الانقلاب كما باقي أعضاء القيادة القومية للبعث التي انقلبت عليها القيادة القطرية. ينطلق الكتاب من هذا الحدث الانقلابي تحديداُ، الذي يقول عنه منيف الرزاز في مقدمة الكتاب: «إنني لأشعر، وقد كنت أميناً عاما للحزب يوم وقع الحدث المشؤوم، بأن من واجبي أن أحاول تحليل هذا الحدث، وأنا أتابع نموه التاريخي المتدرّج حتى نضج يوم 23 شباط/فبراير، وأن أتعمق ما أمكنني التعمق في تشريح ما وراء الحدث من ظروف وضغوط وأحداث وأمراض وأخطاء تعرض لها الحزب فانتهى إلى النكسة السورية بعد النكسة العراقية «. ويمضي المؤلف ليوضح أن هدف الكتاب ليس تقييم حكم البعث في سوريا بعد أربعة أعوام من وصوله إلى السلطة (زمن صدور الكتاب) ولا ذكر الإنجازات التي حققها في الحكم، وإنما «ذكر الأخطاء والانحرافات محللا أسبابها وعواملها، وهو ينقد نقدا ذاتياً، لكنه لا يقيّم كامل المرحلة». رغم تمسك المؤلف بما قال إنها مبادئ البعث التي ما زال مقتنعا فيها، إلا أن ما يكتبه من أفكار انتقادية، يكاد ينسف تجربة البعث برمتها، ويجعلها مجرد شعارات وأحلام طوباوية لم تنتج على أرض الواقع سوى الكوارث والأخطاء، ومنها قوله مثلا:
– تفشى في الحزب مرض آخر من خلال أزماته المختلفة، ومن خلال الفراغ الفكري الذي انحدر إليه، هو «الولاء الشخصي» الذي لم يعد مجرد مرض في الفئة المتسلطة حسب، بل امتد إلى الفئة القومية نفسها، فأصبحت في الحزب: «جماعة صلاح جديد» و»جماعة الفريق» و»جماعة البيطار» وكنت واثقا أن قواعد الحزب أوسع من كل هذه الجماعات.
وإذا كان منيف الرزاز يولي حركة 23 شباط (انقلاب صلاح جديد) جل اهتمامه واصفا إياها بأنها «أكبر طعنة وجهت للحزب منذ قيامه» ومشبها فهمها للاستيلاء على السلطة بالقوة بأساليب الفاشية والنازية قائلا: «إنهم يفهمون الحزب زعامة تصنع قاعدة على هواة وقاعدة ترضخ للزعامة وتنفذ أوامرها. وهم لم يخترعوا هذا الفهم، فقد كانت له سوابق في النازية والفاشية من جهة، وفي الستالينية من جهة أخرى» فإن الرزاز لا يغفل عن وضع انقلاب صلاح جديد في سياقه الطائفي، وعن إعادة جوهر أزمة البعث إلى قبولها بتنظيم اللجنة العسكرية الذي صنع انقلاب الثامن من آذار الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة، ثم أراد أن يلتهم الحزب ويمتطيه كأداة لممارسة ديكتاتورية عسكرية أولا وطائفية ثانياً، وفي ذلك يقول:
«كانت حركة 23 شباط نتيجة طبيعية لكل أخطاء الحزب السابقة، والثور الأبيض أكل يوم 8 آذار، يوم رضي الحزب بأن يحالف حركة عسكرية غير تابعة له تنظيمياً، بل ولا عقائدياً، دون أن يضع أي شرط لهذا التحالف، بل تجاوز مرحلة التحالف إلى مرحلة الدمج، مسلماً إياها الحزب دون أن يستلم بالمقابل شيئاً، ودون أن يعرف أين يقف هو من هذه الحركة، وأين تقف منه «.
«البعث» لسامي الجندي: الحزب الذي أصبح تهمة!
لم يكد ينقضي عقد الستينيات حتى فاجأ قيادي بعثي سابق أصدقاء الحزب وخصومه بكتاب مدوٍ صدر عن «دار النهار» في بيروت عام 1969 وحمل عنوان «البعث» لمؤلفه الدكتور سامي الجندي. كان سامي الجندي قياديا له دور كبير في حزب البعث العربي الاشتراكي، فمع انقلاب آذار عام 1963 أصبح عضواً في مجلس قيادة الثورة وناطقا رسميا باسمه، وتبوأ منصب وزير الإعلام في حكومة صلاح الدين البيطار، وبعد محاولة جاسم علوان الانقلابية في تموز عام 1963 كلف بتشكيل الحكومة لكنه اعتذر عنها، ثم أوفد سفيرا إلى فرنسا عام 1964 وظل في منصبه حتى عام 1968. من مقدمة الكتاب وحتى الصفحة الأخيرة من صفحاته المئة والستين، يقدم الجندي، مرافعة هجاء طويلة لا تستثني شيئا من بنية الحزب ومساراته وآليات عمله وأدائه في الحكم بعد استيلائه على السلطة، منطلقا في مقدمته الأولى من الشعور بالخجل الذي بات يثيره وصف «بعثي» قائلا: «من كان يحسب أن البعث ينتهي إلى كل هذا العبَث؟ من كان يحسب منا أن تصبح كلمة «بعثي» تهمة يدفعها بعضنا عنه بسُخرٍ مُر؟ من كان يظن منا أن يوما يأتي نخجل فيه من ماضينا، نفر منه كذنب اقترفناه عن عمد فتلاحقنا عيون البشر احتقاراً، نكاد ننكر أنا كنا منه، نخفي هويتنا».
يعتبر سامي الجندي أن رحلة البعث إلى الاستيلاء على الحكم بالقوة كانت «سريعة وخطرة» ويصف البعث في الحكم بأنه آخر آيات التخلف فيقول: «ظننا أن عصور الانحطاط قد انتهت بسلفنا من السياسيين وأننا بدءٌ عظيم لحضارة جديدة، فإذا نحن آخر آيات التخلف، تعبير فاجع عنه. أردنا أن نكون بعثا للمناقب والبطولة فما بعث فينا – في الحكم – غير عصر المماليك». بهذه اللغة الاعترافية القوية التي تنضح ألما وترفعاً عن التزلف والمحاباة والتبرير، يمضي سامي الجندي في كتابه الذي غدا على مر عقود من أبرز المراجع عن جرائم الحزب، وعن طائفية صلاح جديد الذي صنع خلف الحزب «حزبا آخر للطائفة» والذي استغل انتماء زكي الأرسوزي الطائفي وأراد أن يحله محل ميشيل عفلق كأب مؤسس للحزب، ويمضي سامي الجندي بلغة أدبية رفيعة شديدة الحساسية في تصوير الحالة الرثة، متسائلا بمرارة: «بقي أن نسأل من هو المتهم، الجواب: كل الناس، فتقرير بسيط على ورقة من أحد الرفاق، تبدأ: بأمة عربية واحدة، وتنتهي بالخلود لرسالتنا، يعني شهوراً في الزنزانة، ثم إنساناً يُحطم مدى الحياة». ثم ينهي السطور الأخيرة من كتابه الذي روى فيه تاريخ البعث في مختلف العهود السياسية وصولا إلى تسلطه على الحكم كما لم يرو من قبل… ينهي كتابه بالقول: «بدأ البعث بالإنسان وتقديسه وآل إلى جلاد. أصبح البعثيون بلا بعث، والبعث بلا بعثيين: أيديهم مصبوغة بالدم والعار يتسابقون إلى القتل والظلم والركوع أمام الجزمة».

«حزب البعث العربي» لجلال السيد: العدو والخصم!

يعتبر جلال السيد ابن مدينة دير الزور، ثالث ثلاثة أسسوا حزب البعث، فقد شكل نواة اجتماعاته الأولى مع ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار حين زار دمشق في نيسان/أبريل من عام 1942 وأقام فيها مدة ثلاثة أشهر. ألف جلال السيد كتابا عن انحرافات وتصدع الحزب وأخطائه نشرته «دار النهار» عام 1973 بعنوان: «حزب البعث العربي» انتقد فيه الممارسات الوحشية التي قام بها الحزبيون ضد خصومهم، وسطر في كتابه شهادته على الطريقة التي كان يعامل فيها البعثيون خصومهم حيث قال: «وقف هؤلاء الحزبيون موقف العدو من كل مواطن لا يدين لهم ولا يسير وفق منهجهم وسلوكهم… واستباحوا دم الخصوم من المواطنين إذا لزم الأمر ذلك».
وبخلاف لغة سامي الجندي الهجائية المرة، فقد سعى السيد لتقديم معاينة أقل حدة نسبياً، لكنها لم تغفل عن إبراز الخلل والتجاوزات التي بلغت حد الجرائم.. وعبر أكثر من 300 صفحة حلل فيها نشأة الحزب وصولا إلى استيلائه على السلطة، يذهب السيد إلى تحليل صورته في أعين الناس بعد وصوله إلى الحكم فيقول: «إن مؤيدي البعث قبل أن يستلم الحكم كانوا أكثر عددا وأكثر تعلقا به، وقد تناقص عددهم وخفتت حماستهم بعدما تولى البعث الحكم، ورأى منه الشعب عجباً. فهناك احتكار للمناصب بصرف النظر عن الكفاءة والقابلية. كما أن القوانين التي صدرت قد أصابت فئات كثيرة في أرزاقها وعيشها. وقد ظهر التسابق بين البعث وعبد الناصر، فإذا خصص عبد الناصر للمالك ثمانين هكتاراً، جعل البعث للمالك مئة وخمسين هكتاراً لأن تقدميته واشتراكيته يجب أن تزيد على تقدمية عبد الناصر واشتراكيته، والفرد العربي في سوريا هو الضحية لهذا السباق». وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يوجه جلال السيد انتقادات قاسية لانقلاب حافظ الأسد في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1970، معتبراً أن كل ما جاء في بيان حركته «التصحيحية» من إطلاق للحريات وحفظ لكرامة المواطن وتحقيق للعدالة لم يتحقق، فكأن كل أجنحة البعث كانت تلتقي عند هذا الكذب الشعاراتي الذي تناقض وعوده البرّاقة واقع الحال: «إن الشعب يفهم بفطرته وعقله أن حكم الشعب الذي أشرتم إليه إنما يعني الحكم الديمقراطي، وهذا يستلزم أن يكون ممثلو الشعب من صنع الشعب، لا من صنع الحكّام».

صلاح الدين البيطار: عفوك شعب سوريا العظيم

لا تكتمل شهادات الآباء المؤسسين الاعترافية هذه، دون الإشارة إلى مقال صلاح الدين البيطار المدوي، الذي نشر في العدد (21) من مجلة «الإحياء العربي» التي أسسها وأصدرها في باريس، والذي نشر في العدد الأخير الذي صدر في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 1980 بعد أربعة أيام على قيام مخابرات الأسد باغتياله. يعتبر صلاح البيطار مع ميشيل عفلق الثنائي المؤسس لحزب البعث، بل يذكر جلال السيد أن عفلق اعترف له بأن كثيرا من الأفكار التي كانت تنسب إليه هي للبيطار الذي لم يكن مهتما بتصحيح نسبها أمام المريدين والأتباع… وقد شكل صلاح الدين البيطار أول ثلاث حكومات بعد صول البعث إلى السلطة عام 1963 ثم فر إلى خارج البلاد بعد انقلاب صلاح جديد عام 1966، وتنقل بين بغداد وبيروت قبل أن يستقر في باريس. قدّم البيطار اعتذارا للشعب السوري عما سماه «جريمة البعث» وما ولدته من أنظمة استبدادية، إذ كتب يقول: «عفوك شعب سوريا العظيم… عفوك شعبنا الجريح الذبيح، إذا ما تطلعت نحو القريب والبعيد، وتلفتّ نحو الشمال واليمين خارج الحدود ترقب بصيص أمل في نجدة معنوية وسياسية وإعلامية تأتيك من وراء هذه الحدود لوقف الظالمين عن ظلمهم، عفوك إذا إرتد طرفك وهو كليل. عفوك إذا الملوك والرؤساء هنا وهناك رأيتهم يستقبلون السفاحين الملطخة أيديهم بالدماء بالأمس القريب في جسر الشغور وحلب وحماة واليوم في تدمر استقبال الفاتحين». ولعل أخطر ما يشير إليه البيطار أن مفاوضات وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر مع حافظ الأسد بعيد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، نصت على أن التسوية مع إسرائيل لن تتم إلا إذا تمكن النظام البعثي من «إحكام العزل السياسي على شعب سوريا، وهو شرط لا بد منه».
لقد شكلت كل هذه الشهادات والمراجعات السابقة من مؤسسي البعث الأوائل، وقادته الكبار، صورة تاريخية غير مسبوقة عن حزب رفع شعار التقدمية فترحم الناس على الرجعية، وتحدث عن العدالة الاجتماعية فأصبح لعنة على العدالة وعلى المجتمع وعلى المرحلة التاريخية التي طبعها بطابع المراهقة السياسية والاستبداد السلطوي والخراب الذي دمّر حياة أجيال بأكلمها.

‏كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية