تشريح العراق: عقوبات التدمير الشامل التي سبقت الغزو (4)

حجم الخط
0

تشريح العراق: عقوبات التدمير الشامل التي سبقت الغزو (4)

الامم المتحدة كانت تبحث عن دليل قاطع وقتل المدنيين في مناطق الحظر الجوي تزايد بشكل كبيرصحافيون مدسوسون كانوا ينشرون مقالات في امريكا واوروبا تخلط الحقائق بتفسيراتهم الشخصيةتشريح العراق: عقوبات التدمير الشامل التي سبقت الغزو (4)د. هانز كريستوف فون سبونيكہ يحكي هذا الكتاب الصادرة ترجمته حديثا عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عن قصة الحصار الطويل الذي فرض علي العراق قبل الغزو، وهي الفترة التي انتقل فيها العراق من مجتمع ثري، مجهز ببنية تحتية حديثة الي بلد مؤلف من شعب فقير ومحروم. ويتحدث الكاتب عن الثمن الباهظ لنظام العقوبات الشاملة، وعجز البرنامج الانساني بتعقيداته الروتينية والبيروقراطية وقيود الميزانية، وتصميم الدول دائمة العضوية في مجلس الامن علي عدم السماح للعراق باستعادة مقدرات سيادته – عن تحسين وضع المواطنين العاديين. كان الامين العام المساعد للشؤون القانونية راف زاكلين والعاملون معه خير عون في اقتراح سبل للرد في مثل هذه الظروف علي أحسن وجه. وكانت امينة خزانة الامم المتحدة، سوزان بيشوبريك، الشخص الذي كان عليّ ان اجد معه حلا لـ لحظة فزعنا الشهرية. ففي غياب خدمات مصرفية عادية في بغداد، كان علينا كل 30 يوما ان ننقل، برا، ما بين مليون ومليون ونصف دولار نقدا لتأمين رواتبنا ونفقات اخري. ولأسباب امنية، كنا نغير طرق سيرنا إمّا عبر الكويت ومكاتب بعثة الامم المتحدة لمراقبة العراق ـ الكويت UNIKOM عند خط المراقبة بين العراق والكويت وإمّا عبر عمّان. وكان ذلك وضعا بالغ الصعوبة اقر به اخيرا المكتب الامريكي لمراقبة الاصول الاجنبية FACO في واشنطن. وكم كانت دهشتي امينة خزانة الامم المتحدة عندما وافق المكتب علي صيغة كنت قد تفاوضت مع المصرف المركزي العراقي بشأنها: تطلب الامم المتحدة في بغداد من المصرف المركزي العراقي السماح لنا بالحصول علي المبلغ الذي نحتاج اليه نقدا. وكان جواب الدكتور عبد المنعم رشيد، نائب حاكم المصرف المركزي، لي: اذا طلبتم 20 مليون دولار فنحن بحاجة الي ايام قليلة. واي مبلغ اقل منه يمكنكم الحصول عليه في اي وقت. ويسرنا ان ننقل هذه الاموال الي مكاتبكم في فندق القناة باحدي عرباتنا المصفحة . وبسبب الموقف المتشدد الذي كانت الحكومة الامريكية تتبعه، كان في وسع خزانة الولايات المتحدة في واشنطن ان تعـــــرقل هذا الاتفاق. وفي الواقع، لم نكن نظن ان الخزانة في واشنطن ستتعاون في هذا المجال، غير انها وافقت فعلا حتي علي دفع المبالغ الي المصرف المركزي العراقي مع عمولة علي هذه الخدمة بنسبة 105 بالمئة. وبذلك، ساعدت الخزانة الامريكية في انهاء مسلسل نقل اموال الامم المتحدة النقدية.كانت ثمة مشــــكلات تطبيق جمة بحاجة الي مناقشتها مع المدير التنفيذي لمكتب برنامج العراق OIP، بينون سيفان، ودائرة عمليات حفظ السلامDPKO ، ومسؤول مكتب برنامج العراق OIP لشؤون توظيف وادارة الافراد، ومكتب منسق الامم المتحدة للشؤون الامنية UNSECCORD. ولأسباب لم اجد لها مبررا كافيا، كان المدير التنفيذي لمكتب برنامج العراق OIP يتولي في الوقت نفسه رئاسة المكتب الذي ساند ادارة الامن في نحو 140 بلدا ذا برامج للامم المتحدة. وكان همي الرئيسي في لقائي مع سيفان يتعلق بالنوعية الشاذة للموظفين المقترحين لمهمات الامم المتحدة في العراق وظروف خدمة موظفي الامم المتحدة في العراق.بالعودة الي الماضي، ادركت ان بالرغم من وعود مسؤولي مكتب برنامج العراق OIP وDPKO بالنظر في طلبات المرشحين بصورة ادق وازالة المخالفات من ظروف خدمة الموظفين، فان شيئا لم يتغير. بل استمرت مراجعات الاحالة الهزيلة او اسوأ من ذلك، التعيينات التعسفية المتعمدة، كما كانت من قبل. وظلت المخالفات علي حالها، ومنها واقع ان أُسر اغلبية موظفي الامم المتحدة في اوطانهم كانت بلا تأمين صحي، وهو ما كان يسبب لي ضيقا شديدا لأنه يعبر عن انعدام كلي للمسؤولية. وقد بحت بآرائي، ولم اكتم قلقي علي بنية الادارة القائمة وقلت اني لا اري أي منطق في قيام نصف مراقبي الامم المتحدة برفع تقاريرهم الي نيويورك مباشرة ، و ليست هذه مسألة نستطيع مناقشتها لأن مجلس الامن اوضح انه يريد قناة اتصال مباشرة بين نيويورك والامم المتحد في بغداد .وكان ينبغي ايضا ان تناقش حقيقة ان جميع الوحدات الادارية الرئيسة (وحدات المالية والافراد والخدمات اللوجستية) قدمت تقاريرها الي مقر الامم المتحدة مباشرة. كان هذان هما الموضوعين اللذين اثرتهما مثني وثلاثا في اثناء خدمتي في بغداد. وبهذه المناسبة، سألت سيفان: هل تعلم ماذا يعني بالنسبة الي ادارة البرنامج الانساني اذا رفع نصف موظفي مكتبي تقاريرهم الي مقر الامم المتحدة مباشرة؟ هز كتفيه منهيا هذا الجزء من لقائنا. وفي وقت لاحق من العام نفسه، وخلال زيارة اخري الي مقر الامم المتحدة في حزيران/يونيو 1999، وجدت ان الامين العام انان لا يعلم شيئا عن هذا الوضع العام. وقد رد مستنكرا ووعد بتصحيح تلك المخالفة الخطرة.مع كوفي عنانابان لقائي مع الامين العام للامم المتحدة في 1 آذار/مارس 1999، ناقشنا مسائل اخري. وأوجزت له مجريات اجتماعي الي هيئة اموريم، وبخاصة قلقنا في بغداد من تأثيرات الحرمان الاضافية علي المدنيين العراقيين. وقد قاسمني انان همي. وخلافا لرفض بينون سيفان لمبادراتي لتعزيز اجراءات بناء الثقة بين الحكومة في بغداد والادارة المحلية المستقلة في كردستان العراق، اصغي الامين العام باهتمام الي المقاربة التي لخصتها له: مقاربة عراق واحد . فالموضوع كان حساسا فعلا وبحاجة الي مقاربة حساسة. وكمساهمة لعملية سلام محلية، كان راغبا في السماح لي بمحاولة الجمع بين الحكومة المركزية الكردية في تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء. أما ان هذا كان يتعارض مع السياسات في واشنطن ولندن فهو امر كان واضحا له، بالتأكيد، مثلما كان واضحا لي.حين يخرج المرء من المصعد في اعلي طبقات مبني الامم المتحدة، او الطابق الثامن والثلاثين كما يدعوه موظفو الامم المتحدة ودبلوماسيوها، يحرص حارس امني تابع للامم المتحدة وشبيه بشرطي المرور علي التأكد من متابعة سيرك بالاتجاه الصحيح ـ يسارا الي مكتب الامين العام او يمينا الي لويز فريتشيت، نائبة الامين العام. وقد تضمن لقائي مع السيدة فريتشيت المسائل نفسها التي سبق ان ناقشتها مع كوفي انان وفي جلسات استماع مجموعة اموريم وقلقي من التدهور الاجتماعي في العراق، والوضع في كردستان العراق، والوضع الامني في منطقتي حظر الطيران بعد عملية ثعلب الصحراء التي نفذتها الولايات المتحدة/بريطانيا في كانون الاول (ديسمبر) 1998. وكنت قد اثرت موضوع منطقتي حظر الطيران باختصار مع كوفي انان لكني ناقشتها بمزيد من التوسع مع لويز فريتشيت لأن المسائل الامنية كانت جزءا من قضيتها.كان الحديث وديا لكنه افتقر الي الدفء الذي عمّ لقاءاتي مع كوفي انان؛ فالصورة التي رسمتها له بشأن الظروف في العراق لم تثر فيها أي تعبير عن قلق كنت اتوقعه منها. وعلي نحو مماثل، لم تعطني اشارتي الي تزايد عدد الاصابات في صفوف المدنيين في منطقتي حظر الطيران، الذي كانت القيادة الامريكية الوسطي في العربية السعودية تسميه قواعد اشتباك موسعة ، الانطباع الدال علي انها شككت، كما فعلت انا، في قانونية تلك الاجتياحات للمجال الجوي العراقي. ولم يظهر عليها ما ينم عن رغبة في تلقف حقيقة ان الامم المتحدة نفسها، الي جانب صدام حسين، كانت بسياسة العقوبات المتبعة تقوم بدور رئيسي وسلبي في هذه المأساة البشرية. المطلوب دليل قاطع! تساءلت عما كانت تعنيه بـ دليل ؟ مراجعات صارمة لقطاعي التعليم والصحة؟ مقابلات مع طيارين امريكيين وبريطانيين حول الطبيعة الدفاعية او الهجومية لمهماتهم؟ بدا لي دليل رواياتي لها ممزوجا بمعاينات، حيثما كانت ممكنة، خيارات كافية من اجل دليل علي ظروف غير مقبولة. لقد كان علي امانة الامم المتحدة، وفي سبيل مصلحة حقوق الانسان وحماية الشعب العراقي، واجب اطلاع مجلس الامن علي هذه الحقائق. عدت الي الشرق الاوسط بمشاعر مشوشة، فهيئة اموريم ورهافة حس كوفي انان شجعتاني علي الاعتقاد بأن هناك علي الاقل فرصة للتغيير في سياسة الامم المتحدة تجاه العراق. وفي الوقت نفسه، احسست بعدم ارتياح نتيجة عجز بعض كبار الزملاء في نيويورك عن الاحاطة الكاملة بما كان يجري في العراق وبما شكله من تحديات منقطعة النظير في وجه الامم المتحدة. هل غدت الامم المتحدة معتادة علي البؤس البشري اعتياد بعض الاطباء علي آلام مريض؟ ربما. لعل الامر شأنا اكبر بدنو الامم المتحدة العميم من مجسات قوة عظمي. لقد كان ثقل السلطة الثنائية علي مناكب متعددة الاطراف.انتهزت فرصة توقفي مؤقتا في عمان كي اوجز لـ مجموعة مراقبي العراق من السفراء التطورات في العراق وزيارتي الي نيويورك. وقد كان كلاس جيرو، السفير السويدي في عمان والصديق منذ ايام تعييننا معا في اسلام أباد، القيم علي استضافة هذا الحدث واستمر كذلك خلال زياراتي اللاحقة. وكان الامر بالنسبة الي فرصة اخري لمناقشة اثر العقوبات ونقل ما اعرفه عن وضع العراق الداخلي. وناقشنا ايضا جيوب القلاقل المزعومة في بغداد والجنوب العراقي. وكان الحضور علي مستوي سفراء باستثناء المشاركة البريطانية التي مثلها نائب رئيس البعثة في عمان. اما الولايات المتحدة فقررت ألا ترسل احدا. وقد لاحظت ذلك لكني لم اعره اهتماما كبيرا. وفي وقت لاحق، عندما اضحت تحفظاتي المتعلقة بسياسة العقوبات الامريكية معروفة بشكل افضل، اصبح غياب الدبلوماسيين الامريكيين والبريطانيين عن مختلف اللقاءات قاعدة. وادركت ان الغياب السابق لم يكن محض صدفة.كان اللقاء، الذي دام 90 دقيقة مع الدبلوماسيين الذين كانوا يتوقون الي تلقي معلومات عن العراق من مصدر رئيسي زاخر بالحركة؛ اذ لم يكن لمعظمهم تمثيل في بغداد. وبصورة دائمة، كانت تبرز مسألة من الملوم علي معاناة الشعب العراقي. وكان من الصعوبة القول ان مسؤولية المحنة الاجتماعية ـ الاقتصادية تقع ببساطة علي طرف واحد. طبعا كان صدام حسين مسؤولا عن هذا الوضع، لكنه ايضا مسؤولية بعض الحكومات التي كان سفراؤها او ممثلوها يحضرون هذا اللقاء. وببساطة يمكن القول ان الصورة بالابيض والاسود لم تجسد الواقع في العراق.بعد ذلك بأيام قليلة كان لي في مكاتب الامم المتحدة في بغداد لقاء مماثل مع السلك الدبلوماسي المعتمد في العراق. وكانت الموضوعات كتلك التي طرحت في عمان إلا ان التركيز كان مختلفا تماما. فقد أراد الدبلوماسيون في بغداد ان يعرفوا كيف أري فرص اصدار مجلس الامن توصيات مجموعة اموريم في الاعتبار لتحسين تنفيذ البرنامج الانساني. لقد كانوا اقل اهتماما بسياسة العقوبات واكثر اهتماما بالقضايا مخالفة المنطق ان يقال اذا كان مجلس الامن قد أراد بناء مقاربته علي حاجات العراقيين وترجم هذه الحاجات الي اهداف مقدرة بكميات، أي سلع وخدمات، ثم عدل الاجراءات لتلبية هذه الحاجات والاهداف، فقد كان في الامكان طرح مقاربة لائحة مراجعة السلع في اوائل التسعينيات. وما كان عليها الانتظار اعواما عدة ليتم تبنيها اخيرا في ايار (مايو) 2002. وبدلا من ذلك اختار مجلس الامن تسييس برنامج انساني مستخدما العراق كحقل تجارب لعقوبات اقتصادية واجتماعية حقيقية.في اثر ما جري في العام 1999 من احالة لتقارير السفير اموريم، وتقدير امانة الامم المتحدة لبرنامج النفط مقابل الغذاء لفترة عامي، والمراجعة الوحيدة التي اجرتها الامم المتحدة/بغداد للاحوال الاجتماعية في قطاعات متعددة، راقب فريق الامم المتحدة في العراق من بعيد وبفزع وعدم تصديق خلال بقية العام المشاحنات المحرجة داخل مجلس الامن للخروج بسياسة عقوبات جديدة ضد العراق.اخيرا، في 17 كانون الاول (ديسمبر) 1999، اليوم الاخير من دورة الجمعية العامة الرابعة والخمسين، اقر مجلس الامن القرار 1284. وجعلت التحسينات المقترحة لبرنامج النفط مقابل الغذاء مرهونة بتعاون العراق في موضوع نزع السلاح. وبذلك، أُبقيت التحسينات في القفص الحديدي لهذا القرار الذي لم يكن الشعب العراقي يملك مفاتيحه، بل كانت المفاتيح في يدي الولايات المتحدة والعراق فقط.وقد عكس السفير آلان ديجامي، ممثل فرنسا الدائم في الامم المتحدة، في تصريح له امام مجلس الامن في 17 كانون الاول/ديسمبر 1999 اوضح فيه تحفظ حكومته عن القرار 1284، آراء الامم المتحدة في بغداد عندما قال: كنا نتمني لو ان امانة (الامم المتحدة) نفذت التوصيات (توصيات مجموعة اموريم) منذ نيسان/ابريل 1999.في غياب حركة الملاحة الجوية، اضطر جميع المسافرين الي العراق الي استخدام طريق عمان ـ بغداد السريع. وعلي مسافة غير بعيدة عن بغداد، كانوا يمرون علي الجانب الأيمن من الطريق السريع بأبراج المراقبة الشاهقة الموزعة علي زوايا ابو غريب، اسوأ سجون العراق سمعة. وهناك، كان حراس مدججون بالسلاح يحرصون علي عدم تمكين أي سجين حتي من محاولة الفرار.سألوني عن السجنوكان زائرون في مكتبي يسألونني عن هذا السجن. كم نزيلا فيه؟ هل فيه كويتيون؟ اجانب آخرون؟ هل الطيار الامريكي الذي زُعم انه أُسر في حرب الخليج 1991 ما زال فيه؟ ماذا عن الاعدامات في ابو غريب؟ لم أحر جوابا عن أي من تلك الاسئلة. وما كان في استطاعة احد في اوساط الامم المتحدة ان يجيب إلا مفوض حقوق الانسان التابع للامم المتحدة ماكس فان دير ستويل. وقد كان خارج العراق منذ العام 1991 لكنه وجد المعلومات التي تلقاها من عراقيين في الخارج مقنعة بما يكفي ادراجها في تقاريره الي لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان في جنيف.جاء كثيرون من الافراد والمجموعات من الخارج الي مجمع الامم المتحدة في فندق القناة في بغداد للحصول علي معلومات. ولم يكن لديّ سوي القليل لأقوله عن اساليب المخابرات العراقية الخبيثة والنظام القضائي السائد، لكن كان عندي الكثير لأقوله عن الوضع الانساني وبرنامج النفط مقابل الغذاء وتأثيرات العقوبات الاقتصادية. هل يمكننا تسجيل ما تقوله؟ ماذا عن الاحصاءات المتعلقة بالصحة والتغذية والاغذية والتعليم؟ هل يمكنك ان تحدثنا عن منطقتي حظر الطيران والاصابات الناجمة عن الضربات؟ كان رئيس ديوان الامين العام، اقبال رضا، قد نبهني مرارا الي حصر مثل تلك اللقاءات في قضايا مستندة الي وقائع. كان علي حق. حاولت ان افعل ذلك. كنت مقتنعا بأن الحقائق المتعلقة بوفيات الاطفال وسوء التغذية ومعدلات التخلي عن المدارس والبطالة والمياه الملوثة والنقص في الكهرباء وسوء حالة الانعام الصحية بسبب غياب الخدمات البيطرية، انما هي حقائق تتحدث عن نفسها بنفسها. وكان من شأن وصف مفصل لعمل لجنة العقوبات وعميلة الشراء المعنية بالحصول علي امدادات انسانية في العراق ان يسمح للزائرين باستخلاص استنتاجاتهم، مثلما كان يمكنهم ان يفعلوا ذلك بعد سماعهم ما يقال عن الاصابات المدنية الناجمة في منطقتي حظر الطيران عن ضربات جوية من القوات الجوية الامريكية والبريطانية. ولم اكن مضطرا الي اجراء تقديرات، اذ كانوا يستطيعون فعل ذلك بأنفسهم. وهذا ما فعلوه بنجاح تام كما علمت من تقاريرهم كلما سنحت ل فرصة الاطلاع عليها في بغداد. صحافيو الدسكان الامر الذي اغفلته واقع ان صحافيين كانوا في حالات غير قليلة مدسوسين داخل مجموعة الزائرين تلك. والمقالات التي نشروها فيما بعد، في اوروبا وامريكا الشمالية علي الاغلب، كانت في كثير من الاحيان مزيجا من الحقائق التي قدمتها وتفسيراتهم، الامر الذي بدا كما لو اني كنت اوجه تهما صريحة الي سياسة مجلس الامن في ما يخص العقوبات. ولم يبق هذا غائبا عن انتباه واشنطن ولندن ونيويورك واماكن اخري. وفي نهاية العام 1999 تقريبا وضع كابح اعلامي حول حبالي الصوتية. وفي 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1999، نقل رئيس ديوان الامين العام اليّ مذكرة ارشادات طلب الامين العام مني ان اراعيها لدي تعاملي مع الصحافة. وكان من تلك الارشادات القول انه ليس ضمن صلاحيات منسق الشؤون الانسانية التحدث عن امور ذات طابع سياسي او عسكري لئلا يكون لذلك تأثير مباشر في تنفيذ البرنامج الانساني و في ما يتعلق بالاعلام، يحصر منسق الشؤون الانسانية تصريحاته في امور ذات صلة بالوقائع وبمسؤولياته ولا يدلي بتعليقات قد تنطوي علي مضامين سياسية من دون اذن مسبق من مقر غالامم المتحدةف . كان هذا شيئا مقبولا تماما عندي. فأنا استطيع الاستمرار مع هذه القيود ، او هكذا ظننت علي الاقل. ولم يكن لتوقيت هذه الرقابة المبررة نوع ما علاقة بمعلوماتي التي قدمتها لجماعات السلام وغيرها من الجماعات التي زارتني بدافع من اهتمامها بجوهر برنامج النفط مقابل الغذاء ولا بتفاعلي مع الصحافة الدولية بقدر ما كان له، كما ادركت، علاقة بالحرج الذي سببته لمكتب الامين العام بمقابلاتي في بغداد مع وسائل اعلام رئيسية امريكية ودولية.لقــــد ازعجــــت المقـــــالة التي نشــــرها دوغلاس جـــيل Dougals Jehl في عدد 21 ايلول/سبتـــــمبر 1999 من نيويورك تايمز ، واســــتند فيها الي مقابلة سبق ان اجراها معي، الكثير من انصار العقوبات المتشددين أينما كانوا. وكان العنوان الاستفزازي الذي اعطته نيويورك تايمز للمقالة مسؤول في الامم المتحدة يدعو الي انهاء العقوبات ضد العراق . ونُقل عني انني احذر من اخطار استخدام الدرع البشرية املا بـ استدراج تنازلات عراقية تتعلق بالاسلحة وأوصي بـ ابعاد المناقشات الانسانية عن باقي المناقشات لانهاء مأساة بشرية صامتة . لا انكر ان هذه المقالة تعبير دقيق عما قلته. ولم يمض وقت طويل حتي اتصل اقبال رضا بي هاتفيا ليعبر عن قلقه وليعلمني بأن مكتبه تلقي اتصالات عديدة مطالبة بتوضيحات. وعلي ما يظهر، كان المتصل الاول ممثل الكويت الدائم في الامم المتحدة الذي اراد، علي سبيل التفكه، ان يعرف ما اذا كان الموقف الذي اتخذته في مقابلة نيويورك تايمز يعكس سياسة جديدة للامم المتحدة تجاه العراق . وفي حدود مكتبي في بغداد بعيدا عن ميادين السياسة العالمية في نيويورك، لم اكن املك عند سماعي ذلك سوي ان اضحك في سري. لكنني بدأت ايضا ادرك ان تخطي عتبة كوني موظفا مطيعا الي مهتد بضميري سبب خسائر.كان من بين الذين وفدوا الي بغداد في فترات منتظمة مجموعات من اسبانيا وايطاليا وفرنسا. ففي العام 1999 جاؤوا في حافلات ركاب ـ 160 اسبانيا واكثر من مئة ايطالي واعداد اقل من جنسيات اخري. واقاموا مخيما علي الجانب الآخر من الشارع العريض امام مكاتب الامم المتحدة في فندق القناة. كانوا من مختلف الاعمار مع اغلبية من الشباب. وكنا نراهم يوزعون منشورات ويحاولون مناقشة موظفين داخلين الي مجمع الامم المتحدة او خارجين منه حول سياسات الامم المتحدة. وتركتهم الشرطة العراقية وشأنهم ولم تتدخل. وبدت حائرة في امر اولئك الاجانب الذين يتدخلون بالنيابة عن العراقيين. وكثيرا ما حدثت نفسي عما كان يمكن ان يكون حال العراق بثروته البشرية والثقافية وموارده المالية لو ان حرية التعبير التي تتمتع بها تلك المجموعات الآتية من الخارج تُمنح للعراقيين.خصصت وقتا لألتقي هذه المجموعات وكنت ادهش دوما بتنوع خلفياتهم. كان هناك اطباء وقساوسة وكهنة واساتذة وموظفون رسميون متقاعدون وطلبة وربات منازل ـ عينات نموذجية حقيقية من مجتمعاتهم، موحدة في تفاعلها ازاء ما كانت تراه سياسة دولية خاطئة بصورة خطرة.بالاضافة الي صحافيين فضوليين حالفهم الحظ بالحصول علي تأشيرات دخول عراقية، كان هناك القليل من الآتين من اوروبا، نادرا ما كان من بينهم اسكندنافيون، وقليل من دول البينيلوكس والمانيا وبريطانيا. اما البلد الذي جاء منه العدد الأكبر من مجموعات السلام فكان الولايات المتحدة. وكانت غالبا بقيادة كاثي كيلي، المرأة الرقيقة المتوسطة العمر من شيكاغو والتي ترأس جماعة سلام نشطة معروفة لدي مثيلاتها بـVitW، او اصوات في البرية . وتحت زعامتها نمت في الولايات المتحدة منذ حرب الخليج 1991 حركة اجتماعية من اجل السلام والعدالة في الوطن والخارج. وعاما بعد عام جاءت ومجموعاتها الي العراق في مهمات انسانية كي تمد بطرقها المتواضعة عائلات فقيرة بما يقيم اودها وكي تثير اهتمام اقرانها ف الوطن بالظروف التي انشأتها السياسة الدولية في العراق. وقد تعرضت لأحكام بالسجن وغرامات وتهديدات من مكتب التحقيقات الاتحادي FBI باغلاق مكتبها الصغير، لكن لا شيء من هذا ثني هذه المرأة القوية عن المثابرة والمضي بمهمتها. وتحولت الي ايقونة حقيقية للضمير العالمي. ومثل حسها وحس مواطنيها الانساني، ودعواتهم لوضع حد للمأساة في العراق، في موقف متباين تماما مع موقع حكومتهم الرسمي. وبحسب تعبير السفير بيتر بيرلي، القائم باعمال ممثل الولايات المتحدة في الامم المتحدة، فان الولايات المتحدة تبدي اهتماما عميقا ودائما برخاء المواطن، العراقي… ونحن نري بعين الرضا النجاح المؤكد الذي يحققه هذا الجهد الانساني الهام… لقد احدث تحسنا كبيرا في ظروف المدنيين العراقيين المعيشية . هكذا دللت واشنطن الرسمية علي حجتها في مجلس الامن.أنّي لأي امرئ ان يتوصل الي استنتاجات كهذه في الوقت الذي كان تقرير تلو تقرير من جهاز الامم المتحدة ومن منظمات غير حكومية يثبت بالوثائق حجم الكارثة التي سببتها عقوبات الامم المتحدة الاقتصادية؟نادرا ما كان هناك في العراق زائرون امريكيون من واشنطن الرسمية. وكان الذين يجيئون وهم مقتنعون بمبررات العقوبات فيرون بأنفسهم ما آلت اليه ظروف الشعب المعيشية، يعودون وهم يحملون آراء اقرب الي آرائنا في الامم المتحدة في بغداد. وفي هذا السياق اذكر جيدا زيارة وفد من خمسة مساعدين في الكونغرس الامريكي. كان اربعة منهم قد اتوا بمواقف متناقضة من سياسة حكومتهم بشأن العقوبات؛ اما الخامس، آوس هوتشستاين، ممثل سام جيدنسون الديمقراطي المحافظ في الكونغرس الامريكي من كونكتيكت، فلم يتردد في التصريح في اول لقاء من سلسلة لقاءاتنا في مكتبي بأنه أتي الي العراق للدفاع بأمانة عن الموقف المتشدد الذي يقفه الكونغرس والبيت الابيض كلاهما.بعد اسبوع من زيارات الي مدارس ومستشفيات وورش المياه والمرافق الصحية، ولقاءات مع مسؤولين حكوميين منهم نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، بالاضافة الي الاستماع الي معطيات مفصلة من موظفي الامم المتحدة ومنظمات غير حكومية، بدا الاربعة في حالة من الانقباض النفسي بفعل ما رأوه وسمعوه. ووفقا لتقرير رحلتهم، كانت الزيارة معدة بناء علي قلق متزايد في الكونغرس (الامريكي) وفي اوساط الشعب الامريكي بشأن التأثير الانساني للسياسة الامريكية في العراق . وبقي آموس هوتشستاين مقتنعا بوجوب بقاء العقوبات لكني فوجئت باقرار بأن ثمة حاجة الي انسنة هذه العقوبات. وفي حين اني لم اكن اتوقع حدوث هذا، فقد حفزني الانطباع الذذي ولدته احوال البلد فيه وفي سائر اعضاء الوفد الامريكي. وكان الامر الذي اخفاه، كما الذي اخفاه، كما اكتشفت لاحقا، هو انه التقي علي حدة وكيل وزارة الخارجية العراقية نزار حمدون لمناقشة مسألة سياسية ساخنة : احتمال اعادة توطين عدة آلاف من الفلسطينيين في وسط العراق في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. وافترض ان هذا كان مهمة محددة اكثر مما هو مجرد نقطة اثيرت من منطلق فضوليته الشخصية.في لقـــــاءات، اعقبت هـــذه الزيارة، مع ريشارد كريستوسيك Ryszard Krystsik رئيس قسم المصالح الامريكية في السفارة البولونية في بغداد، اثبت مسألة مثل هذه الزيارات من اعضاء في الكونغرس ملمحا الي وجوب تشجيع المزيد من المساعدين وربما اعضاء في الكونغرس من الرجال والنساء، فضلا عن اعضاء في مجلس الشيوخ الامريكي، علي الاهتداء الي سبيلهم الي بغداد. هذا لم يحدث للأسف بل ازداد الموقف الامريكي الرسمي من العراق تصلبا اكثر فأكثر في الاشهر والاعوام التالية.ان الانقسام العميق في الادراك بين اولئك الذين هم في مناصب سياسية والذين هم من عامة الناس لم يكن صفة دالة تماما علي الموقف في الولايات المتحدة.خلال زيارتي لمجلس العموم ومجلس اللوردات البريطانيين، استشعرت قلقا واسعا من الموقف المتشدد الذي اتخذته حكومة طوني بلير بشأن العراق. وكان النائبان العماليان طوني بن وجورج غالواي من بين اشد المنتقدين لسياسة الحكومة البريطانية تجاه العراق؛ فالنائب بن اعرب خلال مشاركته في نقاش حول العراق في مجلس العموم في كانون الثاني/يناير 1998 عن امله بأن يفهم رئيس الوزراء ان التهمة الموجهة الي الحكومتين الامريكية والبريطانية هي انهما تطبقان عقوبات تصل الي مستوي ابادة جماعية . وفي العام 1991 قال غالواي خلال مناقشة مماثلة: ارجوكم لا تقولوا لي ان الاغذية والادوية ليست مشمولة بالعقوبات… اذا اخضعنا بلدا لحصار محكم علي طريقة حصارات القرون الوسطي، وافلسنا اقتصاده وجمدنا اصوله الدولية، فكم من الاغذية والادوية يستطيع ان يشتري؟ كانت هذه لهجة بالغة الشدة، ولكن عبارات التشديد لم تكن خاطئة وتشارك فيها اغلبية من البريطانيين. طبعا كانت مجموعات ناشطة، مثل CASI، وهي مجموعة محترفة وصادقة الالتزام من الطلبة في كيمبريدج، و اصوات في البرية (بريطانيا)، و صداقة عبر الحدود ، اصرح كثيرا بانتقادها لسياسة الحكومة البريطانية بشأن العقوبات.اذكر اول لقاء من سلسلة لقاءات مع اعضاء في البرلمان البريطاني في تموز/يوليو 1999 في لندن. فقد كتبت لجنة التنمية الدولية، وهي لجنة من 11 نائبا من الاحزاب الثلاثة (العمال والمحافظون والديمقراطيون الليبراليون) برئاسة بوون ويلز، وهو من المحافظين، الي مكتب الامين العام للامم المتحدة طالبة ان يُسمح لي بأن امثل امام هذه اللجنة البرلمانية لأقدم بينة علي الوضع في العراق. وقد اشار في هذه الرسالة الي ان عددا من المجموعات ـ ومنها وفد ارسله اسقف كانتربري ـ اوصت بأن نأخذ بينة من مركز معلومات الشؤون الانسانية للعراق . ومضت اسابيع عدة قبل ان اتلقي اذنا من مكتب الامين العام للامم المتحدة في نيويورك لأسافر الي لندن، لكن ليس من دون اعتراضات من المدير التنفيذي لبرنامج العراق؛ اذ شعر بأن مثل هذه الشهادة من الامم المتحدة ليست ضرورية. انا، طبعا، كنت اري خلاف ذلك وكنت حريصا علي الذهاب نظرا الي ان الحكومة البريطانية مدافعة عن سياسة غير قابلة للدفاع عنها. ووافق رئيس ديوان الامم المتحدة اقبال رضا علي هذا اللقاء شرط ان يُعقد سرا وألا يعلن شيء عن اللقاء، سواء قبل انعقاده ام بعد انعقاده.ومع ذلك كان هذا اشارة اخري واضحة الي الضغط الممارس علي الامم المتحدة كي تقطر الخط الامريكي ـ البريطاني تماما كالمحاولات المتكررة التي بذلتها البعثتان الامريكية ـ البريطانية الي الامم المتحدة لمنعي ومنع موظفين آخرين في الامم المتحدة في بغداد. من زيارة مجلس الامن لتقديم معلومات او لتغيير اسلوب وضع التقارير من حسابات تقنية وضيقة بشأن الامدادات الي مراجعات اوسع لبرنامج النفط مقابل الغذاء وتأثيره علي المدنيين العراقيين.كان بين الذين حضروا اللقاء في وستمنستر خلف ابواب موصدة ، بالاضافة الي النواب، وهنا المفاجأة، مدير مركز الامم المتحدة للاعلام في لندن، احمد فوزي. ربما شعرت امانة الامم المتحدة بأنه لا ينبغي فقط ان يكون للجنة شاهد وانما ينبغي ان يكون لأمانة الامم المتحدة شاهد ايضا. اعرف فوزي منذ اعوام عديدة. وحضوره لم يزعجني. وفي اي حال، لم يكن لديّ ما ابوح به للجنة ولم اكن قد استرعيت به من قبل اهتمام الامين العام للامم المتحدة وزملاء آخرين في نيويورك او اهتمام مجلس الامن او، بما يخص ذلك، اهتمام السفيرين في البعثة البريطانية في نيويورك غرينستوك والدون. وفي سياق حديثي للجنة البرلمانية عن حدة تأثير العقوبات الاقتصادية والضرر الذي احدثته القوات الجوية الامريكية والبريطانية، اشرت ايضا الي لا شرعية اقامة منطقتي حظر للطيران.كانت اللجنة تتابع شؤون العراق منذ اعوام عدة وتعرف ما كنت اتحدث عنه.7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية